جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري

عن الكتاب
القول في تأويل قوله تعالى : ﴿قَالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَىَ نِعَاجِهِ وَإِنّ كَثِيراً مّنَ الْخُلَطَآءِ لَيَبْغِيَ بَعْضُهُمْ عَلَىَ بَعْضٍ إِلاّ الّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مّا هُمْ وَظَنّ دَاوُودُ أَنّمَا فَتَنّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبّهُ وَخَرّ رَاكِعاً وَأَنَابَ﴾.
يقول تعالى ذكره : قال داود للخصم المتظلم من صاحبه : لقد ظلمك صاحبك بسؤاله نعجتك إلى نعاجه وهذا مما حُذفت منه الهاء فأضيف بسقوط الهاء منه إلى المفعول به، ومثله قوله عزّ وجلّ : لا يَسْأَمُ الآنسانُ مِنْ دُعاءِ الخَيْرِ والمعنى : من دعائه بالخير، فلما أُلْقِيت الهاء من الدعاء أضيف إلى الخير، وألقي من الخير الباء وإنما كنى بالنعجة ها هنا عن المرأة، والعرب تفعل ذلك ومنه قول الأعشى :
قَدْ كُنْتُ رَائِدَها وَشاةِ مُحَاذِرٍحَذَرَا يُقِلّ بعَيْنِهِ إغْفَالَهَا
يعني بالشاة : امرأة رجل يحذر الناس عليها وإنما يعني : لقد ظلمت بسؤال امرأتك الواحدة إلى التسع والتسعين من نسائه.
وقوله :( وَإنّ كَثِيرا مِنَ الخُلَطاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ على بَعْضٍ ) : يقول : وإن كثيرا من الشركاء ليتعدّى بعضهم على بعض إلاّ الّذِينَ آمَنُوا بالله وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ يقول : وعملوا بطاعة الله، وانتهوا إلى أمره ونهيه، ولم يتجاوزوه وَقَلِيلٌ ما هُمْ. وفي «ما » التي في قوله : وَقَلِيلٌ ما هُم وجهان : أحدهما أن تكون صلة بمعنى : وقليل هم، فيكون إثباتها وإخراجها من الكلام لا يُفسد معنى الكلام : والآخر أن تكون اسما، و«هم » صلة لها، بمعنى : وقليل ما تجدهم، كما يقال : قد كنت أحسبك أعقل مما أنت، فتكون أنت صلة لما، والمعنى : كنت أحسب عقلك أكثر مما هو، فتكون «ما » والاسم مصدرا، ولو لم ترد المصدر لكان الكلام بمن، لأن من التي تكون للناس وأشباههم، ومحكيّ عن العرب : قد كنت أراك أعقل منك مثل ذلك، وقد كنت أرى أنه غير ما هو، بمعنى : كنت أراه على غير ما رأيت. ورُوي عن ابن عباس في ذلك ما :
حدثني به عليّ، قال : حدثنا أبو صالح، قال : ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، في قوله : وَقَلِيلٌ ما هُمْ يقول : وقليل الذين هم.
حدثني يونس، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : قال ابن زيد، في قوله : إلاّ الّذِينَ آمَنُوا وَعملُوا الصّالِحاتِ وَقَلِيلٌ ما هُمْ قال : قليل من لا يبغي.
فعلى هذا التأويل الذي تأوّله ابن عباس معنى الكلام : إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات، وقليل الذين هم كذلك، بمعنى : الذين لا يبغي بعضهم على بعض، و«ما » على هذا القول بمعنى : مَنْ.
وقوله : وَظَنّ دَاوُدُ أنّمَا فَتَنّاهُ يقول : وعلم داود أنما ابتليناه، كما حدثنا بشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة :( وَظَنّ دَاوُدُ ) : علم داود.
حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال : حدثنا ابن عُلَية، عن أبي رجاء، عن الحسن :( وَظَنّ دَاوُدَ أنّمَا فَتَنّاهُ ) : قال : ظنّ أنما ابْتُلِي بذاك.
حدثني عليّ، قال : حدثنا أبو صالح، قال : ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس :( وَظَنّ دَاوُدُ أنّمَا فَتَنّاهُ ) : قال : ظنّ أنما ابتُلي بذاك.
حدثني عليّ، قال : حدثنا أبو صالح، قال : ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس :( وَظَنّ دَاوُدُ أنّمَا فَتَنّاهُ ) : اختبرناه.
والعرب توجه الظنّ إذا أدخلته على الإخبار كثيرا إلى العلم الذي هو من غير وجه العيان.
وقوله : فاسْتَغْفَرَ رَبّهُ يقول : فسأل داود ربه غفران ذنبه وَخَرّ رَاكِعا يقول : وخرّ ساجدا لله وأنابَ يقول : ورجع إلى رضا ربه، وتاب من خطيئته.
