التفسير الوسيط — محمد سيد طنطاوي

عن الكتاب
وقوله - تعالى - :﴿قَالَ فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِن بَعْدِكَ وَأَضَلَّهُمُ السامري﴾ إخبار منه - سبحانه - بما فعله قومه بعد مفارقته لهم.
﴿فَتَنَّا﴾ من الفَتْن ومعناه لغة : وضع الذهب فى النار ليتبين أهو خالص أز زائف.
والفتنة تطلق فى القرآن بإطلاقات متعددة منها : الدخول فى النار كما فى قوله - تعالى - :﴿يَوْمَ هُمْ عَلَى النار يُفْتَنُونَ﴾ ومنها الحجة كما فى قوله - تعالى - :﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلاَّ أَن قَالُواْ والله رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ ومنها : الاختبار والامتحان، كما فى قوله - سبحانه - :﴿أَنَّمَآ أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلاَدُكُمْ فِتْنَةٌ﴾ ومنها الاضلال والاشراك، كما فى قوله - تعالى - :﴿وَقَاتِلُوهُمْ حتى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ وقوله - سبحانه - :
﴿وَمَن يُرِدِ الله فِتْنَتَهُ فَلَن تَمْلِكَ لَهُ مِنَ الله شَيْئاً..﴾ ويبدو أن المراد بالفتنة هذا المعنى الأخير وهو الإضلال والشرك، لأن فتنتهم كانت بسبب عبادتهم للعجل فى غيبه موسى - عليه السلام -.
ويدل على هذا قوله - تعالى - :﴿واتخذ قَوْمُ موسى مِن بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلاً جَسَداً لَّهُ خُوَارٌ..﴾ والسامرى : اسم للشخص الذى كان سببا فى ضلال بنى إسرائيل، قيل : كان من زعماء بنى إسرائيل وينسب إلى قبيلة تعرف بالسامرة.
وقيل : إنه كان من قوم يعبدون البقر، وقيل غير ذلك من أقوال مظنونة غير محققة.
أى : قال الله - تعالى - لموسى : فإنا قد أضللنا قومك من بعد مفارقتك لهم، وكان السبب فى ضلالهم السامرى، حيث دعاهم إلى عبادة العجل فانقادوا له وأطاعوه.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى