غرائب القرآن ورغائب الفرقان — نظام الدين القمي النيسابوري
عن الكتاب
﴿قال فمن ربكما يا موسى﴾ خاطب الاثنين ووجه النداء إلى موسى لأنه الأصل في ادعاء الرسالة وهارون وزيره، ويجوز أنه خص موسى عليه السلام بالنداء لما عرف من فصاحة هارون والرتة التي كانت في لسان موسى. فأراد أن يعجز عن الجواب. قال أهل الأدب : إن فرعون كان شديد البطش جباراً ومع ذلك لم يبدأ بالسفاهة والشغب بل شرع في المناظرة وطلب الحجة، فدل على أن الشغب من غير حجة شيء ما كان يرتضيه فرعون مع كمال جهله وكفره فكيف يليق ذلك بمن يدعي الإسلام والعلم ؟ ! وفي اشتغال موسى بإقامة الدلالة على المطلوب دليل على فساد التقليد وفساد قول القائل بأن معرفة الله تستفاد من قول الرسول، وفيه جواز حكاية كلام المبطل مقروناً بالجواب لئلا يبقى الشك. وفيه أن المحق يجب عليه استماع شبهة المبطل حتى يمكنه الاشتغال بحلها. واعلم أن العلماء اختلفوا في كفر فرعون فقيل : كان عارفاً بالله إلا أنه كان معانداً بدليل قوله ﴿لقد علمت ما أنزل هؤلاء إلا رب السموات والأرض﴾ [الإسراء: ١٠٢] وقوله ﴿وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلماً وعلوا﴾ [النمل: ١٤] وقوله في سورة القصص ﴿وظنوا أنهم إلينا لا يرجعون﴾
[ الآية : ٣٩ ] وليس فيه إلا إنكار المعاد دون إنكار المبدأ. وقوله في الشعراء
﴿وما رب العالمين﴾ [الشعراء: ٢٣] إلى قوله ﴿إن رسولكم الذي أرسل إليكم لمجنون﴾
[الشعراء: ٢٧] يعني أنا أطلب منه الماهية وهو يشرح الوجود فدل على أنه اعترف بأصل الوجود. وأيضاً إن ملك فرعون لم يتجاوز القبط ولم يبلغ الشام لأن موسى لما هرب إلى مدين قال له شعيب ﴿لا تخف نجوت من القوم الظالمين﴾ [القصص: ٢٥] فكيف يعتقد مثل هذا الشخص إنه إله العالم بل كل عاقل مكلف يعلم بالضرورة أنه وجد بعد العدم فلا يكون واجب الوجود. وأيضاً إنه سأل ههنا بمن طالبا للكيفية، وفي " الشعراء " بما طالبا للماهية فكأن موسى لما أقام الدلالة على الوجود ترك المناظرة والمنازعة معه في هذا المقام لظهوره وشرع في مقام أصعب لأن العلم بماهية الله تعالى غير حاصل للبشر. وأيضاً إنه قال في الجواب ﴿ربنا الذي أعطى كل شيء خلقه﴾ وصلة الذي لا بد أن تكون جملة معلومة الانتساب. ومن الناس من قال : إنه كان جاهلاً بالله بعد اتفاقهم على أن العاقل لا يجوز أن يعتقد في نفسه أنه خالق السموات والأرض وما فيهما. فمنهم من قول : إنه كان دهرياً نافياً للمؤثر أصلاً. ومنهم من قال : إنه فلسفي قائل بالعلة الموجبة أو هو من عبدة الكواكب، أو من الحلولية والمجسمة. وأم إدعاء الالهية والربوبية فبمعنى أنه يجب عليهم طاعته والانقياد لحكمه. قال بعض العلماء : إنما قال ﴿فمن ربكما﴾ [طه: ٤٩] ولم يقل " فمن إلهكما " تعريضاً بأنه رب موسى كما قال ﴿ألم نربك فينا وليداً﴾ [الشعراء: ١٨] قلت : يحتمل أن يكون تخصيص موسى بالنداء تنبيهاً على هذا المعنى. ولم يعلم الكافر أن الربوبية التي ادّعاها موسى لله في قوله ﴿إنا رسولا ربك﴾ غير هذه في الحقيقة ولا مشاركة بينهما إلا في اللفظ، وهذا كما عارض نمرود إبراهيم صلوات الرحمان عليه في قوله ﴿أنا أحيي وأميت﴾ [البقرة: ٢٥٨] ولم يعلم أن إحياءه وإماتته ليسا من الإحياء والإماتة في شيء ثم شرع موسى في الدلالة على إثبات الصانع بأحوال المخلوقات، وفيه دلالة على أن موسى كان أصلاً في النبوة وأن هارون راعى الأدب فلم يشتغل بالجواب قبله لأن الأصل في النبوة هو موسى، ولأن فرعون خصص موسى بالنداء.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة: الوقوف :﴿أخرى﴾ ٥ لا لأن " إذ " تفسير المرة ﴿ما يوحى﴾ ٥ لا لأن ما بعده تفسير ﴿ما يوحى﴾ ﴿وعدوّ له﴾ ط ﴿مني﴾ ج لأن الواو وقد تكون مقحمة وتعلق اللام بـ ﴿ألقيت﴾ وقد تكون عاطفة على محذوف أي لتحب ولتصنع، ومن جزم اللام وقف على ﴿مني﴾ لا محالة ﴿على عيني﴾ م لئلا يوهم أن " إذ " ظرف ﴿لتصنع﴾ ﴿من يكفله﴾ ط لانقطاع النظم وانتهاء الاستفهام على أن فاء التعقيب مع اتحاد القصة يجيز الوصل. ﴿ولا تحزن﴾ ط لابتداء منة أخرى ﴿فتوناً﴾ ٥ ط ﴿يا موسى﴾ ٥ ﴿لنفسي﴾ ٥ لاتساق الكلام مع حق الفاء مضمرة ﴿ذكري﴾ ٥ ج لمثل ما قلنا والمضمر واو ﴿طغى﴾ ٥ للآية مع الفاء ﴿يخشى﴾ ٥ ﴿يطغى﴾ ٥ ﴿وأرى﴾ ٥ ﴿ولا تعذبهم﴾ ط لأن " قد " لتوكيد الابتداء وقد انقطع النظم على أن اتحاد المقول يجيز الوصل ﴿من ربك﴾ ط لذلك فإن الواو للابتداء ﴿في كتاب﴾ ج لاحتمال ما بعده الصفة والاستئناف ﴿ولا ينسى﴾ ٥ بناء على أن " الذي " صفة الرب والأحسن تقدير هو الذي أو أعني الذي ﴿ماء﴾ ط للالتفات ﴿شتى﴾ ٥ ﴿أنعامكم﴾ ط ﴿النهى﴾ ٥ ﴿أخرى﴾ ٥ ﴿وأبى﴾ ٥ ﴿يا موسى﴾ ٥ ﴿سوى﴾ ٥ ﴿ضحى﴾ ٥ ﴿أتى﴾ ٥ ﴿بعذاب﴾ ج لاختلاف الجملتين ﴿افترى﴾ ٥ ﴿النجوى﴾ ٥ ﴿المثلى﴾ ٥ ﴿صفاً﴾ ٥ ﴿استعلى﴾ ٥ ﴿ألقى﴾ ٥ ﴿ألقوا﴾ ج لأن التقدير فألقوا ما ألقوه فإذا حبالهم مع فاء التعقيب وإذا المفاجأة المنافيين للوقف ﴿تسعى﴾ ٥ ﴿موسى﴾ ٥ ﴿الأعلى﴾ ٥ ﴿ما صنعوا﴾ ط ﴿كيد ساحر﴾ ط ﴿أتى﴾ ٥ ﴿وموسى﴾ ٥ ﴿لكم﴾ ط ﴿السحر﴾ ق للقسم المحذوف ولانقطاع النظم مع فاء التعقيب وإتمام مقصود الكلام ﴿النخل﴾ ج لابتداء معنى القسم ولفظ استفهام يعقبه مع اتفاق الجملة واتحاد الكلام.
وأبقى } ٥ ﴿قاض﴾ ط ﴿الحياة الدنيا﴾ ط ﴿من السحر﴾ ط ﴿وأبقى﴾ ٥ ﴿جهنم﴾ ط ﴿ولا يحيى﴾ ٥ ﴿العلى﴾ ٥ لا لأن ما بعده بدل ﴿فيها﴾ ط ﴿تزكى﴾ ٥.
[ الآية : ٣٩ ] وليس فيه إلا إنكار المعاد دون إنكار المبدأ. وقوله في الشعراء
﴿وما رب العالمين﴾ [الشعراء: ٢٣] إلى قوله ﴿إن رسولكم الذي أرسل إليكم لمجنون﴾
[الشعراء: ٢٧] يعني أنا أطلب منه الماهية وهو يشرح الوجود فدل على أنه اعترف بأصل الوجود. وأيضاً إن ملك فرعون لم يتجاوز القبط ولم يبلغ الشام لأن موسى لما هرب إلى مدين قال له شعيب ﴿لا تخف نجوت من القوم الظالمين﴾ [القصص: ٢٥] فكيف يعتقد مثل هذا الشخص إنه إله العالم بل كل عاقل مكلف يعلم بالضرورة أنه وجد بعد العدم فلا يكون واجب الوجود. وأيضاً إنه سأل ههنا بمن طالبا للكيفية، وفي " الشعراء " بما طالبا للماهية فكأن موسى لما أقام الدلالة على الوجود ترك المناظرة والمنازعة معه في هذا المقام لظهوره وشرع في مقام أصعب لأن العلم بماهية الله تعالى غير حاصل للبشر. وأيضاً إنه قال في الجواب ﴿ربنا الذي أعطى كل شيء خلقه﴾ وصلة الذي لا بد أن تكون جملة معلومة الانتساب. ومن الناس من قال : إنه كان جاهلاً بالله بعد اتفاقهم على أن العاقل لا يجوز أن يعتقد في نفسه أنه خالق السموات والأرض وما فيهما. فمنهم من قول : إنه كان دهرياً نافياً للمؤثر أصلاً. ومنهم من قال : إنه فلسفي قائل بالعلة الموجبة أو هو من عبدة الكواكب، أو من الحلولية والمجسمة. وأم إدعاء الالهية والربوبية فبمعنى أنه يجب عليهم طاعته والانقياد لحكمه. قال بعض العلماء : إنما قال ﴿فمن ربكما﴾ [طه: ٤٩] ولم يقل " فمن إلهكما " تعريضاً بأنه رب موسى كما قال ﴿ألم نربك فينا وليداً﴾ [الشعراء: ١٨] قلت : يحتمل أن يكون تخصيص موسى بالنداء تنبيهاً على هذا المعنى. ولم يعلم الكافر أن الربوبية التي ادّعاها موسى لله في قوله ﴿إنا رسولا ربك﴾ غير هذه في الحقيقة ولا مشاركة بينهما إلا في اللفظ، وهذا كما عارض نمرود إبراهيم صلوات الرحمان عليه في قوله ﴿أنا أحيي وأميت﴾ [البقرة: ٢٥٨] ولم يعلم أن إحياءه وإماتته ليسا من الإحياء والإماتة في شيء ثم شرع موسى في الدلالة على إثبات الصانع بأحوال المخلوقات، وفيه دلالة على أن موسى كان أصلاً في النبوة وأن هارون راعى الأدب فلم يشتغل بالجواب قبله لأن الأصل في النبوة هو موسى، ولأن فرعون خصص موسى بالنداء.
وأبقى } ٥ ﴿قاض﴾ ط ﴿الحياة الدنيا﴾ ط ﴿من السحر﴾ ط ﴿وأبقى﴾ ٥ ﴿جهنم﴾ ط ﴿ولا يحيى﴾ ٥ ﴿العلى﴾ ٥ لا لأن ما بعده بدل ﴿فيها﴾ ط ﴿تزكى﴾ ٥.