مفاتيح الغيب — فخر الدين الرازي
عن الكتاب
قوله تعالى :﴿قالوا لن نؤثرك على ما جاءنا من البينات والذي فطرنا فاقض ما أنت قاض إنما تقضي هذه الحياة الدنيا، إنا آمنا بربنا ليغفر لنا خطايانا وما أكرهتنا عليه من السحر والله خير وأبقى، إنه من يأت ربه مجرما فإن له جهنم لا يموت فيها ولا يحي، ومن يأته مؤمنا قد عمل الصالحات فأولئك لهم الدرجات العلا، جنات عدن تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها وذلك جزاء من تزكى﴾
اعلم أنه تعالى لما حكى تهديد فرعون لأولئك حكى جوابهم عن ذلك بما يدل على حصول اليقين التام والبصيرة الكاملة لهم في أصول الدين، فقالوا :﴿لن نؤثرك على ما جاءنا من البينات﴾ وذلك يدل على أن فرعون طلب منهم الرجوع عن الإيمان وإلا فعل بهم ما أوعدهم فقالوا :﴿لن نؤثرك﴾ جوابا لما قاله وبينوا العلة وهي أن الذي جاءهم بينات وأدلة، والذي يذكره فرعون محض الدنيا، ومنافع الدنيا ومضارها لا تعارض منافع الآخرة ومضارها، أما قوله :﴿والذي فطرنا﴾ ففيه وجهان : الأول : أن التقدير لن نؤثرك يا فرعون على ما جاءنا من البينات وعلى الذي فطرنا أي وعلى طاعة الذي فطرنا وعلى عبادته. الوجه الثاني : يجوز أن يكون خفضا على القسم. واعلم أنهم لما علموا أنهم متى أصروا على الإيمان فعل فرعون ما أوعدهم به فقالوا :﴿فاقض ما أنت قاض﴾ لا على معنى أنهم أمروه بذلك لكن أظهروا أن ذلك الوعيد لا يزيلهم ألبتة عن إيمانهم وعما عرفوه من الحق علما وعملا، ثم بينوا ما لأجله يسهل عليهم احتمال ذلك فقالوا :﴿إنما تقضي هذه الحياة الدنيا﴾ وقرئ :( نقضي هذه الحياة الدنيا ) ووجهها أن الحياة في القراءة المشهورة منتصبة على الظرف فاتسع في الظرف بإجرائه مجرى المفعول به كقولك : في صمت يوم الجمعة صيم والمعنى أن قضاءك وحكمك إنما يكون في هذه الحياة الدنيا وهي كيف كانت فانية وإنما مطلبنا سعادة الآخرة وهي باقية، والعقل يقتضي تحمل الضرر الفاني المتوصل به إلى السعادة الباقية
اعلم أنه تعالى لما حكى تهديد فرعون لأولئك حكى جوابهم عن ذلك بما يدل على حصول اليقين التام والبصيرة الكاملة لهم في أصول الدين، فقالوا :﴿لن نؤثرك على ما جاءنا من البينات﴾ وذلك يدل على أن فرعون طلب منهم الرجوع عن الإيمان وإلا فعل بهم ما أوعدهم فقالوا :﴿لن نؤثرك﴾ جوابا لما قاله وبينوا العلة وهي أن الذي جاءهم بينات وأدلة، والذي يذكره فرعون محض الدنيا، ومنافع الدنيا ومضارها لا تعارض منافع الآخرة ومضارها، أما قوله :﴿والذي فطرنا﴾ ففيه وجهان : الأول : أن التقدير لن نؤثرك يا فرعون على ما جاءنا من البينات وعلى الذي فطرنا أي وعلى طاعة الذي فطرنا وعلى عبادته. الوجه الثاني : يجوز أن يكون خفضا على القسم. واعلم أنهم لما علموا أنهم متى أصروا على الإيمان فعل فرعون ما أوعدهم به فقالوا :﴿فاقض ما أنت قاض﴾ لا على معنى أنهم أمروه بذلك لكن أظهروا أن ذلك الوعيد لا يزيلهم ألبتة عن إيمانهم وعما عرفوه من الحق علما وعملا، ثم بينوا ما لأجله يسهل عليهم احتمال ذلك فقالوا :﴿إنما تقضي هذه الحياة الدنيا﴾ وقرئ :( نقضي هذه الحياة الدنيا ) ووجهها أن الحياة في القراءة المشهورة منتصبة على الظرف فاتسع في الظرف بإجرائه مجرى المفعول به كقولك : في صمت يوم الجمعة صيم والمعنى أن قضاءك وحكمك إنما يكون في هذه الحياة الدنيا وهي كيف كانت فانية وإنما مطلبنا سعادة الآخرة وهي باقية، والعقل يقتضي تحمل الضرر الفاني المتوصل به إلى السعادة الباقية