التفسير الوسيط — محمد سيد طنطاوي

عن الكتاب
ثم ساق - سبحانه - بعد ذلك ألوانا من الأدلة الدالة على وحدانيته وقدرته، وهذه الأدلة منها ما هو أرضى، ومنها ما هو سماوى، ومنه ما هو بحري، وكلها تدل - أيضا - على فضله ورحمته، قال - تعالى - :
﴿وَآيَةٌ لَّهُمُ الأرض الميتة...﴾.
قال الإِمام الرازى ما ملخصه قوله :﴿وَآيَةٌ لَّهُمُ الأرض الميتة أَحْيَيْنَاهَا﴾ وجه تعلقه بما قبله، أنه - سبحانه - لما قال :﴿وَإِن كُلٌّ لَّمَّا جَمِيعٌ لَّدَيْنَا مُحْضَرُونَ﴾ كان ذلك إشارة إلى الحشر، فذكر ما يدل على إمكانه قطعا لإِنكارهم واستبعادهم، وعنادهم فقال :﴿وَآيَةٌ لَّهُمُ الأرض الميتة أَحْيَيْنَاهَا...﴾ أى : وكذلك نحيى الموتى...
والمراد بالآية هنا : العلامة والبرهان والدليل.
والمراد بالأرض الميتة : الأرض الجدباء التى لا نبات فيها.
والمراد بالحب : جنسه من حنطة وشعير وغيرهما.
أى : ومن العلامات الواضحة لهؤلاء المشركين على قدرتنا على إحياء الموتى، أننا ننزل الماء على الأرض الجدباء، فتهتز وتربو، وتخرج ألوانا وأصنافا من الحبوب التى يعيشون عليها. ويأكلون منها.
وذكر - سبحانه - لفظ ﴿آية﴾ للإِشعار بأنها آية عظيمة، كان ينبغى لهؤلاء المشركين أن يلتفتوا إليها، لأنهم يشاهدون بأعينهم الأرض القاحلة السوداء، كيف تتحول إلى أرض خضراء بعد نزول المطر عليها.
والله - تعالى - الذى قدر على ذلك، قادر - أيضا - على إحياء الموتى وإعادتهم إلى الحياة.
وقوله :﴿أَحْيَيْنَاهَا﴾ كلام مستأنف مبين لكيفية كون الأرض الميتة آية.
وقدم - سبحانه - الجار والمجرور فى قوله :﴿فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ﴾ للدلالة على أن الحَبَّ هو الشئ الذى تكون منه معظم المأكولات التى يعيشون عليها، وأن قِلَّتَه تؤدى إلى القحط والجوع.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى