الدر المصون في علوم الكتاب المكنون — السمين الحلبي
عن الكتاب
قوله :﴿وَأَنَّكَ لاَ تَظْمَأُ﴾ : قرأ نافع وأبو بكر و " إنك " بكسرِ الهمزةِ. والباقون بفتحها. فَمَنْ كَسَرَ فيجوز أن يكونَ ذلك استئنافاً، وأن يكونَ نَسَقاً على " إنَّ " الأولى. ومَنْ فتح فلأنَّه عَطَفَ مصدراً مؤولاً على اسمِ " إنَّ " الأولى. والخبرُ " لك " المتقدمُ. والتقديرُ : إنَّ لك عَدَمَ الجوعِ وعدمَ العُرِيِّ وعَدَمَ الظمأ والضُّحا. وجاز أن تكون " أنَّ " بالفتح أسماً ل " إنَّ " بالكسر للفصل بينهما، ولولا ذلك لم يَجُزْ. لو قلت :" إن إنَّ زيداً قائم/ حَقٌّ " لم يَجُزْ فلمَّا فُصِل بينهما جاز. وتقول :" إنَّ عندي أن زيداً قائم " ف " عندي " هو الخبرُ قُدِّم على الاسمِ وهو " أنَّ " وما في تأويلِها لكونِه ظرفاً، والآيةُ من هذا القبيل ؛ إذ التقديرُ : وإنَّ لك أنَّك لا تظمأ. وقال الزمخشري :" فإنْ قلت :" إنَّ " لا تدخل على " أنَّ " فلا يُقال :" إنَّ أنَّ زيداً منطلق "، والواوُ نائبةٌ عن " أنَّ "، وقائمةٌ مقامَها فِلمَ دَخَلَتْ عليها ؟ قلت : الواوُ لم تُوْضَعْ لتكون أبداً نائبةً عن " أنَّ " إنما هي نائبةٌ عن كلِّ عاملٍ، فلمَّا لم تكنْ حرفاً موضوعاً للتحقيق خاصة ك " إنَّ " لم يمتنعْ اجتماعُهما كما [ امتنع اجتماع ] إنَّ وأنَّ ".
وضَحَى يَضْحَى أي : برز للشمسِ. قال عمر بن أبي ربيعة :
وذكر الزمخشريُّ هنا معنًى حسناً في كونِه تعالى ذكر هذه الأشياءَ بلفظ النفي، دونَ أَنْ يذكرَ أضدادَها بلفظِ الإِثباتِ. فيقول : إنَّ لك الشِّبَعَ والكِسْوةَ والرِّيَّ والاكتنانَ في الظلِّ فقال :" وَذَكَرها بلفظِ النفيِ لنقائضِها التي هي الجوعُ والعُرِيُّ والظمأُ والضَّحْوُ ليطرُقَ سمعَه بأسامي أصنافِ الشِّقْوَةِ التي حَذَّره منها حتى يَتحامى السببَ الموقعَ فيها كراهةً لها.
وضَحَى يَضْحَى أي : برز للشمسِ. قال عمر بن أبي ربيعة :
| رَأَتْ رجلاً أَيْما إذا الشمسُ عارَضَتْ | فَيَضْحى وأيْما بالعَشِيِّ فَيَخْصَرُ |