الدر المصون في علوم الكتاب المكنون — السمين الحلبي

عن الكتاب
قوله :﴿أَفْتَرَى﴾ : هذه همزةُ استفهامٍ. وحُذِفَتْ لأجلها همزةُ الوصل، فلذلك تَثْبُتُ هذه الهمزةُ وصلاً وابتداءً. وبهذه الآيةِ استدلَّ الجاحظُ على أنَّ الكلامَ ثلاثةُ أقسامٍ : صدقٍ، كذبٍ، لا صدقٍ ولا كذبٍ. ووَجْهُ الدلالةِ منه على القسمِ الثالث أنَّ قولَه :﴿أَم بِهِ جِنَّةٌ﴾ لا جائزٌ أن يكون كذباً لأنه قسيمُ الكذبِ، وقسيمُ الشَيءِ غيرُه، ولا جائزٌ أن يكون صِدْقاً لأنهم لم يعتقدوه، فثبت قسمٌ ثالث. وقد أجيب عنه بأن المعنى : أم لم يَفْتَرِ. ولكن عَبَّر عن هذا بقولهم ﴿أَم بِهِ جِنَّةٌ﴾ لأن المجنونَ لا افتراءَ له.
والظاهرُ في " أم " هذه متصلةٌ ؛ لأنها تتقدَّرُ بأي الشيئين. ويجابُ بأحدِهما، كأنه قيل : أيُّ الشيئين واقعٌ : افتراؤه الكذبَ أم كونُه مجنوناً ؟ ولا يَضُرُّكونُها بعدها جملةٌ ؛ لأنَّ الجملةَ بتأويلِ المفردِ كقوله :
/٣٧٢١ لا أُبالي أَنَبَّ بالحَزْنِ تَيْسٌأم جفاني بظهرِ غَيْبٍ لئيمُ
ومثلُه قولُ الآخر :
٣٧٢٢ لَعَمْرُك ما أدْري وإنْ كنتُ دارياًشُعَيْثُ ابن سَهْمٍ أم شُعَيْثُ ابنُ منقرِ
" ابن منقر " خبرٌ، لا نعت. كذا أنشده بعضُهم مستشهداً على أنها جملةٌ، وفيه حَذْفُ التنوين مِمَّا قبل " ابن " وليس بصفةٍ. وقد عَرَفْتَ ما أَشَرْتُ إليه هنا من سورة التوبة.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى