تيسير التفسير — إبراهيم القطان

عن الكتاب
صرفنا: كررنا وفصلنا. ذكرا: عظمة وعبرة. لا تضحى: لا تبرز للشمس، ولا تتعب. طفقا يخصفان: شرعا يلزقان ورق الجنة. غوى: ضل. اجتباه: اصطفاه وقربه.
﴿وَكَذَٰلِكَ أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾.
وكما انزلنا ما ذُكر من البيان الحق الذي سلف في هذه السورة، كذلك أنزلنا القرآن كلَّه بأسلوب عربي واضح، وصَرَّفنا فيه القول في أساليب الوعيد ليجتنبوا الشِرك والوقوعَ في المعاصي، او يتذكروه غذا اذنبوا فيتوبوا إلى الله ويسألوه العفو.
﴿فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ﴾.
تقدّس الله المتصرفُ بالأمر والنهي، المحقُّ في أُلوهيته وعظمته. ولا تَعْجَلْ يا محمد بقراءة القرآن من قبلِ ان يُتمَّ جبريلُ تبليغه إليك. أَنصِتْ حين نزول الوحي بالقرآن عليك، حتى يفرغ المَلَكُ من قراءته، ثم اقرأه بعده.
﴿وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْماً﴾.
بالقرآنِ ومعانيه وكل شيء. وهذا يدل على فضيلة العلم، فان الله تعالى لم يأمر رسوله بطلب الزيادة في شيء إلا في العلم. ولقد قام الإسلام على العلم والتعلم من بدايته، وبالعلم سيطرت الأمم المسيطِرة في الوقت الحار، ولو أننا اتّبعنا القرآن حق اتباعه لكنّا اليومَ في الذروة من كل شيء.
وسبب نزول هذه الآية ان الرسول الكريم كان إذا لقَّنه جبريلُ الوحي، يتبعه عند تلفظ كل كلمةٍ وكل حرف، لكمالِ اعتنائه بالتلقّي والحفظ، فأرشده الله الى التأني ريثما يسمعه ويفهمه. ونحوه قوله تعالى: ﴿لاَ تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فاتبع قُرْآنَهُ ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾ [القيامة: ١٦ - ١٩].
روى الترمذي عن أبي هريرة قال: «كان رسول الله ﷺ يقول:» اللهمّ انفعني بما علّمتني، وعلّمني ما ينفعني، وزِدني علما، والحمدُ لله على كل حال، وأعوذ باللهِ من حالِ أهل النار «
قراءات:
قرأ يعقوب: من قبل أن نقضي اليك وحيه. بفتح النون وكسر الضاد ونصب وحيه. والباقون: من قبل ان يُقضَى اليك وحيُه، بضم الياء ورفع وحيه.
﴿وَلَقَدْ عَهِدْنَآ إلىءَادَمَ مِن قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً﴾.
بعد تلك الجولة الطويلة في قصة موسى، والعرضِ الموجز لأحوال القيامة وتذكيرِ الناس بأهوال ذلك اليوم العظيم، ثم ذكرِ القرآن وما فيه من وعيد ومن احكام، والأمر للرسول ان لا يعجل في تلقّيه خوف ان ينسى - يأتي الحديث هنا عن قصة آدم. فقد نسيَ آدمُ ما عهِد الله به إليه، وضَعُفَ أمام الإغراء بالخلود فاستمع لوسوسةِ الشيطان. وكان هذا ابتلاءً من ربّه قبل ان يعهد اليه بخلافة الأرض. ثم تداركت رحمةُ الله آدم فاجتباه وهداه.
ولقد وصينا آدم وقلنا له أن لا يخالف لنا أمرا، فنسي العهدَ وخالف، ولم نجدْ له ثباتا في الرأي، ولا تصميماً قوياً يمنع من ان يتسلل الشيطان الى نفسه بوسوسته.
وكل هذا العرض بإجمال لأنه فصِّل في سورة البقرة والأعراف والحِجر والإسراء والكهف.
ثم بين الله تعإلى ما عهد إليه به وكيفية نسيانه وفقدان عزمه فقال:
﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلاَئِكَةِ اسجدوا لآدَمَ فسجدوا إِلاَّ إِبْلِيسَ أبى....﴾.
اذكر أيها الرسول حين امرنا الملائكةَ ان يسجدوا لآدم سجودَ تعظيم، فامتثلوا ولبّوا الأمر، إلا إبليس الذي امتنع وأبى ان يكون من الساجدين.
فقلنا يا آدم ان هذا الذي رأيتَ منه ما رأيت عدوٌّ لك ولزوجتك، فاحذرا وسوستَه فلا يكونن سبباً لإخراجكما من الجنة فتشقى يا آدم بعد الخروج. إن في هذه الجنة عيشا هنيئًاً رغداً بلا كلفة ولا مشقة، فلا جوع فيها ولا عُري، ولا ظمأ ولا حر شمس.
﴿فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ﴾.
بعد ان بين الله أنه عظّم آدم وعرّفه شدة عداوة ابليس، ذكر هنا أن آدم أطاعَ إبليس، وأكل من الشجرة المحرّمة عليه، لأن إبليسَ جاءه وقال له: هل أدلّك على شجرةٍ إن أكلتَ منها خلّدت ولم تمتْ أبدا!؟ فنسي آدم العهد وأكل هو وزوجته، وخالفا أمر ربهما، فظهرت لهما عوراتُهما جزاء مخالفتهما الأوامر الربانية، وصارا يقطعان من ورقِ شجر الجنّة، ويستران بها ما بدا منهما.
﴿وعصىءَادَمُ رَبَّهُ فغوى﴾.
خالف آدم أمر ربه، فحُرِم الخلد، وأفسد على نفسه تلك الحياة الهنيئة التي كان يعيشها.
﴿ثُمَّ اجتباه رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وهدى﴾.
ثم أدركتْ آدمَ وزوجتَه رحمةُ الله بعد ما عصاه، فاصطفاه للرسالة، وقبل توبته، وهداه الى الخير.
قراءات:
قرأ نافع وأبو بكر: (وإنك) لا تظمأ فيها، بكسر ان. والباقون: (وأنك) بفتح الهمزة.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى