جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري

عن الكتاب
وقوله :( إنْ يُوحَى إليّ إلاّ أنّمَا أنا نَذِيرٌ مُبِينٌ ) : يقول تعالى ذكره لنبيه محمد ﷺ : قل يا محمد لمشركي قريش : ما يوحي الله إليّ علم ما لا علم لي به، من نحو العلم بالملأ الأعلى واختصامهم في أمر آدم إذا أراد خَلقه، إلا لأني إنما أنا نذير مبين «فإنما » على هذا التأويل في موضع خفض على قول من كان يرى أن مثل هذا الحرف الذي ذكرنا لا بد له من حرف خافض، فسواءٌ إسقاط خافضه منه وإثباته. وإما على قول من رأى أن مثل هذا ينصب إذا أسقط منه الخافض، فإنه على مذهبه نصب، وقد بيّنا ذلك فيما مضى بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع.
وقد يتجه لهذا الكلام وجه آخر، وهو أن يكون معناه : ما يوحي الله إلى إنذاركم. وإذا وجه الكلام إلى هذا المعنى، كانت «أنما » في موضع رفع، لأن الكلام يصير حينئذٍ بمعنى : ما يوحَى إليّ إلا الإنذار.
قوله :( إلا أنما أنا نَذِيرٌ مُبِينٌ ) : يقول : إلا أني نذير لكم مُبِين لكم إنذاره إياكم. وقيل : إلا أنما أنا، ولم يقل : إلا أنما أنك، والخبر من محمد عن الله، لأن الوحْي قول، فصار في معنى الحكاية، كما يقال في الكلام : أخبروني أني مسيء، وأخبروني أنك مسيء بمعنى واحد، كما قال الشاعر :
رَجُلانِ مِنْ ضَبّةَ أخْبَرَاناأنّا رأيْنا رَجُلاً عُرْيانا.
بمعنى : أخبرانا أنهما رأيا، وجاز ذلك لأن الخبر أصله حكاية.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى