زاد المسير في علم التفسير — ابن الجوزي

عن الكتاب
﴿هَذَا فَلْيَذُوقُوهُ﴾ قال الفراء : في الآية تقديم وتأخير، تقديره : هذا حميم وغسّاق فليذوقوه، وإن شئت جعلت الحميم مستأنفا، كأنك قلت : هذا فليذوقوه، ثم قلت : منه حميم، ومنه غسّاق، كقول الشاعر :
حتى إذا ما أضاء الصبح في غلسوغودر البقل ملوي ومحصود
فأما الحميم، فهو الماء الحار. وأما الغسّاق، ففيه لغتان، قرأ حمزة، والكسائي، وخلف، وحفص : بالتشديد، وكذلك في ﴿عم يتساءلون﴾ :[ ٢٥ ]، تابعهم المفضل في ﴿عَمَّ يتساءلون﴾، وقرأ الباقون بالتخفيف. وفي الغسّاق أربعة أقوال :
أحدها : الزمهرير، رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس. وقال مجاهد : الغسّاق لا يستطيعون أن يذوقوه من برد.
والثاني : أنه ما يجري من صديد أهل النار، رواه الضحاك عن ابن عباس، وبه قال عطية، وقتادة، وابن زيد.
والثالث : أن الغسّاق : عين في جهنم يسيل إليها حُمَةُ كل ذات حُمَة من حية أو عقرب أو غيرها، فيستنقع، فيؤتى بالآدمي فيُغمس فيها غمسة، فيخرج وقد سقط جلده ولحمه عن العظام، ويجُرُّ لحمه جر الرجل ثوبه، قاله كعب.
والرابع : أنه ما يسيل من دموعهم، قاله السدي. قال أبو عبيدة : الغسّاق : ما سال، يقال : غسقت العين والجرح. وقرأت على شيخنا أبي منصور اللغوي عن ابن قتيبة قال : لم يكن أبو عبيدة يذهب إلى أن في القرآن شيئا من غير لغة العرب، وكان يقول : هو اتفاق يقع بين اللغتين، وكان غيره يزعم أن الغسّاق : البارد المُنتن بلسان الترك. وقيل : فعّال، من غسق يغسِق ؛ فعلى هذا يكون عربيا. وقيل في معناه : إنه الشديد البرد، يحرق من برده. وقيل : هو ما يسيل من جلود أهل النار من الصديد.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى