البحر المحيط في التفسير — أبو حيان الأندلسي

عن الكتاب
والظاهر أن قوله :﴿أفترى﴾ من قول بعضهم لبعض، أي هو مفتر، ﴿على الله كذباً﴾ فيما ينسب إليه من أمر البعث، ﴿أم به﴾ جنون يوهمه ذلك ويلقيه على لسانه.
عادلوا بين الافتراء والجنون، لأن هذا القول عندهم إنما يصدر عن أحد هذين، لأنه إذا كان يعتقد خلاف ما أتى به فهو مفتر، وإن كان لا يعتقده فهو مجنون.
ويحتمل أن يكون من كلام السامع المجيب لمن قال :﴿هل ندلكم﴾، ردد بين الشيئين ولم يجزم بأحدهما، حيث جوز هذا وجوز هذا، ولم يجزم بأنه افتراء محض، احترازاً من أن ينسب الكذب لعاقل نسبة قطعية، إذ العاقل حتى الكافر لا يرضى بالكذب، لا من نفسه ولا من غيره، وأضرب تعالى عن مقالتهم، والمعنى : ليس للرسول كما نسبتم ألبتة، بل أنتم في عذاب النار، أو في عذاب الدنيا بما تكابدونه من إبطال الشرع وهو بحق، وإطفاء نور الله وهو متم.
ولما كان الكلام في البعث قال :﴿بل الذين لا يؤمنون بالآخرة﴾، فرتب العذاب على إنكار البعث، وتقدم الكلام في وصف الضلال بالبعد، وهو من أوصاف المحال استعير للمعنى، ومعنى بعده : أنه لا ينقضي خبره المتلبس به.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى