البحر المحيط في التفسير — أبو حيان الأندلسي

عن الكتاب
قال ابن عطية : وقوله ﴿فأغشيناهم فهم لا يبصرون﴾ يضعف هذا، لأن بصر الكافر يوم القيامة إنما هو حديد يرى قبح حاله.
انتهى، ولا يضعف هذا.
ألا ترى إلى قوله :﴿ونحشرهم يوم القيامة على وجوههم عمياً﴾ وقوله :﴿قال رب لما حشرتني أعمى﴾ وإما أن يكون قوله :﴿فبصرك اليوم حديد﴾ كناية عن إدراكه ما يؤول إليه، حتى كأنه يبصره.
وقال الجمهور : ذلك استعارة.
قال ابن عباس، وابن إسحاق : استعارة لحالة الكفرة الذين أرادوا الرسول بسوء، جعل الله هذا لهم مثلاً في كفه إياهم عنه، ومنعهم من أذاه حين بيتوه.
وقال الضحاك، والفراء : استعارة لمنعهم من النفقة في سبيل الله، كما قال :﴿ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك﴾ وقال عكرمة : نزلت حين أراد أبو جهل ضربه بالحجر العظيم، وفي غير ذلك من المواطن، فمنعه الله ؛ وهذا قريب من قول ابن عباس، فروى أن أبا جهل حمل حجراً ليدفع به النبي ﷺ، وهو يصلي، فانثنت يداه إلى عنقه حتى عاد إلى أصحابه والحجر في يده قد لزق، فما فكوه إلا بجهد، فأخذ آخر، فلما دنا من الرسول، طمس الله بصره فلم يره، فعاد إلى أصحابه فلم يبصرهم حتى نادوه، فجعل الغل يكون استعارة عن منع أبي جهل وغيره في هذه القصة.
ولما كان أصحاب أبي جهل راضين بما أراد أن يفعل، فنسب ذلك إلى جمع.
وقالت فرقة : استعارة لمنع الله إياهم من الإيمان وحوله بينهم وبينه.
قال ابن عطية : وهذا أرجح الأقوال، لأنه تعلى لما ذكر أنهم لا يؤمنون، لما سبق لهم في الأزل عقب ذلك بأن جعل لهم من المنع وإحاطة الشقاوة ما حالهم معه حال المغلوين. انتهى.
وقال الزمخشري : مثل تصمميهم على الكفر، وأنه لا سبيل إلى دعواهم بأن جعلهم كالمغلولين المقمحين في أنهم لا يلتفتون إلى الحق ولا يعطفون أعناقهم نحوه، ولا يطأطئون رؤوسهم له، وكالحاصلين بين سدين لا يبصرون ما قدامهم ولا ما خلفهم في أن لا تأمل لهم ولا يبصرون، إنهم متعامون عن النظر في آيات الله تعالى.
انتهى، وفيه دسيسة الاعتزال.
ألا ترى إلى قول أهل السنة استعارة لمنع الله إياهم من الإيمان ؟ وقول الزمخشري مثل تصمميهم ونسبته الأفعال التي يعدها إليهم لا إلى الله.
وقرأ عبد الله، وعكرمة، والنخعي، وابن وثاب، وطلحة، وحمزة، والكسائي، وابن كثير، وحفص :﴿سداً﴾ بفتح السين فيهما ؛ والجمهور : بالضم، وتقدم شرح السد في الكهف.
وقرأ الجمهور :﴿فأغشيناهم﴾ بالغين منقوطة ؛ وابن عباس، وعمر بن عبد العزيز، وابن يعمر، وعكرمة، والنخعي، وابن سيرين، والحسن، وأبو رجاء، وزيد ابن علي، ويزيد البربري، ويزيد بن المهلب، وأبو حنيفة، وابن مقسم : بالعين من العشاء، وهو ضعف البصر، جعلنا عليها غشاوة.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى