روح المعاني — الألوسي
عن الكتاب
﴿رُدُّوهَا عَلَىَّ﴾ للصافنات على ما قال غير واحد.
وظاهر كلامهم أنه للصافنات المذكور في الآية، ولعلك تختار أنه للخيل الدال عليها الحال المشاهدة أو الخير في قوله :﴿إِنّى أَحْبَبْتُ حُبَّ الخير﴾ [ص: ٣٢] لأن ردوها من تتمة مقالته عليه السلام والصافنات غير مذكورة في كلامه بل في كلام الله تعالى لنبينا ﷺ، والكلام على ما قال الزمخشري على إضمار القول أي قال ردوها عليّ، والجملة مستأنفة استئنافاً بيانياً كأنه قيل : فماذا قال سليمان ؟ فقيل قال : ردوها، وتعقبه أبو حيان بأنه لا يحتاج إلى الإضمار إذ الجملة مندرجة تحت حكاية القول في قوله تعالى :﴿فَقَالَ إِنّى﴾ [ص: ٣٢] الخ ؛ والفاء في قوله تعالى :﴿فَطَفِقَ مَسْحاً﴾ فصيحة مفصحة عن جملة قد حذفت ثقة بدلالة الحال عليها وإيذاناً بغاية سرعة الامتثال بالأمر كما في قوله تعالى :﴿فَقُلْنَا اضرب بّعَصَاكَ الحجر فانفجرت مِنْهُ اثنتا عَشْرَةَ عَيْنًا﴾ [البقرة: ٦٠] أي فردوها عليه فطفق الخ وطفق من أفعال الشروع واسمها ضمير سليمان و ﴿مَسْحاً﴾ مفعول مطلق لفعل مقدر هو خبرها أي شرع يمسح مسحاً لا حال مؤول بماسحاً كما جوزه أبو البقاء إذ لا بد لطفق من الخبر وليس هذا مما يسد الحال فيه مسده، وقرأ زيد بن علي ﴿مساحا﴾ على وزن قتال ﴿مَسْحاً بالسوق والأعناق﴾ أي بسوقها وأعناقها على أن التعريف للعهد وإن أل قائمة مقام الضمير المضاف إليه، والباء متعلقة بالمسح على معنى شرع يمسح السيف بسوقها وأعناقها، وقال : جمع هي زائدة أي شرع يمسح سوقها وأعناقها بالسيف، ومسحته بالسيف كما قال الراغب : كناية عن الضرب.
وفي «الكشاف » يمسح السيف بسوقها وأعناقها يقطعها تقول مسح علاوته إذا ضرب عنقه ومسح المسفر الكتاب إذا قطع أطرافه بسيفه، وعن الحسن كسف عراقيبها وضرب أعناقها أراد بالكسف القطع ومنه الكسف في ألقاب الزحاف والعروض ومن قاله بالشين المعجمة فمصحف، وكون المراد القطع قد دل عليه بعض الأخبار.
أخرج الطبراني في «الأوسط ». والإسمعيلي في «معجمه ». وابن مردويه بسند حسن عن أبي بن كعب عن النبي ﷺ أنه قال في قوله تعالى :﴿فَطَفِقَ مَسْحاً بالسوق والأعناق﴾ قطع سوقها وأعناقها بالسيف، وقد جعلها عليه السلام بذلك قرباناً لله تعالى وكان تقريب الخيل مشروعاً في دينه، ولعل كسف العراقيب ليتأتى ذبحها بسهولة، وقيل : إنه عليه السلام حبسها في سبيل الله تعالى وكان ذلك المسح الصادر منه وسما لها لتعرف أنها خيل محبوسة في سبيل الله تعالى وهو نظير ما يفعل اليوم من الوسم بالنار ولا بأس به في شرعنا ما لم يكن في الوجه، ولعل عليه السلام رأى الوسم بالسيف أهون من الوسم بالنار فاختاره أو كان هو المعروف في تلك الإعصار بينهم، ويروى أنه عليه السلام لما فعل ذلك خر له الريح كرامة له، وقيل : إنه عليه السلام أراد بذلك إتلافها حيث شغلته عن عبادة ربه عز وجل وصار تعلق قلبه بها سبباً لغفلته، واستدل بذلك الشبلي قدس سره على حل تحريق ثيابه بالنار حين شغلته عن ربه جل جلاله ؛ وهذا قول باطل لا ينبغي أن يلتفت إليه وحاشا نبي الله أن يتلف مالاً محترماً لمجرد أنه شغل به عن عبادة وله سبيل لأن يخرجه عن ملكه مع نفع هو من أجل القرب إليه عز وجل على أن تلك الخيل لم يكن عليه السلام اقتناها واستعرضها بطراً وافتخاراً معاذ الله تعالى من ذلك وإنما اقتناها للانتفاع بها في طاعة الله سبحانه واستعرضها للتطلع على أحوالها ليصلح من شأنها ما يحتاج إلى إصلاح وكل ذلك عبارة فغاية ما يلزم عليه السلام نسى عبادة لشغله بعبادة أخرى فاستدلال الشبلي قدس سره غير صحيح، وقد نبه أيضاً على عدم صحته عبد الوهاب الشعراني من السادة الصوفية في كتابه اليواقيت والجواهر في عقائد الأكابر ولكن بحمل الآية على محمل آخر، وما ذكرناه في محمولها وتفسيرها هو المشهور بين الجمهور ولهم فيها كلام غير ذلك فقيل ضمير ﴿رُدُّوهَا﴾ للشمس والخطاب للملائكة عليهم السلام الموكلين بها، قالوا : طلب ردها لما فاته صلاة العصر لشغله بالخيل فردت له حتى صلى العصر، وروى هذا القول عن علي كرم الله تعالى وجهه كما قال الخفاجي.
والطبرسي. وتعقب ذلك الرازي بأن القادر على تحريك الأفلاك والكواكب هو الله تعالى فكان يجب أن يقول ردها على دون ﴿رُدُّوهَا﴾ بضمير الجمع.
فإن قالوا : هو للتعظيم كما في ﴿رَبّ ارجعون﴾ [المؤمنون: ٩٩] قلنا. لفظ ردوها مشعر بأعظم أنواع الإهانة فكيف يليق بهذا اللفظ رعاية التعظيم ؛ وأيضاً إن الشمس لو رجعت بعد الغروب لكان مشاهداً لكل أهل الدنيا ولو كان كذلك لتوفرت الدواعي على نقله وحيث لم ينقله أحد علم فساده.
والذي يقول برد الشمس لسليمان يقول هو كردها ليوشع وردها لنبينا ﷺ في حديث العير ويوم الخندق حين شغل عن صلاة العصر وردها لعلي كرم الله تعالى وجهه ورضي عنه بدعائه عليه الصلاة والسلام، فقد روى عن أسماء بنت عميس أن النبي ﷺ كان يوحي إليه ورأسه في حجر علي كرم الله تعالى وجهه فلم يصل العصر حتى غربت الشمس فقال رسول الله ﷺ :«صليت يا علي ؟ قال : لا فقال رسول الله ﷺ : اللهم إنه كان في طاعتك وطاعة رسولك فاردد عليه الشمس قالت أسماء : فرأيتها غربت ثم رأيتها طلعت بعدما غربت ووقعت على الأرض وذلك بالصهباء في خيبر »
وهذا الخبر في صحته خلاف فقد ذكره ابن الجوزي في الموضوعات، وقال إنه موضوع بلا شك وفي سنده أحمد بن داود وهو متروك الحديث كذاب كما قاله الدارقطني، وقال ابن حبان : كان يضع الحديث، وقال ابن الجوزي : قد روى هذا الحديث ابن شاهين فذكره ثم قال : وهذا حديث باطل ومن تغفل واضعه أنه نظر إلى صورة فضيلة ولم يلمح عدم الفائدة فيها وأن صلاة العصر بغيبوبة الشمس تصير قضاء ورجوع الشمس لا يعيدها أداء انتهى. وقد أفرد ابن تيمية تصنيفاً في الرد على الروافض ذكر فيه الحديث بطرقه ورجاله وأنه موضوع. وقال الإمام أحمد : لا أصل له، وصححه الطحاوي. والقاضي عياض، ورواه الطبراني في «معجمه الكبير » بإسناد حسن كما حكاه شيخ الإسلام ابن العراقي في «شرح التقريب » عن أسماء أيضاً لكن بلفظ آخر ورواه ابن مردويه عن أبي هريرة وكان أحمد بن صالح يقول : لا ينبغي لمن سبيله العلم التخلف عن حفظ حديث أسماء لأنه من علامات النبوة، وكذا اختلف في حديث الرد يوم الخندق فقيل ضعيف، وقيل ؛ موضوع، وادعى العلامة ابن حجر الهثمي صحته، وما في حديث العير وأظن أنهم اختلفوا في صحته أيضاً ليس صريحاً في الرد فإن لفظ الخير أنه لما أسرى بالنبي ﷺ وأخبر قومه بالرفقة والعلامة التي في العير قالوا : متى يجيء ؟ قال : يوم الأربعاء فلما كان ذلك اليوم أشرفت قريش ينظرون وقد ولي النهار ولم يجيء فدعا رسول الله ﷺ فزيد له في النهار ساعة وحبست عليه الشمس والحبس غير الرد ولو كان هناك رد لأدركه قريش ولقالوا فيه ما قالوا في انشقاق القمر ولم ينقل، وقيل : كأن ذلك كان بركة في الزمان نحو ما يذكره الصوفية مما يعبرون عنه بنشر الزمان وإن لم يتعلقه الكثير وكذا ما كان ليوشع عليه السلام فقد جاء في الحديث الصحيح " لم تحبس الشمس على أحد الا ليوشع بن نون " والقصة مشهورة وهذا الحديث الصحيح عند الكل يعارض جميع ما تقدم، وتأويله بأن المراد لم تحبس على أحد من الأنبياء غيري إلا ليوشع أو بالتزام أن المتكلم غير داخل في عموم كلامه بعد تسليم قبوله لا ينفي معارضته خبر الرد لسليمان عليه السلام فإنه بظاهره يستدعي نفي الرد الذي هو أعظم من الحبس له عليه السلام.
وبالجملة القول برد الشمس لسليمان عليه السلام غير مسلم، وعدم قولي بذلك ليس لامتناع الرد في نفسه كما يزعمه الفلاسفة بل لعدم ثبوته عندي، والذوق السليم يأبى حمل الآية على ذلك لنحو ما قال الرازي ولغيره من تعقيب طلب الرد بقوله تعالى :﴿فَطَفِقَ﴾ الخ ثم ما قدمنا نقله من وقوع الصلاة بعد الرد قضاء هو ما ذهب إليه البعض.
وفي تحفة العلامة ابن حجر الهيتمي لو عادت الشمس بعد الغروب عاد الوقت كما ذكره ابن العماد، وقضية كلام الزركشي خلافه وأنه لو تأخر غروبها عن وقته المعتاد قدر غروبها عنده وخرج الوقت وإن كانت موجودة انتهى كلام الزركشي، وما ذكر آخراً بعيد وكذا أولاً فالأوجه كلام ابن العماد ولا يضر كون عودها معجزة له ﷺ لأن المعجزة نفس العود وأما بقاء الوقت بعودها فحكم الشرع ومن ثم لما عادت صلى علي كرم الله تعالى وجهه العصر أداء بل عودها لم يكن إلا لذلك انتهى.
ولا يحضرني الآن ما لأصحابنا الحفنية في ذلك بيد أني رأيت في «حواشي تفسير البيضاوي » لشهاب الدين الخفاجي وهو من أجلة الأصحاب ادعاء أن الظاهر أن الصلاة بعد الرد أداء ثم قال : وقد بحث الفهقاء فيه بحثاً طويلاً ليس هذا محله، وقيل ضمير ﴿تَوَارَتْ﴾ للخيل كضمير ﴿رُدُّوهَا﴾ واختاره جمع فقيل الحجاب اصطبالاتها أي حتى دخلت اصطبلاتها، وقيل حتى توارت في المسابقة بما يحجبها عن النظر، وبعض من قال بإرجاع الضمير للخيل جعل عن للتعليل ولم يجعل المسح بالسوق والأعناق بالمعنى السابق فقالت طائفة : عرض على سليمان الخيل وهو في الصلاة فأشار إليهم إني في صلاة فأزالوها عنه حتى دخلت في الاصطبلات فقال لما فرغ من صلاته :﴿إِنّى أَحْبَبْتُ حُبَّ الخير﴾ [ص: ٣٢] أي الذي لي عند الله تعالى في الآخرة بسبب ذكر ربي كأنه يقول فشغلني ذلك عن رؤية الخيل حتى دخلت اصطبلاتها ردوها على فطفق يمسح أعرافها وسوقها محبة لها وتكريماً. وروى أن المسح كان لذلك عن ابن عباس. والزهري. وابن كيسان ورجحه الطبري، وقيل كان غسلاً بالماء ولا يخفى أن تطبيق هذه الطائفة الآية على ما يقولون ركيك جداً.
وقال الرازي : قال الأكثرون إنه عليه السلام فاته صلاة العصر بسبب اشتغاله بالنظر إلى الخيل فاستردها وعقر سوقها وأعناقها تقرباً إلى الله تعالى، وعندي أنه بعيد ويدل عليه وجوه، الأول : أنه لو كان مسح السوق والأعناق قطعها لكان معنى قوله تعالى :﴿وامسحوا برؤسكم﴾ [المائدة: ٦] اقطعوها وهذا لا يقوله عاقل بل لو قيل مسح رأسه بالسيف فربما فهم منه ضرب العنق أما إذا لم يذكر لفظ السيف لم يفهم منه ذلك البتة، الثاني : أن القائلين بهذا القول جمعوا على سليمان أنواعاً من الأفعال المذمومة، فأولها : ترك الصلاة، وثانيها : أنه استولى عليه الاشتغال بحب الدنيا إلى حيث نسي الصلاة، وقد قال عليه الصلاة والسلام :" حب الدنيا رأس كل خطيئة " وثالثها : أنه بعد الاتيان بهذا الذنب العظيم لم يشتغل بالتوبة والإنابة، ورابعها : على القول برجوع ضمير ﴿أَوْ رُدُّوهَا﴾ إلى الشمس أنه خاطب رب العالمين بكلمة لا يذكرها الرجل الحصيف إلا مع الخادم الخسيس، وخامسها : أنه أتبع هذه المعاصي بعقر الخيل سوقها وأعناقها وقد ورد النهي عن ذبح الحيوان إلا لأكله.
فهذه أنواع من الكبائر نسبوها إلى سليمان عليه السلام مع أن لفظ القرآن لا يدل على شيء منها، وسادسها : أن ذكر هذه القصة وكذا التي قبلها بعد أمره بالصبر على سفاهة الكفار يقتضي أن تكون مشتملة على الأعمال الفاضلة والأخلاق الحميدة و
وظاهر كلامهم أنه للصافنات المذكور في الآية، ولعلك تختار أنه للخيل الدال عليها الحال المشاهدة أو الخير في قوله :﴿إِنّى أَحْبَبْتُ حُبَّ الخير﴾ [ص: ٣٢] لأن ردوها من تتمة مقالته عليه السلام والصافنات غير مذكورة في كلامه بل في كلام الله تعالى لنبينا ﷺ، والكلام على ما قال الزمخشري على إضمار القول أي قال ردوها عليّ، والجملة مستأنفة استئنافاً بيانياً كأنه قيل : فماذا قال سليمان ؟ فقيل قال : ردوها، وتعقبه أبو حيان بأنه لا يحتاج إلى الإضمار إذ الجملة مندرجة تحت حكاية القول في قوله تعالى :﴿فَقَالَ إِنّى﴾ [ص: ٣٢] الخ ؛ والفاء في قوله تعالى :﴿فَطَفِقَ مَسْحاً﴾ فصيحة مفصحة عن جملة قد حذفت ثقة بدلالة الحال عليها وإيذاناً بغاية سرعة الامتثال بالأمر كما في قوله تعالى :﴿فَقُلْنَا اضرب بّعَصَاكَ الحجر فانفجرت مِنْهُ اثنتا عَشْرَةَ عَيْنًا﴾ [البقرة: ٦٠] أي فردوها عليه فطفق الخ وطفق من أفعال الشروع واسمها ضمير سليمان و ﴿مَسْحاً﴾ مفعول مطلق لفعل مقدر هو خبرها أي شرع يمسح مسحاً لا حال مؤول بماسحاً كما جوزه أبو البقاء إذ لا بد لطفق من الخبر وليس هذا مما يسد الحال فيه مسده، وقرأ زيد بن علي ﴿مساحا﴾ على وزن قتال ﴿مَسْحاً بالسوق والأعناق﴾ أي بسوقها وأعناقها على أن التعريف للعهد وإن أل قائمة مقام الضمير المضاف إليه، والباء متعلقة بالمسح على معنى شرع يمسح السيف بسوقها وأعناقها، وقال : جمع هي زائدة أي شرع يمسح سوقها وأعناقها بالسيف، ومسحته بالسيف كما قال الراغب : كناية عن الضرب.
وفي «الكشاف » يمسح السيف بسوقها وأعناقها يقطعها تقول مسح علاوته إذا ضرب عنقه ومسح المسفر الكتاب إذا قطع أطرافه بسيفه، وعن الحسن كسف عراقيبها وضرب أعناقها أراد بالكسف القطع ومنه الكسف في ألقاب الزحاف والعروض ومن قاله بالشين المعجمة فمصحف، وكون المراد القطع قد دل عليه بعض الأخبار.
أخرج الطبراني في «الأوسط ». والإسمعيلي في «معجمه ». وابن مردويه بسند حسن عن أبي بن كعب عن النبي ﷺ أنه قال في قوله تعالى :﴿فَطَفِقَ مَسْحاً بالسوق والأعناق﴾ قطع سوقها وأعناقها بالسيف، وقد جعلها عليه السلام بذلك قرباناً لله تعالى وكان تقريب الخيل مشروعاً في دينه، ولعل كسف العراقيب ليتأتى ذبحها بسهولة، وقيل : إنه عليه السلام حبسها في سبيل الله تعالى وكان ذلك المسح الصادر منه وسما لها لتعرف أنها خيل محبوسة في سبيل الله تعالى وهو نظير ما يفعل اليوم من الوسم بالنار ولا بأس به في شرعنا ما لم يكن في الوجه، ولعل عليه السلام رأى الوسم بالسيف أهون من الوسم بالنار فاختاره أو كان هو المعروف في تلك الإعصار بينهم، ويروى أنه عليه السلام لما فعل ذلك خر له الريح كرامة له، وقيل : إنه عليه السلام أراد بذلك إتلافها حيث شغلته عن عبادة ربه عز وجل وصار تعلق قلبه بها سبباً لغفلته، واستدل بذلك الشبلي قدس سره على حل تحريق ثيابه بالنار حين شغلته عن ربه جل جلاله ؛ وهذا قول باطل لا ينبغي أن يلتفت إليه وحاشا نبي الله أن يتلف مالاً محترماً لمجرد أنه شغل به عن عبادة وله سبيل لأن يخرجه عن ملكه مع نفع هو من أجل القرب إليه عز وجل على أن تلك الخيل لم يكن عليه السلام اقتناها واستعرضها بطراً وافتخاراً معاذ الله تعالى من ذلك وإنما اقتناها للانتفاع بها في طاعة الله سبحانه واستعرضها للتطلع على أحوالها ليصلح من شأنها ما يحتاج إلى إصلاح وكل ذلك عبارة فغاية ما يلزم عليه السلام نسى عبادة لشغله بعبادة أخرى فاستدلال الشبلي قدس سره غير صحيح، وقد نبه أيضاً على عدم صحته عبد الوهاب الشعراني من السادة الصوفية في كتابه اليواقيت والجواهر في عقائد الأكابر ولكن بحمل الآية على محمل آخر، وما ذكرناه في محمولها وتفسيرها هو المشهور بين الجمهور ولهم فيها كلام غير ذلك فقيل ضمير ﴿رُدُّوهَا﴾ للشمس والخطاب للملائكة عليهم السلام الموكلين بها، قالوا : طلب ردها لما فاته صلاة العصر لشغله بالخيل فردت له حتى صلى العصر، وروى هذا القول عن علي كرم الله تعالى وجهه كما قال الخفاجي.
والطبرسي. وتعقب ذلك الرازي بأن القادر على تحريك الأفلاك والكواكب هو الله تعالى فكان يجب أن يقول ردها على دون ﴿رُدُّوهَا﴾ بضمير الجمع.
فإن قالوا : هو للتعظيم كما في ﴿رَبّ ارجعون﴾ [المؤمنون: ٩٩] قلنا. لفظ ردوها مشعر بأعظم أنواع الإهانة فكيف يليق بهذا اللفظ رعاية التعظيم ؛ وأيضاً إن الشمس لو رجعت بعد الغروب لكان مشاهداً لكل أهل الدنيا ولو كان كذلك لتوفرت الدواعي على نقله وحيث لم ينقله أحد علم فساده.
والذي يقول برد الشمس لسليمان يقول هو كردها ليوشع وردها لنبينا ﷺ في حديث العير ويوم الخندق حين شغل عن صلاة العصر وردها لعلي كرم الله تعالى وجهه ورضي عنه بدعائه عليه الصلاة والسلام، فقد روى عن أسماء بنت عميس أن النبي ﷺ كان يوحي إليه ورأسه في حجر علي كرم الله تعالى وجهه فلم يصل العصر حتى غربت الشمس فقال رسول الله ﷺ :«صليت يا علي ؟ قال : لا فقال رسول الله ﷺ : اللهم إنه كان في طاعتك وطاعة رسولك فاردد عليه الشمس قالت أسماء : فرأيتها غربت ثم رأيتها طلعت بعدما غربت ووقعت على الأرض وذلك بالصهباء في خيبر »
وهذا الخبر في صحته خلاف فقد ذكره ابن الجوزي في الموضوعات، وقال إنه موضوع بلا شك وفي سنده أحمد بن داود وهو متروك الحديث كذاب كما قاله الدارقطني، وقال ابن حبان : كان يضع الحديث، وقال ابن الجوزي : قد روى هذا الحديث ابن شاهين فذكره ثم قال : وهذا حديث باطل ومن تغفل واضعه أنه نظر إلى صورة فضيلة ولم يلمح عدم الفائدة فيها وأن صلاة العصر بغيبوبة الشمس تصير قضاء ورجوع الشمس لا يعيدها أداء انتهى. وقد أفرد ابن تيمية تصنيفاً في الرد على الروافض ذكر فيه الحديث بطرقه ورجاله وأنه موضوع. وقال الإمام أحمد : لا أصل له، وصححه الطحاوي. والقاضي عياض، ورواه الطبراني في «معجمه الكبير » بإسناد حسن كما حكاه شيخ الإسلام ابن العراقي في «شرح التقريب » عن أسماء أيضاً لكن بلفظ آخر ورواه ابن مردويه عن أبي هريرة وكان أحمد بن صالح يقول : لا ينبغي لمن سبيله العلم التخلف عن حفظ حديث أسماء لأنه من علامات النبوة، وكذا اختلف في حديث الرد يوم الخندق فقيل ضعيف، وقيل ؛ موضوع، وادعى العلامة ابن حجر الهثمي صحته، وما في حديث العير وأظن أنهم اختلفوا في صحته أيضاً ليس صريحاً في الرد فإن لفظ الخير أنه لما أسرى بالنبي ﷺ وأخبر قومه بالرفقة والعلامة التي في العير قالوا : متى يجيء ؟ قال : يوم الأربعاء فلما كان ذلك اليوم أشرفت قريش ينظرون وقد ولي النهار ولم يجيء فدعا رسول الله ﷺ فزيد له في النهار ساعة وحبست عليه الشمس والحبس غير الرد ولو كان هناك رد لأدركه قريش ولقالوا فيه ما قالوا في انشقاق القمر ولم ينقل، وقيل : كأن ذلك كان بركة في الزمان نحو ما يذكره الصوفية مما يعبرون عنه بنشر الزمان وإن لم يتعلقه الكثير وكذا ما كان ليوشع عليه السلام فقد جاء في الحديث الصحيح " لم تحبس الشمس على أحد الا ليوشع بن نون " والقصة مشهورة وهذا الحديث الصحيح عند الكل يعارض جميع ما تقدم، وتأويله بأن المراد لم تحبس على أحد من الأنبياء غيري إلا ليوشع أو بالتزام أن المتكلم غير داخل في عموم كلامه بعد تسليم قبوله لا ينفي معارضته خبر الرد لسليمان عليه السلام فإنه بظاهره يستدعي نفي الرد الذي هو أعظم من الحبس له عليه السلام.
وبالجملة القول برد الشمس لسليمان عليه السلام غير مسلم، وعدم قولي بذلك ليس لامتناع الرد في نفسه كما يزعمه الفلاسفة بل لعدم ثبوته عندي، والذوق السليم يأبى حمل الآية على ذلك لنحو ما قال الرازي ولغيره من تعقيب طلب الرد بقوله تعالى :﴿فَطَفِقَ﴾ الخ ثم ما قدمنا نقله من وقوع الصلاة بعد الرد قضاء هو ما ذهب إليه البعض.
وفي تحفة العلامة ابن حجر الهيتمي لو عادت الشمس بعد الغروب عاد الوقت كما ذكره ابن العماد، وقضية كلام الزركشي خلافه وأنه لو تأخر غروبها عن وقته المعتاد قدر غروبها عنده وخرج الوقت وإن كانت موجودة انتهى كلام الزركشي، وما ذكر آخراً بعيد وكذا أولاً فالأوجه كلام ابن العماد ولا يضر كون عودها معجزة له ﷺ لأن المعجزة نفس العود وأما بقاء الوقت بعودها فحكم الشرع ومن ثم لما عادت صلى علي كرم الله تعالى وجهه العصر أداء بل عودها لم يكن إلا لذلك انتهى.
ولا يحضرني الآن ما لأصحابنا الحفنية في ذلك بيد أني رأيت في «حواشي تفسير البيضاوي » لشهاب الدين الخفاجي وهو من أجلة الأصحاب ادعاء أن الظاهر أن الصلاة بعد الرد أداء ثم قال : وقد بحث الفهقاء فيه بحثاً طويلاً ليس هذا محله، وقيل ضمير ﴿تَوَارَتْ﴾ للخيل كضمير ﴿رُدُّوهَا﴾ واختاره جمع فقيل الحجاب اصطبالاتها أي حتى دخلت اصطبلاتها، وقيل حتى توارت في المسابقة بما يحجبها عن النظر، وبعض من قال بإرجاع الضمير للخيل جعل عن للتعليل ولم يجعل المسح بالسوق والأعناق بالمعنى السابق فقالت طائفة : عرض على سليمان الخيل وهو في الصلاة فأشار إليهم إني في صلاة فأزالوها عنه حتى دخلت في الاصطبلات فقال لما فرغ من صلاته :﴿إِنّى أَحْبَبْتُ حُبَّ الخير﴾ [ص: ٣٢] أي الذي لي عند الله تعالى في الآخرة بسبب ذكر ربي كأنه يقول فشغلني ذلك عن رؤية الخيل حتى دخلت اصطبلاتها ردوها على فطفق يمسح أعرافها وسوقها محبة لها وتكريماً. وروى أن المسح كان لذلك عن ابن عباس. والزهري. وابن كيسان ورجحه الطبري، وقيل كان غسلاً بالماء ولا يخفى أن تطبيق هذه الطائفة الآية على ما يقولون ركيك جداً.
وقال الرازي : قال الأكثرون إنه عليه السلام فاته صلاة العصر بسبب اشتغاله بالنظر إلى الخيل فاستردها وعقر سوقها وأعناقها تقرباً إلى الله تعالى، وعندي أنه بعيد ويدل عليه وجوه، الأول : أنه لو كان مسح السوق والأعناق قطعها لكان معنى قوله تعالى :﴿وامسحوا برؤسكم﴾ [المائدة: ٦] اقطعوها وهذا لا يقوله عاقل بل لو قيل مسح رأسه بالسيف فربما فهم منه ضرب العنق أما إذا لم يذكر لفظ السيف لم يفهم منه ذلك البتة، الثاني : أن القائلين بهذا القول جمعوا على سليمان أنواعاً من الأفعال المذمومة، فأولها : ترك الصلاة، وثانيها : أنه استولى عليه الاشتغال بحب الدنيا إلى حيث نسي الصلاة، وقد قال عليه الصلاة والسلام :" حب الدنيا رأس كل خطيئة " وثالثها : أنه بعد الاتيان بهذا الذنب العظيم لم يشتغل بالتوبة والإنابة، ورابعها : على القول برجوع ضمير ﴿أَوْ رُدُّوهَا﴾ إلى الشمس أنه خاطب رب العالمين بكلمة لا يذكرها الرجل الحصيف إلا مع الخادم الخسيس، وخامسها : أنه أتبع هذه المعاصي بعقر الخيل سوقها وأعناقها وقد ورد النهي عن ذبح الحيوان إلا لأكله.
فهذه أنواع من الكبائر نسبوها إلى سليمان عليه السلام مع أن لفظ القرآن لا يدل على شيء منها، وسادسها : أن ذكر هذه القصة وكذا التي قبلها بعد أمره بالصبر على سفاهة الكفار يقتضي أن تكون مشتملة على الأعمال الفاضلة والأخلاق الحميدة و