مفاتيح الغيب — فخر الدين الرازي
عن الكتاب
ثم بين أنهم كالذين من قبلهم كذبوا مثل عاد وثمود، وقوله تعالى :﴿وما بلغوا معشار ما آتيناهم﴾ قال المفسرون معناه : وما بلغ هؤلاء المشركون معشار ما آتينا المتقدمين من القوة والنعمة وطول العمر، ثم إن الله أخذهم وما نفعتهم قوتهم، فكيف حال هؤلاء الضعفاء، وعندي [ أنه ] يحتمل ذلك وجها آخر وهو أن يقال المراد :﴿وكذب الذين من قبلهم وما بلغوا معشار ما آتيناهم﴾ أي الذين من قبلهم ما بلغوا معشار ما آتينا قوم محمد من البيان والبرهان، وذلك لأن كتاب محمد عليه السلام أكمل من سائر الكتب وأوضح، ومحمد عليه السلام أفضل من جميع الرسل وأفصح، وبرهانه أوفى، وبيانه أشفى، ثم إن المتقدمين لما كذبوا بما جاءهم من الكتب وبمن أتاهم من الرسل أنكر عليهم وكيف لا ينكر عليهم، وقد كذبوا بأفصح الرسل، وأوضح السبل، يؤيد ما ذكرنا من المعنى قوله تعالى :﴿وما آتيناهم من كتب يدرسونها﴾ يعني غير القرآن ما آتيناهم كتابا وما أرسنا إليهم قبلك من نذير، فلما كان المؤتى في الآية الأولى هو الكتاب، فحمل الإيتاء في الآية الثانية على إيتاء الكتاب أولى.