مفاتيح الغيب — فخر الدين الرازي

عن الكتاب
ثم بين تعالى أن هؤلاء المكذبين وإن تأخر هلاكهم فكأنه واقع بهم فقال :﴿وما ينظر هؤلآء إلا صيحة واحدة ما لها من فواق﴾ وفي تفسير هذه الصيحة قولان الأول : أن يكون المراد عذابا يفجؤهم ويجيئهم دفعة واحدة، كما يقال صاح الزمان بهم إذا هلكوا قال الشاعر :
صاح الزمان بآل برمك صيحةخروا لشدتها على الأذقان
ويشبه أن يكون أصل ذلك من الغارة إذا عافصت القوم فوقعت الصيحة فيهم، ونظيره قوله تعالى :﴿فهل ينتظرون إلا مثل أيام الذين خلوا من قبلهم﴾ الآية والقول الثاني : أن هذه الصيحة هي صيحة النفخة الأولى في الصور، كما قال تعالى في سورة يس :﴿ما ينظرون إلا صيحة واحدة تأخذهم وهم يخصمون﴾ والمعنى أنهم وإن لم يذوقوا عذابي في الدنيا فهو معد لهم يوم القيامة، فكأنهم بذلك العذاب وقد جاءهم فجعلهم منتظرين لها على معنى قربها منهم، كالرجل الذي ينتظر الشيء فهو ماد الطرف إليه يطمع كل ساعة في حضوره، ثم إنه سبحانه وصف هذه الصيحة فقال :﴿ما لها من فواق﴾ قرأ حمزة والكسائي ﴿فواق﴾ بضم الفاء، والباقون بفتحها، قال الكسائي والفراء وأبو عبيدة والأخفش : هما لغتان من فواق الناقة. وهو ما بين حلبتي الناقة وأصله من الرجوع، يقال أفاق من مرضه، أي رجع إلى الصحة، فالزمان الحاصل بين الحلبتين لعود اللبن إلى الضرع يسمى فواقا بالفتح وبالضم، كقولك قصاص الشعر وقصاصه، قال الواحدي : والفواق والفواق إسمان من الأفاقة، والأفاقة معناها الرجوع والسكون كأفاقة المريض، إلا أن الفواق بالفتح يجوز أن يقام مقام المصدر، والفواق بالضم اسم لذلك الزمان الذي يعود فيه اللبن إلى الضرع، وروى الواحدي في البسيط عن أبي هريرة عن النبي ﷺ أنه قال في هذه الآية :«يأمر الله إسرافيل فينفخ نفخة الفزع، قال فيمدها ويطولها » وهي التي يقول :﴿ما لها من فواق﴾ ثم قال الواحدي : وهذا يحتمل معنيين أحدهما : ما لها سكون والثاني : ما لها رجوع، والمعنى ما تسكن تلك الصيحة ولا ترجع إلى السكون، ويقال لكل من بقي على حالة واحدة، إنه لا يفيق منه ولا يستفيق، والله أعلم.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى