روح المعاني — الألوسي

عن الكتاب
﴿واحلل عُقْدَةً مّن لساني﴾ روى أنه كان في لسانه عليه السلام رتة من جمرة أدخلها فاه في صغره.
وذلك ان فرعون حمله ذات يوم فأخذ خصلة من لحيته لما كان فيها من الجواهر. وقيل : لطمه. وقيل : ضربه ضربه بقضيب في يده على رأسه فتطير فدعا بالسياف فقالت آسية بنت مزاحم امرأته وكانت تحب موسى عليه السلام : إنما هو صبي لا يفرق بين الياقوت والجمر فاحضرا وأراد أن يمد يده إلى الياقوت فحول جبريل عليه السلام يده إلى الجمرة فأخذها فوضعها في فيه فاحترق لسانه.
وفي هذا دليل على فساد قول القائلين بأن النار تحرق بالطبيعة من غير مدخلية لإذن الله تعالى في ذلك إن لو كان الأمر كما زعموا لأحرقت يده. وذكر في حكمة إذن الله تعالى لها بإحراق لسانه دون يده ان يده صارت آلة لما ظاهره الإهانة لفرعون. ولعل تبييضها كان لهذا أيضاً وإن لسانه كان آلة لضد ذلك بناء على ما روي أنه عليه السلام دعاه بما يدعو به الأطفال الصغار آبائهم. وقيل : احترقت يده عليه السلام أيضاً فاجتهد فرعون في علاجها فلم تبرأ. ولعل ذلك لئلا يدخلها عليه السلام مع فرعون في قصة واحدة فتفقد بينهما حرمة المؤاكلة فلما دعاه قال : إلى أي رب تدعوني ؟ قال : إلى الذي أبرأ يدى وقد عجزت عنه. وكان الظاهر على هذا أن يطرح عليه السلام النار من يده ولا يوصلها إلى فيه. ولعله لم يحس بالألم إلا بعد أن أوصلها فاه أو أحس لكنه لم يفرق بين القائها في الأرض وإلقائها في فمه وكل ذلك بتقدير الله تعالى ليقضي الله أمراً كان مفعولاً. وقيل : كانت العقدة في لسانه عليه السلام خلقة. وقيل : إنها حدثت بعد المناجاة وفيه بعد.
واختلف في زوالها بكمالها فمن قال به كالحسن تمسك بقوله تعالى :﴿قَدْ أُوتِيتَ سُؤلك يَا موسى﴾ [طه: ٣٦] من لم يقل به كالجبائي احتج بقوله تعالى :﴿هُوَ أَفْصَحُ مِنّى﴾ [القصص: ٣٤] وقوله سبحانه ﴿وَلاَ يَكَادُ يُبِينُ﴾ [الزخرف: ٥٢].
وبما روي أنه كان في لسان الحسين رضي الله عنه رتة وحبسة فقال النبي ﷺ فيه : إنه ورثها من عمه موسى عليه السلام. وأجاب عن الأول بأنه عليه السلام لم يسأل حل عقدة لسانه بالكلية بل عقدة تمنع الافهام ولذلك نكرها ووصفها بقوله :﴿من لساني﴾ ولم يضفها مع أنه أخصر ولا يصلح ذلك للوصفية إلا بتقدير مضاف وجعل ﴿من﴾ ولم يضفها مع أنه أخصر ولا يصلح ذلك للوصفية إلا بتقدير مضاف وجعل ﴿مِنْ﴾ تبعيضية أي عقدة كائنة من عقد لساني فإن العقدة للسان لا منه.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:من باب الإشارة :﴿واحلل عُقْدَةً مّن لّسَانِي يَفْقَهُواْ قَوْلِي﴾ [طه: ٢٧، ٢٨] كأنه عليه السلام طلب قدرة التعبير عن الحقائق الإلهية بعبارة واضحة فإن المطلب وعر لا يكاد توجد له عبارة تسهله حتى يأمن سامعه عن العثار. ولذا ترى كثيراً من الناس ضلوا بعبارات بعض الأكابر من الصوفية في «شرح الأسرار الألهية» وقيل : إنه عليه السلام سأل حل عقدة الحياء فإنه استحيا أن يخاطب عدو الله تعالى بلسان به خاطب الحق جل وعلا. ولعله أراد من القول المضاف القول الذي به ارشاد للعباد فإن همة العارفين لا تطلب النطق والمكالمة مع الناس فيما لا يحصل به ارشاد لهم نعم النطق من حيث هو فضيلة عظيمة وموهبة جسيمة ولهذا قال سبحانه :﴿الرحمن * عَلَّمَ القرءان * خَلَقَ الإنسان * عَلَّمَهُ البيان﴾
[ الرحمن : ١ ٤ ] من غير توسيط عاطف. وعن علي كرم الله تعالى وجهه ما الإنسان لولا اللسان إلا صورة مصورة أو بهيمة مهملة، وقال رضي الله عنه : المرء مخبوء تحت طي لسانه لا طيلسانه، وقال رضي الله تعالى عنه : المرء باصغريه قلبه ولسانه، وقال زهير :
لسان الفتى نصف ونصف فؤادهفلم يبق إلا صورة اللحم والدم
ومن الناس من مدح الصمت لأنه أسلم.
يموت الفتى من عثرة بلسانهوليس يموت المرء من عثرة الرجل
وفي نوابغ الكلم ق فاك لا يقرع قفاك، والإنصاف أن الصمت في نفسه ليس بفضيلة لأنه أمر عدمي والمنطق في نفسه فضيلة لكن قد يصير رذيلة لأسباب عرضية، فالحق ما أشار إليه ﷺ بقوله :«رحم الله تعالى امرأ قال خيراً فغنم أو سكت فسلم». وذكر في وجه عدم طلبه عليه السلام الفصاحة الكاملة أنها نصيب الحبيب عليه الصلاة والسلام، فقد كان ﷺ أفصح من نطق بالضاد فما كان له أن يطلب ما كان له


من باب الإشارة :﴿واحلل عُقْدَةً مّن لّسَانِي يَفْقَهُواْ قَوْلِي﴾ [طه: ٢٧، ٢٨] كأنه عليه السلام طلب قدرة التعبير عن الحقائق الإلهية بعبارة واضحة فإن المطلب وعر لا يكاد توجد له عبارة تسهله حتى يأمن سامعه عن العثار. ولذا ترى كثيراً من الناس ضلوا بعبارات بعض الأكابر من الصوفية في «شرح الأسرار الألهية» وقيل : إنه عليه السلام سأل حل عقدة الحياء فإنه استحيا أن يخاطب عدو الله تعالى بلسان به خاطب الحق جل وعلا. ولعله أراد من القول المضاف القول الذي به ارشاد للعباد فإن همة العارفين لا تطلب النطق والمكالمة مع الناس فيما لا يحصل به ارشاد لهم نعم النطق من حيث هو فضيلة عظيمة وموهبة جسيمة ولهذا قال سبحانه :﴿الرحمن * عَلَّمَ القرءان * خَلَقَ الإنسان * عَلَّمَهُ البيان﴾
[ الرحمن : ١ ٤ ] من غير توسيط عاطف. وعن علي كرم الله تعالى وجهه ما الإنسان لولا اللسان إلا صورة مصورة أو بهيمة مهملة، وقال رضي الله عنه : المرء مخبوء تحت طي لسانه لا طيلسانه، وقال رضي الله تعالى عنه : المرء باصغريه قلبه ولسانه، وقال زهير :
لسان الفتى نصف ونصف فؤادهفلم يبق إلا صورة اللحم والدم
ومن الناس من مدح الصمت لأنه أسلم.
يموت الفتى من عثرة بلسانهوليس يموت المرء من عثرة الرجل
وفي نوابغ الكلم ق فاك لا يقرع قفاك، والإنصاف أن الصمت في نفسه ليس بفضيلة لأنه أمر عدمي والمنطق في نفسه فضيلة لكن قد يصير رذيلة لأسباب عرضية، فالحق ما أشار إليه ﷺ بقوله :«رحم الله تعالى امرأ قال خيراً فغنم أو سكت فسلم». وذكر في وجه عدم طلبه عليه السلام الفصاحة الكاملة أنها نصيب الحبيب عليه الصلاة والسلام، فقد كان ﷺ أفصح من نطق بالضاد فما كان له أن يطلب ما كان له

تفسير هذه الآية من كتب أخرى