فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير — الشوكاني

عن الكتاب
﴿والقرءان الحكيم﴾ بالجرّ على أنه مقسم به ابتداء. وقيل : هو معطوف على يس على تقدير كونه مجروراً بإضمار القسم. قال النقاش : لم يقسم الله لأحد من أنبيائه بالرسالة في كتابه إلاّ لمحمد ﷺ تعظيماً له وتمجيداً، والحكيم المحكم الذي لا يتناقض، ولا يتخالف، أو الحكيم قائله، وجواب القسم ﴿إِنَّكَ لَمِنَ المرسلين﴾.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:وقد أخرج ابن مردويه عن ابن مسعود، وابن عباس في قوله :﴿يس﴾ قالا : يا محمد. وأخرج ابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم من طرق عن ابن عباس في قوله :﴿يس﴾ قال : يا إنسان. وأخرج عبد بن حميد، عن الحسن، والضحاك، وعكرمة مثله. وأخرج ابن مردويه، وأبو نعيم في الدلائل عن ابن عباس قال : كان النبي ﷺ يقرأ في المسجد، فيجهر بالقراءة، حتى تأذى به ناس من قريش، حتى قاموا ليأخذوه، وإذا أيديهم مجموعة إلى أعناقهم، وإذا هم عمي لا يبصرون، فجاءوا إلى النبي ﷺ، فقالوا : ننشدك الله والرحم يا محمد، قال : ولم يكن بطن من بطون قريش إلاّ وللنبي ﷺ فيهم قرابة، فدعا النبي ﷺ حتى ذهب ذلك عنهم، فنزلت ﴿يس* والقرءان الحكيم﴾ إلى قوله :﴿أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ﴾ قال :«فلم يؤمن من ذلك النفر أحد» وفي الباب : روايات في سبب نزول ذلك، هذه الرواية أحسنها، وأقربها إلى الصحة.
وأخرج ابن أبي حاتم عنه قال : الأغلال ما بين الصدر إلى الذقن ﴿فَهُم مُّقْمَحُونَ﴾ كما تقمح الدابة باللجام. وأخرج ابن مردويه عنه أيضاً في قوله :﴿وَجَعَلْنَا مِن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدّاً﴾ الآية قال : كانوا يمرّون على النبي ﷺ، فلا يرونه. وأخرج ابن مردويه عنه أيضاً قال : اجتمعت قريش بباب النبي ﷺ ينتظرون خروجه ليؤذوه، فشقّ ذلك عليه، فأتاه جبريل بسورة يس، وأمره بالخروج عليهم، فأخذ كفاً من تراب وخرج وهو يقرؤها، ويذرّ التراب على رؤوسهم، فما رأوه حتى جاز، فجعل أحدهم يلمس رأسه، فيجد التراب، وجاء بعضهم فقال : ما يجلسكم ؟ قالوا : ننتظر محمداً، فقال : لقد رأيته داخلاً المسجد، قال : قوموا فقد سحركم.
وأخرج عبد الرّزّاق، والترمذي وحسنه، والبزار، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والحاكم وصححه، وابن مردويه، والبيهقيّ في الشعب عن أبي سعيد الخدري قال : كان بنو سلمة في ناحية من المدينة، فأرادوا أن ينتقلوا إلى قرب المسجد، فأنزل الله ﴿إِنَّا نَحْنُ نُحْىِ الموتى وَنَكْتُبُ مَاَ قَدَّمُواْ وَءاثَارَهُمْ﴾، فدعاهم رسول الله ﷺ، فقال :«إنه يكتب آثاركم» ثم قرأ عليهم الآية : فتركوا. وأخرج الفريابي، وأحمد في الزهد، وعبد بن حميد، وابن ماجه، وابن جرير، وابن المنذر، والطبراني، وابن مردويه عن ابن عباس نحوه. وفي صحيح مسلم، وغيره من حديث جابر قال : إن بني سلمة أرادوا أن يبيعوا ديارهم، ويتحوّلوا قريباً من المسجد، فقال لهم رسول الله ﷺ :«يا بني سلمة، دياركم تكتب آثاركم».

تفسير هذه الآية من كتب أخرى