الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل — الزمخشري
عن الكتاب
﴿وَيَقْذِفُونَ﴾ معطوف على قد كفروا، على حكاية الحال الماضية، يعني : وكانوا يتكلمون ﴿بالغيب﴾ ويأتون به ﴿مِن مَّكَانِ بَعِيدٍ﴾ وهو قولهم في رسول الله ﷺ شاعر، ساحر، كذاب. وهذا تكلم بالغيب والأمر الخفي، لأنهم لم يشاهدوا منه سحراً ولا شعراً ولا كذباً، وقد أتوا بهذا الغيب من جهة بعيدة من حاله، لأن أبعد شيء مما جاء به : الشعر والسحر، وأبعد شيء من عادته التي عرفت بينهم وجربت : الكذب والزور : قرىء :«ويقذفون بالغيب »، على البناء للمفعول، أي : يأتيهم به شياطينهم ويلقنوهم إياه، وإن شئت فعلقه بقوله :﴿وَقَالُواْ ءامَنَّا بِهِ﴾ على أنه مثلهم في طلبهم تحصيل ما عطلوه من الإيمان في الدنيا بقولهم آمنا في الآخرة، وذلك مطلب مستبعد بمن يقذف شيئاً من مكان بعيد لا مجال للظن في لحوقه، حيث يريد أن يقع فيه لكونه غائباً عنه شاحطاً، والغيب : الشيء الغائب، ويجوز أن يكون الضمير للعذاب الشديد في قوله :﴿بَيْنَ يَدَىْ عَذَابٍ شَدِيد﴾ [سبأ: ٤٦] وكانوا يقولون : وما نحن بمعذبين، إن كان الأمر كما تصفون من قيام الساعة والعقاب والثواب، ونحن أكرم على الله من أن يعذّبنا، قائسين أمر الآخرة على أمر الدنيا ؛ فهذا كان قذفهم بالغيب، وهو غيب ومقذوف به من جهة بعيدة ؛ لأن دار الجزاء لا تنقاس على دار التكليف.