مفاتيح الغيب — فخر الدين الرازي
عن الكتاب
ثم قال تعالى :﴿قال لقد ظلمك بسؤال نعجتك إلى نعاجه﴾ أي سؤال إضافة نعجتك إلى نعاجه، وروي أنه قال له : إن رمت ذلك ضربنا منك هذا وهذا، وأشار إلى الأنف والجبهة فقال : يا داود أنت أحق أن نضرب منك هذا وهذا، وأنت فعلت كيت وكيت، ثم نظر داود فلم ير أحدا فعرف الحال، فإن قيل كيف جاز لداود أن يحكم على أحد الخصمين بمجرد قول خصمه ؟ قلنا ذكروا فيه وجوها :
الأول : قال محمد بن إسحاق : لما فرغ الخصم الأول من كلامه نظر داود إلى الخصم الذي لم يتكلم وقال لئن صدق لقد ظلمته، والحاصل أن هذا الحكم كان مشروطا بشرط كونه صادقا في دعواه.
والثاني : قال ابن الأنباري : لما ادعى أحد الخصمين اعترف الثاني فحكم داود عليه السلام ولم يذكر الله تعالى ذلك الاعتراف لدلالة ظاهر الكلام عليه، كما تقول أمرتك بالتجارة فكسبت تريد اتجرت فكسبت، وقال تعالى :﴿أن اضرب بعصاك البحر فانفلق﴾ أي فضرب فانفلق.
والثالث : أن يكون التقدير أن الخصم الذي هذا شأنه يكون قد ظلمك.
ثم قال تعالى :﴿وإن كثيرا من الخلطاء ليبغى بعضهم على بعض﴾ قال : الليث خليط الرجل مخالطه، وقال الزجاج : الخلطاء الشركاء، فإن قيل لم خص داود الخلطاء يبغي بعضهم على بعض مع أن غير الخلطاء قد يفعلون ذلك، والجواب لا شك أن المخالطة توجب كثرة المنازعة والمخاصمة، وذلك لأنهما إذا اختلطا اطلع كل واحد منهما على أحوال الآخر فكل ما يملكه من الأشياء النفيسة إذا اطلع عليه عظمت رغبته فيه، فيفضي ذلك إلى زيادة المخاصمة والمنازعة، فلهذا السبب خص داود عليه السلام الخلطاء بزيادة البغي والعدوان، ثم استثنى عن هذا الحكم الذي آمنوا وعملوا الصالحات لأن مخالطة هؤلاء لا تكون إلا لأجل الدين وطلب السعادات الروحانية الحقيقية، فلا جرم مخالطتهم لا توجب المنازعة، وأما الذين تكون مخالطتهم لأجل حب الدنيا لا بد وأن تصير مخالطتهم سببا لمزيد البغي والعدوان، واعلم أن هذا الاستثناء يدل على أن الذين آمنوا وعملوا الصالحات لا يبغي بعضهم على بعض، فلو كان داود عليه السلام قد بغى وتعدى على ذلك الرجل لزم بحكم فتوى داود أن لا يكون من الذين آمنوا وعملوا الصالحات، ومعلوم أن ذلك باطل، فثبت أن قول من يقول المراد من واقعة النعجة قصة داود قول باطل.
ثم قال تعالى :﴿وقليل ما هم﴾ واعلم أن الحكم بقلة أهل الخير كثير في القرآن، قال تعالى :﴿وقليل من عبادى الشكور﴾ وقال داود عليه السلام في هذا الموضع ﴿وقليل ما هم﴾ وحكى تعالى عن إبليس أنه قال :
﴿ولا تجد أكثرهم شاكرين﴾ وسبب القلة أن الدواعي إلى الدنيا كثيرة، وهي الحواس الباطنة والظاهرة وهي عشرة والشهوة والغضب والقوى الطبيعية السبعة فالمجموع تسعة عشر واقفون على باب جهنم البدن، وكلها تدعو إلى الخلق والدنيا واللذة الحسية، وأما الداعي إلى الحق والدين فليس إلا العقل واستيلاء القوة الحسية والطبيعية على الخلق أكثر من القوة العقلية فيهم، فلهذا السبب وقعت القلة في جانب أهل الخير والكثرة في جانب أهل الشر، قال صاحب «الكشاف » وما في قوله :﴿وقليل ما هم﴾ للإبهام وفيه تعجب من قلتهم، قال وإذا أردت أن تتحقق فائدتها وموقعها فاطرحها من قول امرئ القيس : وحديث ما على قصره - وانظر هل بقي له معنى قط.
ثم قال تعالى :﴿وظن داوود أنما فتناه﴾ قالوا معناه وعلم داود أنما فتناه أي امتحناه، قالوا والسبب الذي أوجب حمل لفظ الظن على العلم ههنا أن داود عليه السلام لما قضى بينهما نظر أحدهما إلى صاحبه فضحك، ثم صعد إلى السماء قبل وجهه، فعلم داود أن الله ابتلاه بذلك فثبت أن داود علم ذلك. وإنما جاز حمل لفظ الظن على العلم لأن العلم الاستدلالي يشبه الظن مشابهة عظيمة، والمشابهة علة لجواز المجاز، وأقول : هذا الكلام إنما يلزم إذا قلنا : الخصمان كانا ملكين. أما إذا لم نقل ذلك لا يلزمنا حمل الظن على العلم، بل لقائل أن يقول إنه لما غلب على ظنه حصول الابتلاء من الله تعالى اشتغل بالاستغفار والإنابة.
أما قوله :﴿فاستغفر ربه﴾ أي سأل الغفران من ربه، ثم ههنا وجهان إن قلنا بأنه قد صدرت زلة منه، حملنا هذا الاستغفار عليها، وإن لم نقل به قلنا فيه وجوه :
الأول : أن القوم لما دخلوا عليه قاصدين قتله، وأنه كان سلطانا شديد القهر عظيم القوة، ثم إنه مع أنه مع القدرة الشديدة على الانتقام ومع حصول الفزع في قلبه عفا عنهم ولم يقل لهم شيئا قرب الأمر من أن يدخل في قلبه شيء من العجب، فاستغفر ربه عن تلك الحالة وأناب إلى الله، واعترف بأن إقدامه على ذلك الخير ما كان إلا بتوفيق الله.
فغفر الله له وتجاوز عنه بسبب طريان ذلك الخاطر.
الثاني : لعله هم بإيذاء القوم، ثم قال : إنه لم يدل دليل قاطع على أن هؤلاء قصدوا الشر فعفا عنهم ثم استغفر عن ذلك الهم.
الثالث : لعل القوم تابوا إلى الله وطلبوا منه أن يستغفر الله لهم لأجل أن يقبل توبتهم فاستغفر وتضرع إلى الله، فغفر الله ذنوبهم بسبب شفاعته ودعائه.
وكل هذه الوجوه محتملة ظاهرة، والقرآن مملوء من أمثال هذه الوجوه وإذا كان اللفظ محتملا لما ذكرناه ولم يقم دليل قطعي ولا ظني على التزام المنكرات التي يذكرونها، فما الذي يحملنا على التزامها والقول بها، والذي يؤكد أن الذي ذكرناه أقرب وأقوى أن يقال ختم الله هذه القصة بقوله :﴿وإن له عندنا لزلفى وحسن مئاب﴾ ومثل هذه الخاتمة إنما تحسن في حق من صدر منه عمل كثير في الخدمة والطاعة، وتحمل أنواعا من الشدائد في الموافقة والانقياد، أما إذا كان المذكور السابق هو الإقدام على الجرم والذنب فإن مثل هذه الخاتمة لا تليق به، قال مالك بن دينار ؛ إذا كان يوم القيامة أتى بمنبر رفيع ويوضع في الجنة، ويقال يا داود مجدني بذلك الصوت الحسن الرخيم الذي كنت تمجدني به في الدنيا، والله أعلم.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة: بقي ههنا مباحث :
فالأول : قرئ فتناه وفتناه على أن الألف ضمير الملكين.
الثاني : المشهور أن الاستغفار إنما كان بسبب قصة النعجة والنعاج، وقيل أيضا إنما كان بسبب أنه حكم لأحد الخصمين قبل أن سمع كلام الثاني وذلك غير جائز.
الثالث : قوله ؛ ﴿خر راكعا وأناب﴾ يدل على حصول الركوع، وأما السجود فقد ثبت بالأخبار وكذلك البكاء الشديد في مدة أربعين يوما ثبت بالأخبار.
الرابع : أن مذهب الشافعي رضي الله عنه أن هذا الموضع ليس فيه سجدة التلاوة ؛ قال لأن توبة نبي فلا توجب سجدة التلاوة.
الخامس : استشهد أبو حنيفة رضي الله عنه بهذه الآية في سجود التلاوة على أن الركوع يقوم مقام السجود.
أما قوله :﴿فاستغفر ربه﴾ أي سأل الغفران من ربه، ثم ههنا وجهان إن قلنا بأنه قد صدرت زلة منه، حملنا هذا الاستغفار عليها، وإن لم نقل به قلنا فيه وجوه :
الأول : أن القوم لما دخلوا عليه قاصدين قتله، وأنه كان سلطانا شديد القهر عظيم القوة، ثم إنه مع أنه مع القدرة الشديدة على الانتقام ومع حصول الفزع في قلبه عفا عنهم ولم يقل لهم شيئا قرب الأمر من أن يدخل في قلبه شيء من العجب، فاستغفر ربه عن تلك الحالة وأناب إلى الله، واعترف بأن إقدامه على ذلك الخير ما كان إلا بتوفيق الله.
فغفر الله له وتجاوز عنه بسبب طريان ذلك الخاطر.
الثاني : لعله هم بإيذاء القوم، ثم قال : إنه لم يدل دليل قاطع على أن هؤلاء قصدوا الشر فعفا عنهم ثم استغفر عن ذلك الهم.
الثالث : لعل القوم تابوا إلى الله وطلبوا منه أن يستغفر الله لهم لأجل أن يقبل توبتهم فاستغفر وتضرع إلى الله، فغفر الله ذنوبهم بسبب شفاعته ودعائه.
وكل هذه الوجوه محتملة ظاهرة، والقرآن مملوء من أمثال هذه الوجوه وإذا كان اللفظ محتملا لما ذكرناه ولم يقم دليل قطعي ولا ظني على التزام المنكرات التي يذكرونها، فما الذي يحملنا على التزامها والقول بها، والذي يؤكد أن الذي ذكرناه أقرب وأقوى أن يقال ختم الله هذه القصة بقوله :﴿وإن له عندنا لزلفى وحسن مئاب﴾ ومثل هذه الخاتمة إنما تحسن في حق من صدر منه عمل كثير في الخدمة والطاعة، وتحمل أنواعا من الشدائد في الموافقة والانقياد، أما إذا كان المذكور السابق هو الإقدام على الجرم والذنب فإن مثل هذه الخاتمة لا تليق به، قال مالك بن دينار ؛ إذا كان يوم القيامة أتى بمنبر رفيع ويوضع في الجنة، ويقال يا داود مجدني بذلك الصوت الحسن الرخيم الذي كنت تمجدني به في الدنيا، والله أعلم.
الأول : قال محمد بن إسحاق : لما فرغ الخصم الأول من كلامه نظر داود إلى الخصم الذي لم يتكلم وقال لئن صدق لقد ظلمته، والحاصل أن هذا الحكم كان مشروطا بشرط كونه صادقا في دعواه.
والثاني : قال ابن الأنباري : لما ادعى أحد الخصمين اعترف الثاني فحكم داود عليه السلام ولم يذكر الله تعالى ذلك الاعتراف لدلالة ظاهر الكلام عليه، كما تقول أمرتك بالتجارة فكسبت تريد اتجرت فكسبت، وقال تعالى :﴿أن اضرب بعصاك البحر فانفلق﴾ أي فضرب فانفلق.
والثالث : أن يكون التقدير أن الخصم الذي هذا شأنه يكون قد ظلمك.
ثم قال تعالى :﴿وإن كثيرا من الخلطاء ليبغى بعضهم على بعض﴾ قال : الليث خليط الرجل مخالطه، وقال الزجاج : الخلطاء الشركاء، فإن قيل لم خص داود الخلطاء يبغي بعضهم على بعض مع أن غير الخلطاء قد يفعلون ذلك، والجواب لا شك أن المخالطة توجب كثرة المنازعة والمخاصمة، وذلك لأنهما إذا اختلطا اطلع كل واحد منهما على أحوال الآخر فكل ما يملكه من الأشياء النفيسة إذا اطلع عليه عظمت رغبته فيه، فيفضي ذلك إلى زيادة المخاصمة والمنازعة، فلهذا السبب خص داود عليه السلام الخلطاء بزيادة البغي والعدوان، ثم استثنى عن هذا الحكم الذي آمنوا وعملوا الصالحات لأن مخالطة هؤلاء لا تكون إلا لأجل الدين وطلب السعادات الروحانية الحقيقية، فلا جرم مخالطتهم لا توجب المنازعة، وأما الذين تكون مخالطتهم لأجل حب الدنيا لا بد وأن تصير مخالطتهم سببا لمزيد البغي والعدوان، واعلم أن هذا الاستثناء يدل على أن الذين آمنوا وعملوا الصالحات لا يبغي بعضهم على بعض، فلو كان داود عليه السلام قد بغى وتعدى على ذلك الرجل لزم بحكم فتوى داود أن لا يكون من الذين آمنوا وعملوا الصالحات، ومعلوم أن ذلك باطل، فثبت أن قول من يقول المراد من واقعة النعجة قصة داود قول باطل.
ثم قال تعالى :﴿وقليل ما هم﴾ واعلم أن الحكم بقلة أهل الخير كثير في القرآن، قال تعالى :﴿وقليل من عبادى الشكور﴾ وقال داود عليه السلام في هذا الموضع ﴿وقليل ما هم﴾ وحكى تعالى عن إبليس أنه قال :
﴿ولا تجد أكثرهم شاكرين﴾ وسبب القلة أن الدواعي إلى الدنيا كثيرة، وهي الحواس الباطنة والظاهرة وهي عشرة والشهوة والغضب والقوى الطبيعية السبعة فالمجموع تسعة عشر واقفون على باب جهنم البدن، وكلها تدعو إلى الخلق والدنيا واللذة الحسية، وأما الداعي إلى الحق والدين فليس إلا العقل واستيلاء القوة الحسية والطبيعية على الخلق أكثر من القوة العقلية فيهم، فلهذا السبب وقعت القلة في جانب أهل الخير والكثرة في جانب أهل الشر، قال صاحب «الكشاف » وما في قوله :﴿وقليل ما هم﴾ للإبهام وفيه تعجب من قلتهم، قال وإذا أردت أن تتحقق فائدتها وموقعها فاطرحها من قول امرئ القيس : وحديث ما على قصره - وانظر هل بقي له معنى قط.
ثم قال تعالى :﴿وظن داوود أنما فتناه﴾ قالوا معناه وعلم داود أنما فتناه أي امتحناه، قالوا والسبب الذي أوجب حمل لفظ الظن على العلم ههنا أن داود عليه السلام لما قضى بينهما نظر أحدهما إلى صاحبه فضحك، ثم صعد إلى السماء قبل وجهه، فعلم داود أن الله ابتلاه بذلك فثبت أن داود علم ذلك. وإنما جاز حمل لفظ الظن على العلم لأن العلم الاستدلالي يشبه الظن مشابهة عظيمة، والمشابهة علة لجواز المجاز، وأقول : هذا الكلام إنما يلزم إذا قلنا : الخصمان كانا ملكين. أما إذا لم نقل ذلك لا يلزمنا حمل الظن على العلم، بل لقائل أن يقول إنه لما غلب على ظنه حصول الابتلاء من الله تعالى اشتغل بالاستغفار والإنابة.
أما قوله :﴿فاستغفر ربه﴾ أي سأل الغفران من ربه، ثم ههنا وجهان إن قلنا بأنه قد صدرت زلة منه، حملنا هذا الاستغفار عليها، وإن لم نقل به قلنا فيه وجوه :
الأول : أن القوم لما دخلوا عليه قاصدين قتله، وأنه كان سلطانا شديد القهر عظيم القوة، ثم إنه مع أنه مع القدرة الشديدة على الانتقام ومع حصول الفزع في قلبه عفا عنهم ولم يقل لهم شيئا قرب الأمر من أن يدخل في قلبه شيء من العجب، فاستغفر ربه عن تلك الحالة وأناب إلى الله، واعترف بأن إقدامه على ذلك الخير ما كان إلا بتوفيق الله.
فغفر الله له وتجاوز عنه بسبب طريان ذلك الخاطر.
الثاني : لعله هم بإيذاء القوم، ثم قال : إنه لم يدل دليل قاطع على أن هؤلاء قصدوا الشر فعفا عنهم ثم استغفر عن ذلك الهم.
الثالث : لعل القوم تابوا إلى الله وطلبوا منه أن يستغفر الله لهم لأجل أن يقبل توبتهم فاستغفر وتضرع إلى الله، فغفر الله ذنوبهم بسبب شفاعته ودعائه.
وكل هذه الوجوه محتملة ظاهرة، والقرآن مملوء من أمثال هذه الوجوه وإذا كان اللفظ محتملا لما ذكرناه ولم يقم دليل قطعي ولا ظني على التزام المنكرات التي يذكرونها، فما الذي يحملنا على التزامها والقول بها، والذي يؤكد أن الذي ذكرناه أقرب وأقوى أن يقال ختم الله هذه القصة بقوله :﴿وإن له عندنا لزلفى وحسن مئاب﴾ ومثل هذه الخاتمة إنما تحسن في حق من صدر منه عمل كثير في الخدمة والطاعة، وتحمل أنواعا من الشدائد في الموافقة والانقياد، أما إذا كان المذكور السابق هو الإقدام على الجرم والذنب فإن مثل هذه الخاتمة لا تليق به، قال مالك بن دينار ؛ إذا كان يوم القيامة أتى بمنبر رفيع ويوضع في الجنة، ويقال يا داود مجدني بذلك الصوت الحسن الرخيم الذي كنت تمجدني به في الدنيا، والله أعلم.
فالأول : قرئ فتناه وفتناه على أن الألف ضمير الملكين.
الثاني : المشهور أن الاستغفار إنما كان بسبب قصة النعجة والنعاج، وقيل أيضا إنما كان بسبب أنه حكم لأحد الخصمين قبل أن سمع كلام الثاني وذلك غير جائز.
الثالث : قوله ؛ ﴿خر راكعا وأناب﴾ يدل على حصول الركوع، وأما السجود فقد ثبت بالأخبار وكذلك البكاء الشديد في مدة أربعين يوما ثبت بالأخبار.
الرابع : أن مذهب الشافعي رضي الله عنه أن هذا الموضع ليس فيه سجدة التلاوة ؛ قال لأن توبة نبي فلا توجب سجدة التلاوة.
الخامس : استشهد أبو حنيفة رضي الله عنه بهذه الآية في سجود التلاوة على أن الركوع يقوم مقام السجود.
أما قوله :﴿فاستغفر ربه﴾ أي سأل الغفران من ربه، ثم ههنا وجهان إن قلنا بأنه قد صدرت زلة منه، حملنا هذا الاستغفار عليها، وإن لم نقل به قلنا فيه وجوه :
الأول : أن القوم لما دخلوا عليه قاصدين قتله، وأنه كان سلطانا شديد القهر عظيم القوة، ثم إنه مع أنه مع القدرة الشديدة على الانتقام ومع حصول الفزع في قلبه عفا عنهم ولم يقل لهم شيئا قرب الأمر من أن يدخل في قلبه شيء من العجب، فاستغفر ربه عن تلك الحالة وأناب إلى الله، واعترف بأن إقدامه على ذلك الخير ما كان إلا بتوفيق الله.
فغفر الله له وتجاوز عنه بسبب طريان ذلك الخاطر.
الثاني : لعله هم بإيذاء القوم، ثم قال : إنه لم يدل دليل قاطع على أن هؤلاء قصدوا الشر فعفا عنهم ثم استغفر عن ذلك الهم.
الثالث : لعل القوم تابوا إلى الله وطلبوا منه أن يستغفر الله لهم لأجل أن يقبل توبتهم فاستغفر وتضرع إلى الله، فغفر الله ذنوبهم بسبب شفاعته ودعائه.
وكل هذه الوجوه محتملة ظاهرة، والقرآن مملوء من أمثال هذه الوجوه وإذا كان اللفظ محتملا لما ذكرناه ولم يقم دليل قطعي ولا ظني على التزام المنكرات التي يذكرونها، فما الذي يحملنا على التزامها والقول بها، والذي يؤكد أن الذي ذكرناه أقرب وأقوى أن يقال ختم الله هذه القصة بقوله :﴿وإن له عندنا لزلفى وحسن مئاب﴾ ومثل هذه الخاتمة إنما تحسن في حق من صدر منه عمل كثير في الخدمة والطاعة، وتحمل أنواعا من الشدائد في الموافقة والانقياد، أما إذا كان المذكور السابق هو الإقدام على الجرم والذنب فإن مثل هذه الخاتمة لا تليق به، قال مالك بن دينار ؛ إذا كان يوم القيامة أتى بمنبر رفيع ويوضع في الجنة، ويقال يا داود مجدني بذلك الصوت الحسن الرخيم الذي كنت تمجدني به في الدنيا، والله أعلم.