واختلف في سبب البلاء الذي ابتُلي به نبيّ الله داود ﷺ، فقال بعضهم : كان سبب ذلك أنه تذكر ما أعطى الله إبراهيم وإسحاق ويعقوب من حسن الثناء الباقي لهم في الناس، فتمنى مثله، فقيل له : إنهم امتُحنوا فصبروا، فسأل أن يُبْتَلى كالذي ابتلوا، ويعطى كالذي أعطوا إن هو صبر. ذكر من قال ذلك :
حدثني محمد بن سعد، قال : ثني أبي، قال : ثني عمي، قال : ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله : وَهَلْ أتاكَ نَبَأُ الخَصْمِ إذْ تَسَوّرُوا المِحْرَابَ قال : إن داود قال : يا ربّ قد أعطيت إبراهيم وإسحاق ويعقوب من الذكر ما لوددت أنك أعطيتني مثله، قال الله : إني ابتليتهم بما لم أبتلك به، فإن شئت ابتليتك بمثل ما ابتليتهم به، وأعطيتك كما أعطيتهم، قال : نعم، قال له : فاعمل حتى أرى بلاءك فكان ما شاء الله أن يكون، وطال ذلك عليه، فكاد أن ينساه فبينا هو في محرابه، إذ وقعت عليه حمامة من ذهب فأراد أن يأخذها، فطار إلى كوّة المحراب، فذهب ليأخذها، فطارت، فاطّلع من الكوّة، فرأى امرأة تغتسل، فنزل نبيّ الله ﷺ من المحراب، فأرسل إليها فجاءته، فسألها عن زوجها وعن شأنها، فأخبرته أن زوجها غائب، فكتب إلى أمير تلك السّرية أن يؤمّره على السرايا ليهلك زوجها، ففعل، فكان يُصاب أصحابه وينجو، وربما نُصروا، وإن الله عزّ وجلّ لما رأى الذي وقع فيه داود، أراد أن يستنقذه فبينما داود ذات يوم في محرابه، إذ تسوّر عليه الخَصْمان من قِبَل وجهه فلما رآهما وهو يقرأ فزع وسكت، وقال : لقد استضعفت في مُلكي حتى إن الناس يتسورون عليّ محرابي، قالا له : لا تخَفْ خَصْمان بَغَى بَعْضُنا عَلى بَعْضٍ ولم يكن لنا بدّ من أن نأتيك، فاسمع منا قال أحدهما : إنّ هَذَا أخي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً أنثى ولي نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ فَقالَ أكْفِلْنِيها يريد أن يتمم بها مئة، ويتركني ليس لي شيء وَعَزّني فِي الخِطابِ قال : إن دعوت ودعا كان أكثر، وإن بطشت وبطش كان أشدّ مني، فذلك قوله : وَعَزّنِي فِي الخِطابِ قال له داود : أنت كنت أحوج إلى نعجتك منه لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إلى نِعاجِهِ. . . إلى قوله : وَقَلِيلٌ ما هُمْ ونسي نفسه ﷺ، فنظر الملكان أحدهما إلى الاَخر حين قال ذلك، فتبسّم أحدهما إلى الاَخر، فرآه داود وظنّ أنما فتن فاستغفر رَبّه وَخَرّ رَاكِعا وأنابَ أربعين ليلة، حتى نبتت الخُضرة من دموع عينيه، ثم شدد الله له ملكه.
حدثنا محمد بن الحسين، قال : حدثنا أحمد بن المفضل، قال : حدثنا أسباط، عن السديّ، في قوله : وَهَلْ أتاكَ نَبأُ الخَصْمِ إذْ تَسَوّرُوا المِحْرابَ قال : كان داود قد قسم الدهر ثلاثة أيام : يوم يَقْضِي فيه بين الناس، ويوم يخلو فيه لعبادة ربه، ويوم يخلو فيه لنسائه وكان له تسع وتسعون امرأة، وكان فيما يقْرأ من الكتب أنه كان يجد فيه فضل إبراهيم وإسحاق ويعقوب فلما وجد ذلك فيما يقرأ من الكتب قال : يا ربّ إن الخير كله قد ذهب به آبائي الذين كانوا قبلي، فأعطني مثل ما أعطيتهم، وافعل بي مثل ما فعلت بهم، قال : فأوحى الله إليه : إن آباءك ابتلوا ببلايا لم تبتل بها ابتلي إبراهيم بذبح ابنه، وابتُلي إسحاق بذهاب بصره، وابتُلي يعقوب بحُزنه على يوسف، وإنك لم تبتل من ذلك بشيء، قال : يا ربّ ابتلني بمثل ما ابتليتهم به، وأعطني مثل ما أعطيتهم قال : فأُوحِيَ إليه : إنك مبتلًى فاحترس قال : فمكث بعد ذلك ما شاء الله أن يمكث، إذ جاءه الشيطان قد تمثل في صورة حمامة من ذهب، حتى وقع عند رجليه وهو قائم يصلي، فمدّ يده ليأخذه، فتنحى فتبعه، فتباعد حتى وقع في كوّة، فذهب ليأخذه، فطار من الكوّة، فنظر أين يقع، فيبعث في أثره. قال : فأبصر امرأة تغتسل على سطح لها، فرأى امرأة من أجمل الناس خَلْقا، فحانت منها التفاتة فأبصرته، فألقت شعرها فاستترت به، قال : فزاده ذلك فيها رغبة، قال : فسأل عنها، فأخبر أن لها زوجا، وأن زوجها غائب بمسلحة كذا وكذا قال : فبعث إلى صاحب المسلحة أن يبعث أهريا إلى عدوّ كذا وكذا، قال : فبعثه، ففُتح له. قال : وكتب إليه بذلك، قال : فكتب إليه أيضا : أن ابعثه إلى عدوّ كذا وكذا، أشدّ منهم بأسا، قال : فبعثه ففُتح له أيضا. قال : فكتب إلى داود بذلك، قالَ : فكتب إليه أن ابعثه إلى عدوّ كذا وكذا، فبعثه فقُتل المرّة الثالثة، قال : وتزوّج امرأته.
قال : فلما دخلت عليه، قال : لم تلبث عنده إلا يسيرا حتى بعث الله مَلَكين في صورة إنسيين، فطلبا أن يدخلا عليه، فوجداه في يوم عبادته، فمنعهما الحرس أن يدخلا، فتسوّروا عليه المحراب، قال : فما شعر وهو يصلي إذ هو بهما بين يديه جالسين، قال : ففزع منهما، فقالا : لا تَخَفْ إنما نحن خَصْمان بَغَى بَعْضُنا على بَعْضٍ فاحْكُمْ بَيْنَنا بالحَقّ وَلا تُشْطِطْ يقول : لا تحف وَاهْدِنَا إلى سَوَاءِ الصّراط : إلى عدل القضاء. قال : فقال : قصّا عليّ قصتكما، قال : فقال أحدهما : إنّ هَذَا أخي لَه تَسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلي نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ فهو يريد أن يأخذ نعجتي، فيكمل بها نعاجه مئة. قال : فقال للآخر : ما تقول ؟ فقال : إن لي تسعا وتسعين نعجة، ولأخي هذا نعجة واحدة، فأنا أريد أن آخذها منه، فأكمل بها نعاجي مئة، قال : وهو كاره ؟ قال : وهو كاره، قال : وهو كاره ؟ قال : إذن لا ندعك وذاك، قال : ما أنت على ذلك بقادر، قال : فإن ذهبت تروم ذلك أو تريد، ضربنا منك هذا وهذا وهذا، وفسر أسباط طرف الأنف، وأصل الأنف والجبهة قال : يا داود أنت أحقّ أن يُضرب منك هذا وهذا وهذا، حيث لك تسع وتسعون نعجة امرأة، ولم يكن لأوريا إلا امرأة واحدة، فلم تزل به تعرّضه للقتل حتى قتلته، وتزوّجت امرأته. قال : فنظر فلم ير شيئا، فعرف ما قد وقع فيه، وما قد ابتُلي به. قال : فخرّ ساجدا، قال : فبكى. قال : فمكث يبكي ساجدا أربعين يوما لا يرفع رأسه إلا لحاجة منها، ثم يقع ساجدا يبكي، ثم يدعو حتى نبت العشب من دموع عينيه. قال : فأوحى الله إليه بعد أربعين يوما : يا داود ارفع رأسك، فقد غفرت لك، فقال : يا ربّ كيف أعلم أنك قد غفرت لي وأنت حكم عدل لا تحيف في القضاء، إذا جاءك أهريا يوم القيامة آخذا رأسه بيمينه أو بشماله تشخب أو داجه دما في قبل عشك يقول : يا ربّ سل هذا فيم قتلني ؟ قال : فأوحى إليه : إذا كان ذلك دعوت أهريا، فأستوهبك منه، فيهبك لي، فأثيبه بذلك الجنة، قال : ربّ الاَن علمت أنك قد غفرت لي، قال : فما استطاع أن يملأ عينيه من السماء حياء من ربه حتى قُبض ﷺ.
حدثني عليّ بن سهل، قال : حدثنا الوليد بن مسلم عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، قال : ثني عطاء الخراساني، قال : نقش داود خطيئته في كفه لكيلا ينساها، قال : فكان إذا رآها خفقت يده واضطربت.
وقال آخرون : بل كان ذلك لعارض كان عرض في نفسه من ظنّ أنه يطيق أن يتم يوما لا يصيب فيه حوبة، فابتلي بالفتنة التي ابتلي بها في اليوم الذي طمع في نفسه بإتمامه بغير إصابة ذنب. ذكر من قال ذلك :
حدثنا بشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن مطر، عن الحسن : إن داود جَزّأ الدهر أربعة أجزاء : يوما لنسائه، ويوما لعبادته، ويوما لقض

تفسير هذه الآية من كتب أخرى