الدر المصون في علوم الكتاب المكنون — السمين الحلبي

عن الكتاب
والضميرُ في " آمنَّا به " لله تعالى، أو للرسول، أو للقرآن، أو للعذاب، أو للبعث.
قوله :" التَّناوُشُ " مبتدأ، و " أنَّى " خبرُه أي : كيف لهم التناوشُ. و " لهم " حالٌ. ويجوزُ أَنْ يكونَ " لهم " رافعاً للتناوش لاعتمادِه على الاستفهامِ، تقديرُه : كيف استقرَّ لهم التناوش ؟ وفيه بُعْدٌ. والتناؤُش مهموزٌ في قراءة الأخوَيْن وأبي عمرو وأبي بكر، وبالواوِ في قراءةِ غيرِهم، فيُحتمل أن تكونا مادتين مستقلَّتين مع اتِّحاد معناهما. وقيل : الهمزةُ عن الواو لانضمامِها كوُجوه وأُجُوه، ووُقِّتَتْ وأُقِّتَتْ. وإليه ذهب جماعةٌ كثيرةٌ كالزَّجَّاج والزمخشري وابن عطية والحوفي وأبي البقاء. قال الزجَّاج :" كلُّ واوٍ مضمومةٍ ضمةً لازمةً فأنت فيها بالخِيار " وتابعه الباقون قريباً مِنْ عبارِته. ورَدَّ الشيخ هذا الإِطلاقَ وقَيَّده : بأنَّه لا بُدَّ أَنْ تكونَ الواوُ غيرَ مُدْغَمٍ فيها تحرُّزاً من التعَوُّذ، وأَنْ تكونَ غيرَ مُصَحَّحةٍ في الفعلِ، فإنها متى صَحَّت في الفعل لم تُبْدَلْ همزةً نحو : تَرَهْوَكَ تَرَهْوُكاً، وتعاوَنَ تعاوُناً. وبهذا القيدِ الأخير يَبْطُلُ قولُهم ؛ لأنها صَحَّتْ في تَنَاوَشَ يتناوَشُ، ومتى سُلِّم له هذان القيدان أو الأخِيرُ منهما ثَبَتَ رَدُّه.
والتناوُش : الرُّجوع. وأُنْشِدَ :
٣٧٥٠ تَمَنَّى أَنْ تَؤُوْبَ إليَّ مَيٌّوليس إلى تناوُشِها سبيلُ
أي : إلى رجوعِها. وقيل : هو التناوُل يقال : ناشَ كذا أي : تناولَه. ومنه : تناوَشَ القوم بالسِّلاح كقوله :
٣٧٥١ ظَلَّتْ سُيوفُ بني أَبيه تَنُوْشُهللهِ أرحام هناك تُشَقَّقُ
وقال آخر :
٣٧٥٢ فَهْيَ تَنُوْشُ الحَوْضَ نَوْشاً مِنْ عَلانَوْشاً به تَقْطَعُ أجوازَ الفَلا
وفَرَّق بعضُهم بين المهموزِ وغيرِه، فجعله بالهمزِ بمعنى التأخُّر. قال الفراء :" مِنْ نَأَشْتُ أي : تَأخَّرْتُ ". وأنشد :
٣٧٥٣ تَمَنَّى نَئِيْشاً أَنْ يكونُ مُطاعِناًوقد حَدَثَتْ بعد الأمورِ أمورُ
وقال آخر :
٣٧٥٤ قَعَدْتَ زماناً عن طِلابك للعُلاوجِئْتَ نَئيشاً بعد ما فاتَكَ الخبرُ
وقال الفراء :" أيضاً هما متقاربان. يعني الهمزَ وتَرْكَه مثل : ذِمْتُ الرجلَ، وذَأََمْتُه أي : عِبْتُه " وانتاش انتِياشاً كَتَناوَشَ تناوُشاً. قال :
٣٧٥٥ باتَتْ تَنُوْشُ العَنَقَ انْتِياشاً ***
وهذا مصدرٌ على غيرِ الصدرِ. و " مِنْ مكانٍ " متعلِّقٌ بالتَّناوش.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى