الدر المصون في علوم الكتاب المكنون — السمين الحلبي

عن الكتاب
قوله :﴿وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ﴾ : قرأ نافع وابن كثير وأبو عمرٍو برفعِه، والباقون بنصبِه. فالرفعُ على الابتداء، والنصبُ بإضمارِ فعلٍ على الاشتغالِ، والوجهان مُسْتويانِ لتقدُّمِ جملةٍ ذاتِ وجهين، وهي قوله :" والشمسُ تجري " فإنْ راعَيْتَ صدرَها رَفَعْتَ لتعطِفَ جملةً اسميةً على مثلِها، وإنْ راعَيْتَ عَجْزَها نَصَبْتَ لتعطِفَ فعليةً على مثلِها. وبهذه الآيةِ يَبْطُلُ قولُ الأخفشِ : إنه لا يجوزُ النصبُ في الاسم إلاَّ إذا كان في جملةِ الاشتغالِ ضميرٌ يعود على الاسمِ الذي تضمَّنَتْه جملةٌ ذاتُ وجهين. قال : لأنَّ المعطوفَ على الخبرِ خبرٌ فلا بُدَّ مِنْ ضميرٍ يعودُ على المبتدأ فيجوزُ :" زيدٌ قام وعمراً أكرمتُه في داره "، ولو لم يَقُلْ " في داره " لم يَجُز. ووجهُ الردِّ مِنْ هذه الآية أنَّ أربعةً من السبعةِ نصبوا، وليس في جملة الاشتغال ضميرٌ يعودُ على الشمس. وقد أُجْمع على النصب في قولِه تعالى :﴿وَالسَّمَآءَ رَفَعَهَا﴾ [الرحمن: ٧] بعد قوله :﴿وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ﴾ [الرحمن: ٥].
قوله :" منازلَ " فيه أوجهٌ، أحدها : أنه مفعولٌ ثانٍ ؛ لأنَّ " قَدَّرنا " بمعنى صَيَّرْنا. الثاني : أنه حالٌ، ولا بُدَّ مِنْ حَذْفِ مضافٍ قبل " منازل " تقديرُه : ذا منازلَ. الثالث : أنه ظرفٌ أي : قَدَّرْنا مسيرَه في منازلَ، وتقدَّم نحوُه أولَ يونس.
قوله :" كالعُرْجُون " العامّةُ على ضَمِّ العينِ والجيم. وفي وزنِه وجهان، أحدهما : أنه فُعْلُول فنونُه أصليةٌ، وهذا هو المرجَّحُ. والثاني : وهو قولُ الزجَّاج أنَّ نونَه مزيدةٌ، ووزنُه فُعْلُوْن، مشتقاً من الانعراجِ وهو الانعطافُ، وقرأ سليمان التيمي بكسر العين وفتح الجيم، وهما لغتان كالبُزيُوْن والبِزْيون. والعُرْجُوْن : عُوْد العِذْقِ ما بين الشَّماريخ إلى مَنْبِته من النخلةِ. وهو تشبيهٌ بديعٌ، شبَّه به القمرَ في ثلاثة أشياء : دقتِه واستقواسِه واصفرارِه.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى