جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري

عن الكتاب
وقوله : سَلامٌ قَوْلاً مِنْ رَبّ رَحِيمٍ في رفع سلامٌ وجهان في قول بعض نحوييّ الكوفة أحدهما : أن يكون خبرا لما يدّعون، فيكون معنى الكلام : ولهم ما يدّعون مسلّم لهم خالص. وإذا وُجّه معنى الكلام إلى ذلك كان القول حينئذٍ منصوبا توكيدا خارجا من السلام، كأنه قيل : ولهم فيها ما يدّعون مسلّم خالص حقا، كأنه قيل : قاله قولاً. والوجه الثاني : أن يكون قوله : سَلامٌ مرفوعا على المدح، بمعنى : هو سلام لهم قولاً من الله. وقد ذُكر أنها في قراءة عبد الله :«سَلاما قَوْلاً » على أن الخبر متناه عند قوله : وَلَهُمْ ما يَدّعُونَ، ثم نصب سلاما على التوكيد، بمعنى : مسلما قولاً. وكان بعضُ نحوييّ البصرة يقول : انتصب قولاً على البدل من اللفظ بالفعل، كأنه قال : أقول ذلك قولاً. قال : ومن نصبها نصبها على خبر المعرفة على قوله : وَلهُمْ فِيها ما يَدّعُونَ.
والذي هو أولى بالصواب على ما جاء به الخبر عن محمد بن كعب القُرَظيّ، أن يكون سَلامٌ خبرا لقوله : وَلَهُمْ ما يَدّعُونَ فيكون معنى ذلك : ولهم فيها ما يدّعون، وذلك هو سلام من الله عليهم، بمعنى : تسليم من الله، ويكون سلام ترجمة ما يدّعون، ويكون القول خارجا من قوله : سلام. وإنما قلت ذلك أولى بالصواب لما :
حَدّثنا به إبراهيم بن سعيد الجوهريّ، قال : حدثنا أبو عبد الرحمن المقري عن حرملة، عن سليمان بن حميد، قال : سمعت محمد بن كعب، يحدّث عمر بن عبد العزيز، قال : إذا فرغ الله من أهل الجنة وأهل النار، أقبل يمشي في ظُلَل من الغمام والملائكة، فيقف على أوّل أهل درجة، فيسلم عليهم، فيردّون عليه السلام، وهو في القرآن : سَلامٌ قَوْلاً مِنْ رَبّ رَحِيمٍ فيقول : سَلُوا، فيقولون : ما نسألك وعزّتك وجلالك، لو أنك قسمت بيننا أرزاق الثّقَلين لأطعمناهم وسقيناهم وكسوناهم، فيقول : سَلُوا، فيقولون : نسألك رضاك، فيقول : رضائي أحلّكم دار كرامتي، فيفعل ذلك بأهل كلّ درجة حتى ينتهي، قال : ولو أن امرأة من الحُور العِين طلعت لأطفأ ضوء سِوارَيْها الشمس والقمر، فكيف بالمُسَوّرة.
حدثني يونس، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : حدثنا حرملة، عن سليمان بن حميد، قال : سمعت محمد بن كعب القرظيّ يحدّث عمر بن عبد العزيز، قال : إذا فرغ الله من أهل الجنة والنار، أقبل في ظُلَل من الغمام والملائكة، قال : فيسلم على أهل الجنة، فيردُون عليه السلام، قال القُرظيّ : وهذا في كتاب الله : سَلامٌ قَوْلاً مِنْ رَبّ رَحِيمٍ ؟ فيقول : سَلُوني، فيقولون : ماذا نسألك، أي رَبّ ؟ قال : بل سلوني قالوا : نسألك أي ربّ رضاك، قال : رضائي أحلكم دار كرامتي، قالوا : يا ربّ وما الذي نسألك فوعزّتك وجلالك، وارتفاع مكانك، لو قسمت علينا رزق الثقلين لأطعمناهم، ولأسقيناهم، ولألبسناهم ولأخدمناهم، لا يُنقصنا ذلك شيئا، قال : إن لديّ مزيدا، قال : فيفعل الله ذلك بهم في درجهم حتى يستوي في مجلسه، قال : ثم تأتيهم التحف من الله تحملها إليهم الملائكة. ثم ذكر نحوه.
حدثنا ابن سنان القزاز، قال : حدثنا أبو عبد الرحمن، قال : حدثنا حرملة، قال : حدثنا سليمان بن حميد، أنه سمع محمد بن كعب القرظي يحدّث عمر بن عبد العزيز، قال : إذا فرغ الله من أهل الجنة وأهل النار، أقبل يمشي في ظُلل من الغمام ويقف، قال : ثم ذكر نحوه، إلا أنه قال : فيقولون : فماذا نسألك يا ربّ، فوعزّتك وجلالك وارتفاع مكانك، لو أنك قسمت علينا أرزاق الثقلين، الجنّ والإنس، لأطعمناهم، ولسقيناهم، ولأخدمناهم، من غير أن ينتقص ذلك شيئا مما عندنا، قال : بلى فسلوني، قالوا : نسألك رضاك، قال : رضائي أحلّكم دار كرامتي، فيفعل هذا بأهل كلّ درجة، حتى ينتهي إلى مجلسه. وسائر الحديث مثله.
فهذا القول الذي قاله محمد بن كعب، ينبئ عن أن «سلام » بيان عن قوله : ما يَدّعُونَ، وأن القول خارج من السلام. وقوله : مِنْ رَبّ رَحِيمٍ يعني : رحيم بهم إذ لم يعاقبهم بما سلف لهم من جُرْم في الدنيا.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى