جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري

عن الكتاب
القول في تأويل قوله تعالى : ﴿أَوَلَمْ يَرَ الإِنسَانُ أَنّا خَلَقْنَاهُ مِن نّطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مّبِينٌ * وَضَرَبَ لَنَا مَثَلاً وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَن يُحيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ * قُلْ يُحْيِيهَا الّذِيَ أَنشَأَهَآ أَوّلَ مَرّةٍ وَهُوَ بِكُلّ خَلْقٍ عَلِيمٌ﴾.
يقول تعالى ذكره : أوَ لَمْ يَرَ الإنْسانُ أنّا خَلَقْناهُ. واختُلف في الإنسان الذي عُني بقوله : أوَ لَمْ يَرَ الإنْسانُ فقال بعضهم : عُني به أُبّي بن خلف. ذكر من قال ذلك :
حدثني محمد بن عُمارة، قال : حدثنا عبيد الله بن موسى، قال : حدثنا إسرائيل، عن أبي يحيى عن مجاهد، في قوله : مَنْ يُحْيِي العِظامَ وَهِيَ رَمِيمٌ قال : أُبيّ بن خَلَف أتى رسول الله ﷺ بعَظْم.
حدثني محمد بن عمرو، قال : حدثنا أبو عاصم، قال : حدثنا عيسى وحدثني الحارث، قال : حدثنا الحسن، قال : حدثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله : وَضَرَبَ لنَا مَثَلاً أُبيّ بن خلف.
حدثنا بشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله : قالَ مَنْ يُحْيِي العِظامَ وَهِيَ رَمِيمٌ : ذُكر لنا أن أُبيّ بن خلف، أتى رسول الله ﷺ بعظْم حائل، ففتّه، ثم ذرّاه في الريح، ثم قال : يا محمد من يحيي هذا وهو رميم ؟ قال :«الله يحييه، ثم يميته، ثم يُدخلك النار » قال : فقتله رسول الله ﷺ يوم أُحد.
وقال آخرون : بل عُني به : العاص بن وائل السّهميّ. ذكر من قال ذلك :
حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال : حدثنا هشيم، قال : أخبرنا أبو بشر، عن سعيد بن جبير، قال : جاء العاص بن وائل السهميّ إلى رسول الله ﷺ بعظّم حائل، ففتّه بين يديه، فقال : يا محمد أيبعث الله هذا حيا بعد ما أرمّ ؟ قال :«نَعَمْ يَبْعَثُ اللّهُ هَذَا، ثُمّ يُمِتُكَ ثُمّ يُحْيِيكَ، ثُم يُدْخِلُكَ نارَ جَهَنّم » قال : ونزلت الآيات : أوَ لَمْ يَرَ الإنْسانُ أنّا خَلَقْناهُ مِنْ نُطْفَةٍ فإذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ. . . » إلى آخر الآية.
وقال آخرون : بل عُنِي به : عبد الله بن أُبيّ. ذكر من قال ذلك :
حدثني محمد بن سعد، قال : ثني أبي، قال : ثني عمي، قال : ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس أوَ لَمْ يَرَ الإنْسانُ أنّا خَلَقْناهُ مِنْ نُطْفَةٍ. . . إلى قوله : وَهِيَ رَمِيمٌ قال : جاء عبد الله بن أُبيّ إلى النبيّ ﷺ بعظْم حائل فكسره بيده، ثم قال : يا محمد كيف يبعث الله هذا وهو رميم ؟ فقال رسول الله ﷺ :«يَبْعَثُ اللّهُ هَذَا، ويُمِيتُكَ ثُمّ يُدْخِلُكَ جَهَنّمَ »، فقال الله : قُلْ يُحْيِيها الّذِي أنشأها أوّلَ مَرّةٍ وَهُو بِكُلّ خَلْقٍ عَلِيمٌ.
فتأويل الكلام إذن : أو لم ير هذا الإنسان الذي يقول : مَنْ يُحْيِي العِظامَ وَهِيَ رَمِيمٌ أنا خلقناه من نطفة فسوّيناه خلقا سَوِيّا فإذَا هوَ خَصِيمٌ يقول : فإذا هو ذو خصومة لربه، يخاصمه فيما قال له ربه إني فاعل، وذلك إخبار لله إياه أنه مُحْيي خلقه بعد مماتهم، فيقول : مَنْ يحيي هذه العظام وهي رميم ؟ إنكارا منه لقُدرة الله على إحيائها.
وقوله : مُبِينٌ يقول : يبين لمن سمع خُصومته وقيله ذلك أنه مخاصم ربه الذي خلقه.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى