الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل — الزمخشري
عن الكتاب
يجوز أن ينتصب ﴿إِذْ﴾ ظرفاً للحديث، لأنه حدث أو لمضمر، أي : حين ﴿رَءَا نَاراً﴾ كان كيت وكيت. أو مفعولاً ل ( اذكر ) استأذن موسى شعيباً عليهما السلام في الخروج إلى أمه وخرج بأهله، فولد له في الطريق ابن في ليلة شاتية مظلمة مثلجة، وقد ضلّ الطريق وتفرّقت ماشيته ولا ماء عنده، وقدح فصلد زنده فرأى النار عند ذلك. قيل : كانت ليلة جمعة ﴿امكثوا﴾ أقيموا في مكانكم. الإيناس : الإبصار البين الذي لا شبهة فيه، ومنه إنسان العين لأنه يتبين به الشيء، والإنس : لظهورهم، كما قيل الجنّ لاستتارهم وقيل : هو إبصار ما يؤنس به. لما وجد منه الإيناس فكان مقطوعاً متيقناً، حققه لهم بكلمة «إنّ » ليوطن أنفسهم، ولما كان الإتيان بالقبس ووجود الهدى مترقبين متوقعين، بني الأمر فيهما على الرجاء والطمع وقال ﴿لعلي﴾ ولم يقطع فيقول : إني ﴿ءَاتِيكُمْ﴾ لئلا يعد ما ليس بمستيقن الوفاء به. القبس : النار المقتبسة في رأس عود أو فتيلة أو غيرهما. ومنه قيل : المقبسة، لما يقتبس فيه من سعفة أو نحوها ﴿هُدًى﴾ أي قوماً يهدونني الطريق أو ينفعونني بهداهم في أبواب الدين، عن مجاهد وقتادة ؛ وذلك لأنّ أفكار الأبرار مغمورة بالهمة الدينية في جميع أحوالهم لا يشغلهم عنها شاغل. والمعنى : ذوي هدى. و إذا وجد الهداة فقدوجد الهدى. ومعنى الاستعلاء في ﴿عَلَى النار﴾ أنّ أهل النار يستعلون المكان القريب منها، كما قال سيبويه في مررت بزيد : إنه لصوق بمكان يقرب من زيد. أو لأنّ المصطلين بها والمستمتعين بها إذا تكنفوها قياماً وقعوداً كانوا مشرفين عليها، ومنه قول الأعشى :
وَبَاتَ عَلَى النَّارِ النَّدَى وَالْمُحَلَّقُ ***
وَبَاتَ عَلَى النَّارِ النَّدَى وَالْمُحَلَّقُ ***