الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل — الزمخشري

عن الكتاب
فإن قلت : كيف تطابق قوله :﴿اصبر على مَا يَقُولُونَ﴾ وقوله :﴿واذكر عَبْدَنَا دَاوُودُ﴾ حتى عطف أحدهما على صاحبه ؟ قلت : كأنه قال لنبيه عليه الصلاة والسلام : اصبر على ما يقولون، وعظم أمر معصية الله في أعينهم بذكر قصة داود، وهو أنه نبيّ من أنبياء الله تعالى قد أولاه ما أولاه من النبوّة والملك، ولكرامته عليه وزلفته لديه، ثم زلّ زلّة فبعث إليه الملائكة ووبخه عليها. على طريق التمثيل والتعريض، حتى فطن لما وقع فيه فاستغفر وأناب، ووجد منه ما يحكى من بكائه الدائم وغمّه الواصب، ونقش جنايته في بطن كفه حتى لا يزال يجدد النظر إليها والندم عليها فما الظنّ بكم مع كفركم ومعاصيكم ؟ أو قال له ﷺ : اصبر على ما يقولون، وصن نفسك وحافظ عليها أن تزل فيما كلفت من مصابرتهم وتحمل أذاهم، واذكر أخاك داود وكرامته على الله كيف زلّ تلك الزلّة اليسيرة فلقي من توبيخ الله وتظليمه ونسبته إلى البغي ما لقي ﴿ذَا الأيد﴾ ذا القوّة في الدين المضطلع بمشاقه وتكاليفه، كان على نهوضه بأعباء النبوّة والملك يصوم يوماً ويفطر يوماً وهو أشدّ الصوم، ويقوم نصف الليل. يقال : فلان أيد، وذو أيد، وذو آد. وأياد كل شيء : ما يتقوّى به ﴿أَوَّابٌ﴾ توّاب رجاع إلى مرضاة الله.
فإن قلت : ما دلك على أنّ الأيد القوّة في الدين ؟ قلت : قوله تعالى :﴿إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾ لأنه تعليل لذي الأيد.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى