الدر المصون في علوم الكتاب المكنون — السمين الحلبي

عن الكتاب
قوله :﴿بَلْ مَكْرُ الْلَّيْلِ﴾ : يجوز رفعُه مِنْ ثلاثةِ أوجه، أحدها : الفاعليةُ تقديره : بل صَدَّنا مَكْرُكُمْ في هذين الوقتين. الثاني : أَنْ يكونَ مبتدأً خبرُه محذوفٌ، أي : مَكْرُ الليلِ صَدَّنا. الثالث : العكسُ أي : سببُ كفرِنا مَكْرُكم. وإضافةُ المَكْرِ إلى الليلِ والنهار : إمَّا على الإِسنادِ المجازيِّ كقولهم : ليلٌ ماكرٌ، فيكونُ مصدراً مضافاً لمرفوعِه، وإمَّا على الاتساعِ في الظرف فجُعِل كالمفعولِ به، فيكونُ مضافاً لمنصوبِه. وهذان أحسنُ مِنْ قول مَنْ قال : إنَّ الإِضافةَ بمعنى " في " أي : في الليل ؛ لأنَّ ذلك لم يَثْبُتْ في غيرِ مَحَلِّ النِّزاع.
وقرأ العامَّةُ " مَكْرُ " خفيفَ الراءِ ساكنَ الكاف مضافاً لِما بعده. وابن يعمر وقتادةُ بتنوين " مكرٌ " وانتصابِ الليل والنهار ظرفَيْن. وقرأ أيضاً وسعيد بن جبير وأبو رُزَيْن بفتحِ الكافِ وتشديدِ الراء مضافاً لِما بعده. أي : كُرورُ الليل والنهار واختلافُهما، مِنْ كَرَّ يَكُرُّ، إذا جاء وذهب. وقرأ ابن جُبير أيضاً وطلحة وراشد القارئ - وهو الذي كان يصحِّحُ المصاحفَ أيامَ الحَجَّاج بأمرِه - كذلك إلاَّ أنه بنصبِ الراء. وفيها أوجهٌ، أظهرُها : ما قاله الزمخشري، وهو الانتصابُ على المصدرِ قال :" بل تَكُرُّون الإِغواءَ مَكَرَّاً دائماً لا تَفْتَرُون عنه ". الثاني : النصبُ على الظرفِ بإضمارِ فِعْلٍ أي : بل صَدَدْتُمونا مَكَرَّ الليلِ والنهارِ أي : دائماً. الثالث : أنه منصوبٌ بتَأْمُرُوننا، قاله أبو الفَضل الرازي، وهو غلطٌ ؛ لأنَّ ما بعد المضافِ لا يَعْمل فيما قبلَه إلاَّ في مسألةٍ واحدةٍ : وهي " غير " إذا كانَتْ بمعنى " لا " كقوله :
٣٧٤٨ إنَّ أمْرَأً خَصَّني عَمْداً مَوَدَّتَهعلى التَّنائي لَعِندي غيرُ مَكْفورِ
وتقريرُ هذا تقدَّمَ أواخرَ الفاتحة.
وجاء قولُه :﴿قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُواْ﴾ بغيرِ عاطفٍ ؛ لأنَّه جوابٌ لقولِ الضَّعَفَةِ، فاسْتُؤْنِفَ، بخلافِ قولِه :﴿وَقَالَ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُواْ﴾ فإنه لَمَّا لم يكنْ جواباً عُطِف. والضميرُ في " وأَسَرُّوا الندامةَ " للجميع : للأتباع والمتبوعين.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى