الدر المصون في علوم الكتاب المكنون — السمين الحلبي

عن الكتاب
قوله :﴿تَخَاصُمُ﴾ : العامَّةُ على رَفْعِ " تَخاصُمُ " مضافاً لأهل. وفيه أوجه، أحدها : أنَّه بدلٌ مِنْ " لَحَقٌّ ". الثاني : أنه عطفُ بيانٍ. الثالث : أنه بدلٌ مِنْ " ذلك " على الموضعِ، حكاه مكي، وهذا يُوافِقُ قولَ بعض الكوفيين. الرابع : أنه خبرُ ثانٍ ل " إنَّ ". الخامس : أنه خبرُ مبتدأ مضمرٍ أي : هو تخاصُمُ. السادس : أنه مرفوعٌ بقولِه " لَحَقٌّ ". إلاَّ أنَّ أبا البقاء قال :" ولو قيل : هو مرفوعٌ ب " حَقٌّ " لكان بعيداً لأنه يَصيرُ جملةً/ ولا ضميرَ فيها يعود على اسم " إن ". وهذا ردٌّ صحيحٌ. وقد يُجابُ عنه : بأنَّ الضميرَ مقدرٌ أي : لحقٌّ تخاصُمُ أهلِ النار فيه كقوله :﴿وَلَمَن صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الأُمُورِ﴾ [الشورى: ٤٣] أي : منه. وقرأ ابن محيصن بتنوين " تخاصم " ورفع " أهلُ " فَرَفْعُ " تخاصُمٌ " على ما تقدَّم. وأمَّا رَفْعُ " أهلُ " فعلى الفاعلية بالمصدرِ المنونِ كقولك :" يُعْجبني تخاصمٌ الزيدون " أي : أنْ تخاصَموا. وهذا قولُ البصريين وبعضِ الكوفيين خلا الفراءَ.
وقرأ ابنُ أبي عبلة " تخاصُمَ " بالنصب مضافاً لأهل. وفيه أوجه، أحدها : أنه صفةٌ ل " ذلك " على اللفظِ. قال الزمخشري :" لأنَّ أسماءَ الإِشارة تُوْصَفُ بأسماءِ الأجناس ". وهذا فيه نظرٌ ؛ لأنهم نَصُّوا على أنَّ أسماء الإِشارة لا تُوْصَفُ إلاَّ بما فيه أل نحو :" يا هذا الرجلُ "، ولا يجوز " يا هذا غلامَ الرجل " فهذا أبعدُ، ولأن الصحيحَ أنَّ الواقع بعد اسمِ الإِشارة المقارنِ ل أل إنْ كان مشتقاً كان صفةً، وإلاَّ كان بدَلاً و " تخاصُم " ليس مشتقاً. الثاني : أنه بدلٌ من ذلك. الثالث : أنه عطفُ بيانٍ. الرابع : على إضمارِ " أعني ". وقال أبو الفضل :" ولو نُصِبَ " تخاصم " على أنَّه بدلٌ من " ذلك " لجاز " انتهى. وكأنه لم يَطَّلِعْ عليها قراءةً. وقرأ ابن السَّمَيْفع " تخاصَمَ " فعلاً ماضياً " أهل " فاعلٌ به. وهي جملةٌ استئنافيةٌ.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى