الدر المصون في علوم الكتاب المكنون — السمين الحلبي

عن الكتاب
قوله :﴿وَالَّذِي فَطَرَنَا﴾ : فيه وجهان، أحدهما : أن الواوَ عاطفةٌ، عَطَفَتْ هذا الموصولَ على " ما جاءنا " أي : لن نؤثرَك على الذي جاءنا، ولا على الذي فطرنا. وإنما أخَّروا ذِكْرَ البارِيْ تعالى لأنه من باب الترقِّي من الأدنى إلى الأعلى. والثاني : أنها واوُ قسمٍ، والموصولُ مقسمٌ به. وجوابُ القسمِ محذوفٌ أي : وحَقِّ الذي فطرنا لا نؤثرك على الحق. ولا يجوز أن يكونَ الجوابُ " لن نُؤْثرك " عند مَنْ يَجَوِّزُ تقديمَ الجواب ؛ لأنه لا يُجاب القسمُ ب " لن " إلاَّ في شذوذٍ من الكلام.
قوله :﴿مَآ أَنتَ قَاضٍ﴾ يجوز في " ما " وجهان، أظهرُهما : أنها موصولةٌ بمعنى الذي، و " أنت قاضٍ " صلتُها والعائدُ محذوفٌ، اي : قاضِيه. وجاز حَذْفُه، وإنْ كان مخفوضاً، لأنه منصوب المحل. أي : فاقضِ الذي أنت قاضِيْه. والثاني : أنها مصدريةٌ ظرفيةٌ، والتقدير : فاقضِ أمرك مدةَ ما أنتَ قاضٍ. ذكر ذلك أبو البقاء. وقد منع بعضُهم ذلك أعني جَعْلَها مصدريةً قال : لأنَّ :" ما " المصدريةَ لا تُوْصَلُ بالجملة الاسمية. وهذا المَنْعُ ليس مجمعاً عليه، بل جَوَّز ذلك جماعةٌ كثيرة. ونقل ابنُ مالك أنَّ ذلك يَكْثُر إذا دَلَّتْ " ما " على الظرفية. وأنشد :
واصِلْ خليلَك ما التواصُلُ مُمْكِنٌفَلأَنْتَ أَوْ هُوَ عن قليلٍ ذاهِبُ
وَيِقلُّ إنْ كانت غيرَ ظرفية. وأنشد :
أحْلامُكُمْ لِسَقَامِ الجَهْلِ شافيةٌكما دِماؤُكُمُ تَشْفي مِن الكَلَبِ
قوله :﴿إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ﴾ يجوز في " ما " هذه وجهان، أحدهما : أن تكونَ المهيئةَ لدخول " إنَّ " على الفعل و " الحياةَ الدنيا " ظرفٌ ل " تَقضي "، ومفعولُه محذوفٌ أي : تقضي غرضَك وأمرَك. ويجوز أن تكونَ " الحياةَ " مفعولاً به على الاتساع، ويدلُّ لذلك قراءةُ أبي حيوة " تُقْضَى هذه الحياةُ " ببناء الفعلِ للمفعول ورَفْعِ " الحياة " لقيامها مقام الفاعلِ ؛ وذلك أنه اتُّسِع فيه فقام مقامَ الفاعلِ فرُفِعَ.
والثاني : أن تكونَ " ما " مصدريةً هي اسمُ " إنَّ "، والخبرُ الظرفُ. والتقدير : إنَّ قضاءَكَ في هذه الحياةِ الدنيا، يعني : إن لك الدنيا فقط، ولنا الآخرةَ.
وقال أبو البقاء :" فإنْ كان قد قُرِيء بالرفع فهو خبرُ إنَّ ". يعني لو قرىء برفعِ " الحياة " لكان خبراً ل " إنَّ " ويكون اسمُها حينئذٍ " ما "، وهي موصولةٌ بمعنى الذي، وعائدُها محذوفٌ تقديره : إنَّ تَقْضِيه هذه الحياةُ لا غيرُها.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى