المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز — ابن عطية

عن الكتاب
وقرأ جمهور الناس :«وآخر » بالإفراد، وهو رفع بالابتداء، واختلف في تقديره خبره، فقالت طائفة تقديره : ولهم عذاب آخر. وقالت طائفة : خبره :﴿أزواج﴾ لأن قوله :﴿أزواج﴾ ابتداء و ﴿من شكله﴾ خبره، والجملة خبر «آخر ». وقالت طائفة : خبره :﴿أزواج﴾، و ﴿من شكله﴾ في موضع الصفة. ومعنى ﴿من شكله﴾ : من مثله وضربه، وجاز على هذا القول أن يخبر الجمع الذي هو أزواج عن الواحد من حيث ذلك الواحد درجات ورتب من العذاب وقوى وأقل منه. وأيضاً فمن جهة أخرى على أن يسمى كل جزء من ذلك الآخر باسم الكل، قالوا : عرفات لعرفة : وشابت مفارقه فجعلوا كل جزء من المفرق مفرقاً، وكما قالوا :" جمل ذو عثانين " ونحو هذا، ألا ترى أن جماعة من المفسرين قالوا إن هذا الآخر هو الزمهرير، فكأنهم جعلوا كل جزء منه زمهريراً.
وقرأ أبو عمرو وحده :«وأخر » على الجمع، وهي قراءة الحسن ومجاهد والجحدري وابن جبير وعيسى، وهو رفع بالابتداء وخبره ﴿أزواج﴾، و ﴿من شكله﴾ في موضع الصفة، ورجح أبو عبيد هذه القراءة وأبو حاتم بكون الصفة جمعاً، ولم ينصرف «أخر » لأنه معدول عن الألف واللام صفة، وذلك أن حق أفعل وجمعه أن لا يستعمل إلا بالألف واللام، فلما استعملت «أخر » دون الألف واللام كان ذلك عدلاً لها، وجاز في «أخر » أن يوصف بها النكرة كقوله تعالى :﴿فعدة من أيام أخر﴾ [البقرة: ١٨٤ - ١٨٥] بخلاف جمع ما عدل عن الألف واللام، كسحر ونحوه في أنه لا يجوز أن يوصف به النكرة، لأن هذا العدل في «أخر » اعتد به في منع الصرف ولم يعتد به في الامتناع من صفة النكرة كما يعتدون بالشيء في حكم دون حكم، نحو اللام في قولهم : لا أبا لك، لأن اللام المتصلة بالكاف اعتد بها فاصلة للإضافة، ولذلك جاز دخول لا، ولم يعتد بها في أن أعرب أبا بالحروف وشأنه إذا انفصل ولم يكن مضافاً أن يعرب بالحركات فجاءت اللام ملغاة الحكم من حيث أعرب بالحرف، كأنه مضاف وهي معتد بها فاصلة في أن جوزت دخول لا.
وقرأ مجاهد :«من شِكله » بكسر الشين. و ﴿أزواج﴾ معناه : أنواع، والمعنى لهم حميم وغساق وأغذية أخر من ضرب ما ذكره ونحوه أنواع كثيرة.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى