المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز — ابن عطية
عن الكتاب
ثم إن سليمان عليه السلام استغفر ربه واستوهبه ملكاً. واختلف المتأولون في معنى قوله :﴿لا ينبغي لأحد من بعدي﴾ فقال جمهور الناس : أراد أن يفرده بين البشر لتكون خاصة له وكرامة، وهذا هو الظاهر من قول النبي ﷺ في خبر العفريت الذي عرض له في صلاته فأخذه وأراد أن يوثقه بسرية من سواري المسجد، قال :«ثم ذكرت قول أخي سليمان :﴿رب اغفر لي وهب لي ملكاً لا ينبغي لأحد من بعدي﴾ فأرسلته »، وقال قتادة وعطاء بن أبي رباح : إنما أراد سليمان :﴿لا ينبغي لأحد من بعدي﴾ مدة حياتي، أي لا أسلبه ويصير إلى أحد كما صار إلى الجني. وروي في مثالب الحجاج بن يوسف أنه لما قرأ هذه الآية قال : لقد كان حسوداً، وهذا من فسق الحجاج. وسليمان عليه السلام مقطوع بأنه إنما قصد بذلك قصداً براً جائزاً، لأن للإنسان أن يرغب من فضل الله فيما لا يناله أحد، لا سيما بحسب المكانة والنبوءة، وانظر أن قول عليه السلام :﴿ينبغي﴾ إنما هي لفظة محتملة ليست بقطع في أنه لا يعطي الله نحو ذلك الملك لأحد، ومحمد ﷺ لو ربط الجني لم يكن ذلك نقصاً لما أوتيه سليمان، لكن لما كان فيه بعض الشبه تركه جرياً منه عليه السلام على اختياره أبداً أيسر الأمرين وأقربهما إلى التواضع.