نظم الدرر في تناسب الآيات والسور — برهان الدين البقاعي

عن الكتاب
ولما تشوفت النفس إلى سماع ما يقولون إذا عاينوا ما كانوا ينكرون، استأنف قوله :﴿قالوا﴾ أي الذين هم من أهل الويل من عموم الذين قاموا بالنفخة وهم جميع من كان قد مات قبل ذلك. ولما كانوا عالمين بأن جزاء ما أسلفوا كل خزي، اتبعوه قولهم حاكياً سبحانه عبارتهم إذ ذاك لأنه أنكى لهم :﴿يا ويلنا﴾ أي ليس بحضرتنا اليوم شيء ينادمنا إلا الويل، ثم استفهموا جرباً على عادتهم في الغباوة فقالوا مظهرين لضميرهم تخصيصاً للويل بهم لأنهم في معرض الشك :﴿من بعثنا من مرقدنا﴾ عدوا مكانهم الذين كانوا به - مع ما كانوا فيه من عذاب البرزخ - مرقداً هنيئاً بالنسبة إلى ما انكشف لهم أنهم لا قوة من العذاب الأكبر، ووحدوه إشارة إلى أنهم على تكاثرهم وتباعدهم كانوا في القيام كنفس واحدة، ثم تذكروا ما كانوا يحذرونه من أن الله هو يبعثهم للجزاء الذي هو رحمة الملك لأهل مملكته، فقالوا مجيبين لأنفسهم استئنافاً :﴿هذا ما﴾ أي الوعد الذي ﴿وعد﴾ أي به، وحذفوا المفعول تعميماً لأنهم الآن في حيز التصديق ﴿الرحمن﴾ أي العام الرحمة الذي رحمانيته مقتضية ولا بد للبعث لينصف المظلوم من ظالمه، ويجازي كلاًّ بعمله من غير حيف، وقد رحمنا بإرسال الرسل إلينا بذلك، وطال ما أنذرونا حلوله، وحذرونا صعوبته وطوله. ولما كان التقدير : فصدق الرحمن، عطف عليه قوله :﴿وصدق﴾ أي في أمره ﴿المرسلون﴾ أي الذين أتونا بوعده ووعيده، فالله الذي تقدم وعده به وأرسل به رسله هو الذي بعثنا تصديقاً لوعده ورسله.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى