إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم — أبو السعود

عن الكتاب
﴿فاصبر على مَا يَقُولُونَ﴾ أي إذا كان الأمرُ على ما ذكر من أن تأخيرَ عذابِهم ليس بإهمال بل إمهالٍ وأنه لازمٌ لهم البتةَ، فاصبِرْ على ما يقولون من كلمات الكفرِ فإن علمه عليه السلام بأنهم معذبون لا محالة مما يسلّيه ويحمِلُه على الصبر ﴿وَسَبّحْ﴾ ملتبساً ﴿بِحَمْدِ رَبّكَ﴾ أي صلِّ وأنت حامدٌ لربك الذي يبلّغك إلى كمالك على هدايته وتوفيقِه، أو نزِّهه تعالى عما ينسُبونه إليه مما لا يليق بشأنه الرفيعِ حامداً له على ما ميّزك بالهدى معترفاً بأنه مولى النّعم كلِّها، والأولُ هو الأظهرُ المناسبُ لقوله تعالى :﴿قَبْلَ طُلُوعِ الشمس﴾ الخ، فإن توقيت التنزيه غيرُ معهودٍ فالمرادُ صلاة الفجر ﴿وَقَبْلَ غُرُوبِهَا﴾ يعني صلاتي الظهرِ والعصر لأنهما قبل غروبِها بعد زوالها، وجمعُهما لمناسبة قوله تعالى :﴿قَبْلَ طُلُوعِ الشمس وَقَبْلَ صلاة العَصْرِ﴾ ﴿وَمِنْ آنَاء الليل﴾ أي من ساعاته جمع إِنّى بالكسر والقصر، وآناء بالفتح والمد ﴿فَسَبّحْ﴾ أي فصلِّ والمرادُ به المغربُ والعشاءُ إيذاناً باختصاصهما بمزيد الفضلِ فإن القلبَ فيهما أجمعُ والنفسَ إلى الاستراحة أميلُ فتكون العبادةُ فيهما أشقَّ، ولذلك قال تعالى :﴿إِنَّ نَاشِئَةَ الليل هِيَ أَشَدُّ وَطْأً وَأَقْوَمُ قِيلاً﴾ ﴿وَأَطْرَافَ النهار﴾ تكريرٌ لصلاته الفجر والمغرِب إيذاناً باختصاصهما بمزيد مزيةٍ، ومجيئُه بلفظ الجمعِ لأمن الإلباس كقول من قال : ظَهراهما مثلُ ظهورِ التُّرسين، أو أمرٌ بصلاة الظهر فإنه نهايةُ النصفِ الأول من النهار وبدايةُ النصف الأخيرِ، وجمعُه باعتبار النصفين أو لأن النهارَ جنسٌ أو أمرٌ بالتطوع في أجزاء النهار ﴿لَعَلَّكَ ترضى﴾ متعلقٌ بسبح أي في هذه الأوقات رجاءَ أن تنال عنده تعالى ما ترضَى به نفسُك، وقرئ تُرضَى على صيغة البناء للمفعول من أرضى أي يُرضيك ربك.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى