جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري

عن الكتاب
وقوله :( وَإنّ لَهُ عِنْدَنا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مآبٍ ) يقول : وإن لسليمان عندنا لقُرْبةً بإنابته إلينا وتوبته وطاعته لنا، وحُسْنَ مآب : يقول : وحسن مرجع ومصير في الآخرة، كما حدثنا بشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة وَإنّ لَهُ عِنْدَنا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مآبٍ : أي مصير.
إن قال لنا قائل : وما وجه رغبة سليمان إلى ربه في الملك، وهو نبيّ من الأنبياء، وإنما يرغب في الملك أهل الدنيا المؤثِرون لها على الاَخرة ؟ أم ما وجه مسألته إياه، إذ سأله ذلك مُلكا لا ينبغي لأحد من بعده، وما كان يضرّه أن يكون كلّ من بعده يُؤْتيَ مثلَ الذي أوتي من ذلك ؟ أكان به بخل بذلك، فلم يكن من مُلكه، يُعطي ذلك من يُعطاه، أم حسد للناس، كما ذُكر عن الحجاج بن يوسف فإنه ذكر أنه قرأ قوله : وَهَبْ لي مُلْكا لا يَنْبَغي لأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي فقال : إن كان لحسودا، فإن ذلك ليس من أخلاق الأنبياء قيل : أما رغبته إلى ربه فيما يرغب إليه من المُلك، فلم تكن إن شاء الله به رغبةٌ في الدنيا، ولكن إرادةٌ منه أن يعلم منزلته من الله في إجابته فيما رغب إليه فيه، وقبوله توبته، وإجابته دعاءَه.
وأما مسألته ربه مُلكا لا ينبغي لأحد من بعده، فإنا قد ذكرنا فيما مضى قبلُ قولَ من قال : إن معنى ذلك : هب لي مُلكا لا أُسلبه كما سْلِبتُه قبل. وإنما معناه عند هؤلاء : هب لي مُلكا لا ينبغي لأحد من بعدي أن يس لبنيه. وقد يتجه ذلك أن يكون بمعنى : لا ينبغي لأحد سواي من أهل زماني، فيكون حجة وعَلَما لي على نبوّتي وأني رسولك إليهم مبعوث، إذ كانت الرسل لا بدّ لها من أعلام تفارق بها سائر الناس سواهم. ويتجه أيضا لأن يكون معناه : وهب لي مُلكا تَخُصّنِي به، لا تعطيه أحدا غيري تشريفا منك لي بذلك، وتكرمة، لتبين منزلتي منك به من منازل من سواي، وليس في وجه من هذه الوجوه مما ظنه الحجاج في معنى ذلك شيء.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى