إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم — أبو السعود

عن الكتاب
وقوله تعالى :﴿لأَمْلأنَّ جَهَنَّمَ﴾ الخ حينئذٍ جوابٌ لقسمٍ محذوفٍ أي والله لأملأنَّ الخ وقوله تعالى :﴿والحق أَقُولُ﴾ [ سورة ص، الآية٨٤ ] على كلِّ تقديرٍ اعتراضٌ مقرِّرٌ على الوجهينِ الأوَّلينِ لمضمونِ الجملةِ القَسَميَّةِ، وعلى الوجِه الثَّالثِ لمضمونِ الجملةِ المتقدِّمةِ أعني فقولي الحقُّ. وقُرئا منصوبينِ على أنَّ الأوَّلَ مقسمٌ به كقولِك الله لأفعلنَّ وجوابُه لأملأنَّ وما بينهما اعتراضٌ. وقُرئا مجرورينِ على أنَّ الأولَ مقسمٌ به قد أُضمرَ حرفُ قسمِه كقولِك الله لأفعلنَّ والحقَّ أقولَ على حكايةِ لفظِ المقسمِ به على تقديرِ كونِه نقيضَ الباطلِ ومعناه التَّأكيدُ والتَّشديدُ.
وقرئ بجرِّ الأَولِ على إضمارِ حرفِ القسمِ ونصبِ الثَّانِي على المفعوليَّةِ ﴿مِنكَ﴾ أي من جنسِك من الشَّياطينِ ﴿وَمِمَّن تَبِعَكَ﴾ في الغَوايةِ والضَّلالِ ﴿مِنْهُمْ﴾ من ذريةِ آدمَ ﴿أَجْمَعِينَ﴾ تأكيدٌ للكافِ وما عُطف عليه أي لأملأنَّها من المتبوعينَ والأتباعِ أجمعينَ، كقولِه تعالى :﴿لَمَن تَبِعَكَ مِنْهُمْ لأمْلأنَّ جَهَنَّمَ مِنكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [ سورة الأعراف، الآية١٨ ] وهذا القولُ هو المرادُ بقوله تعالى :﴿ولكن حَقَّ القول مِنْى لأمْلأنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الجنة والناس أَجْمَعِينَ﴾ [ سورة السجدة، الآية١٣ ] وحيثُ كان مناطُ الحكمِ ههُنا اتِّباعُ الشَّيطانِ اتَّضحَ أنَّ مدارَ عدمِ المشيئةِ في قولِه تعالى :﴿وَلَوْ شِئْنَا لآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا﴾ [ سورة السجدة، الآية٨٣ ] اتباعُ الكَفَرةِ للشَّيطانِ بُسوءِ اختيارِهم لا تحقُّقُ القولِ فليس في ذلك شائبةُ الجبرِ فتدبَّر.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى