محتويات صفحة تفسير الآية

تجد في هذه الصفحة تفسير الآية ٩ من سورة يس في ١٠٢ كتاب من كتب التفسير، ومعاني غريب كلماتها، وإعرابها، وقراءات القراء العشرة فيها، و٣٣ قولًا من التفسير بالمأثور، وما يتصل بها من الموضوعات والوقفات والترجمات.

تفسير الآية ٩ من سورة يس

١٠٢ كتاب من كتب التفسير

جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري

عن الكتاب
وقوله : وَجَعَلْنا مِنْ بينِ أيْدِيهِمْ سَدّا يقول تعالى ذكره : وجعلنا من بين أيدي هؤلاء المشركين سدّا، وهو الحاجز بين الشيئين إذا فتح كان من فعل بني آدم، وإذا كان من فعل الله كان بالضمّ. وبالضمّ قرأ ذلك قرّاء المدينة والبصرة وبعض الكوفيين. وقرأه بعض المكيين وعامة قرّاء الكوفيين بفتح السين سَدّا في الحرفين كلاهما والضم أعجب القراءتين إليّ في ذلك، وإن كانت الأخرى جائزة صحيحة.
وعنى بقوله : وَجَعَلْنا مِن بينِ أيْدِيهِمْ سَدّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدّا أنه زيّن لهم سوء أعمالهم، فهم يَعْمَهون، ولا يبصرون رشدا، ولا يتنبهون حقا. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك :
حدثني ابن حميد، قال : حدثنا حكام، عن عنبسة، عن محمد بن عبد الرحمن، عن القاسم بن أبي بَزّة، عن مجاهد، في قوله : مِنْ بينِ أيْدِيهِمْ سَدّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدّا قال : عن الحقّ.
حدثني محمد بن عمرو، قال : حدثنا أبو عاصم، قال : حدثنا عيسى وحدثني الحارث، قال : حدثنا الحسن، قال : حدثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد وَجَعَلْنا مِنْ بين أيْديهِمْ سَدّا وَمِنْ خَلْفهِمْ سَدّا عن الحقّ فهم يتردّدون.
حدثنا بشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة وَجَعَلْنا مِنْ بينِ أيْدِيهِمْ سدّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدّا قال : ضلالات.
حدثني يونس، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : قال ابن زيد، في قول الله : وَجَعَلْنا مِنْ بَينِ أيْدِيهِمْ سَدّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدّا فَأَغْشَيْناهُمْ فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ قال : جعل هذا سدّا بينهم وبين الإسلام والإيمان، فهم لا يخلصون إليه، وقرأ : وَسَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أأنْذَرْتَهُمْ أمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ، وقرأ : إنّ الّذِينَ حَقّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَةُ رَبّكَ لا يُؤْمِنُونَ. . . الآية كلها، وقال : من منعه الله لا يستطيع.
وقوله : فَأَغْشَيْناهُمْ فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ يقول : فأغشينا أبصار هؤلاء : أي جعلنا عليها غشاوة فهم لا يبصرون هدى ولا ينتفعون به، كما :
حدثنا بشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة فَأَغْشَيْناهُمْ فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ هُدًى، ولا ينتفعون به.
وذُكر أن هذه الاَية نزلت في أبي جهل بن هشام حين حلف أن يقتله أو يشدخ رأسه بصخرة. ذكر الرواية بذلك :
حدثني عمران بن موسى، قال : حدثنا عبد الوارث بن سعيد، قال : حدثنا عُمارة بن أبي حفصة، عن عكرمة قال : قال أبو جهل : لئن رأيت محمدا لأفعلنّ ولأفعلنّ، فأنزلت : إنّا جَعَلْنا فِي أعْناقِهِمْ أغْلالاً. . . إلى قوله فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ قال : فكانوا يقولون : هذا محمد، فيقول : أين هو، أين هو ؟ لا يبصره.
وقد رُوي عن ابن عباس أنه كان يقرأ ذلك :«فَأَعْشَيْناهُمْ فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ » بالعين بمعنى أعشيناهم عنه، وذلك أن العَشَا هو أن يمشي بالليل ولا يبصر.
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
ذكر من قال ذلك:
حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة (لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أُنْذِرَ آبَاؤُهُمْ) قال بعضهم: لتنذر قومًا ما أنذر آباؤهم من إنذار الناس قبلهم. وقال بعضهم: لتنذر قومًا ما أنذر آباؤهم أي: هذه الأمة لم يأتهم نذير، حتى جاءهم محمد صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم.
واختلف أهل العربية في معنى "ما" التي في قوله (مَا أُنْذِرَ آبَاؤُهُمْ) إذا وجِّهَ معنى الكلام إلى أن آباءهم قد كانوا أنذروا، ولم يُرد بها الجحد؛ فقال بعض نحويي البصرة: معنى ذلك: إذا أريد به غير الجحد لتنذرهم الذي أُنذِر آباؤهم (فَهُمْ غَافِلُونَ) وقال: فدخول الفاء في هذا المعنى لا يجوز، والله أعلم. قال: وهو على الجحد أحسن، فيكون معنى الكلام: إنك لمن المرسلين إلى قوم لم ينذر آباؤهم، لأنهم كانوا في الفترة.
وقال بعض نحويي الكوفة: إذإ لم يُرد بما الجحد، فإن معنى الكلام: لتنذرهم بما أنذر آباؤهم، فتلقى الباء، فتكون "ما" في موضع نصب (فَهُمْ غَافِلُونَ) يقول: فهم غافلون عما الله فاعل: بأعدائه المشركين به، من إحلال نقمته، وسطوته بهم.
وقوله (لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلَى أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ) يقول تعالى ذكره: لقد وجب العقاب على أكثرهم، لأن الله قد حتم عليهم في أم الكتاب أنهم لا يؤمنون بالله، ولا يصدقون رسوله.
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلالا فَهِيَ إِلَى الأذْقَانِ فَهُمْ مُقْمَحُونَ (٨) وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ (٩)﴾
يقول تعالى ذكره: إنا جعلنا أيمان هؤلاء الكفار مغلولة إلى أعناقهم بالأغلال، فلا تُبسط بشيء من الخيرات. وهي في قراءة عبد الله فيما ذُكر (إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَيْمَانِهِمْ أَغْلالا فَهِيَ إِلَى الأذْقَانِ) وقوله (إِلَى الأذْقَانِ) يعني: فأيمانهم مجموعة بالأغلال في أعناقهم، فكُني عن الأيمان، ولم يجر لها ذكر لمعرفة السامعين بمعنى الكلام، وأن الأغلال إذا كانت في الأعناق لم تكن إلا وأيدي المغلولين مجموعة بها إليها، فاستغنى بذكر كون الأغلال في الأعناق من ذكر الأيمان، كما قال الشاعر:
وَما أدْرِي إذا يَمَّمْتُ وَجْهًاأُرِيدُ الخَيْرَ أيُّهُما يَلِينِي
أألخَيرُ الذي أنَا أبْتَغِيهِأم الشَّرُّ الَّذي لا يَأتَلِيني (١)
فكنى عن الشر، وإنما ذكر الخير وحده لعلم سامع ذلك بمعني قائله، إذ كان الشر مع الخير يذكر. والأذقان: جمع ذَقَن، والذَّقَنُ: مجمع اللَّحيين.
وقوله (فَهُمْ مُقْمَحُونَ) والمقمَح هو المقنع، وهو أن يحدر الذقن حتى يصير في الصدر، ثم يرفع رأسه في قول بعض أهل العلم بكلام العرب من أهل البصرة، وفي قول بعض الكوفيين: هو الغاض بصره بعد رفع رأسه.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل
(١) البيتان من الوافر، وهما لسحيم بن وثيل الرياحي. وقد سبق الاستشهاد بهما في (١٤: ١٥٧) عند قوله تعالى: (سرابيل تقيكم الحرب) في سورة النحل. واستشهد بهما هنا على أن قوله: "أريد الخير أيهما يليني" أي: أي الخير والشر يلني، فاكتفى بذكر الخير وكنى عن الشر، إذ كان معلوما من السياق كما في قوله تعالى: (إنا جعلنا في أعناقهم أغلالا) إذ لم يصر بذكر الأيمان لأن الأيمان إنما تكون في الأغلال مع الأعناق. فاكتفى بالأغلال عن ذكر الأيمان. قال الفراء في معاني القرآن (الورقة ٢٦٧) وقوله: (إنا جعلنا في أعناقهم أغلالا فهي إلى الأذقان) فكنى عن هي، وهي للأيمان، ولم تذكر. وذلك أن الغل لا يكون إلا في اليمين والعنق جامعا لليمين والعنق، فيكفي ذكر أحدهما من صاحبه، ومثله قول الشاعر: "وما أدري...." البيتين. فكنى عن الشر، وإنما ذكر الخير وحده. وذلك أن الشر يذكر مع الخير. وهي في قراءة عبد الله: (إنا جعلنا في أيمانهم أغلالا فهي إلى الأذقان) فكفت من ذكر (الأعناق) في حرف عبد الله، وكفت (الأعناق) من "الأيمان" في قراءة العامة. والذقن: أسفل اللحيين.
* ذكر من قال ذلك:
حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله (إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلالا فَهِيَ إِلَى الأذْقَانِ فَهُمْ مُقْمَحُونَ) قال: هو كقول الله (وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ) يعني بذلك أن أيديهم موثقة إلى أعناقهم، لا يستطيعون أن يبسطوها بخير.
حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قوله (فَهُمْ مُقْمَحُونَ) قال: رافعو رءوسهم، وأيديهم موضوعة على أفواههم.
حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله (إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلالا فَهِيَ إِلَى الأذْقَانِ فَهُمْ مُقْمَحُونَ) : أي فهم مغلولون عن كل خير.
وقوله (وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا) يقول تعالى ذكره: وجعلنا من بين أيدي هؤلاء المشركين سدًّا، وهو الحاجز بين الشيئين؛ إذا فتح كان من فعل بني آدم، وإذا كان من فعل الله كان بالضم. وبالضم قرأ ذلك قراء المدينة والبصرة وبعض الكوفيين. وقرأه بعض المكيين وعامة قراء الكوفيين بفتح السين (سَدًّا) في الحرفين كلاهما؛ والضم أعجب القراءتين إليّ في ذلك، وإن كانت الأخرى جائزة صحيحة.
وعنى بقوله (وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا) أنه زين لهم سوء أعمالهم فهم يَعْمَهُونَ، ولا يبصرون رشدًا، ولا يتنبهون حقًّا.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك:
حدثني ابن حميد، قال: ثنا حكام، عن عنبسة، عن محمد بن عبد الرحمن،
عن القاسم بن أبي بزة، عن مجاهد، في قوله (مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا) قال: عن الحق.
حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد (وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا) عن الحق فهم يترددون.
حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة (وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا) قال: ضلالات.
حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قول الله (وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ) قال: جعل هذا سدًّا بينهم وبين الإسلام والإيمان، فهم لا يخلصون إليه، وقرأ (وَسَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ) وقرأ (إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ)... الآية كلها، وقال: من منعه الله لا يستطيع.
وقوله (فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ) يقول: فأغشينا أبصار هؤلاء أي: جعلنا عليها غشاوة؛ فهم لا يبصرون هدى ولا ينتفعون به.
كما حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة (فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ) هدى، ولا ينتفعون به.
وذُكر أن هذه الآية نزلت في أبي جهل بن هشام حين حلف أن يقتله أو يشدخ رأسه بصخرة.
* ذكر الرواية بذلك:
حدثني عمران بن موسى، قال: ثنا عبد الوارث بن سعيد، قال: ثنا عُمارة بن أبي حفصة، عن عكرمة قال: قال أبو جهل: لئن رأيت محمدًا لأفعلن ولأفعلن، فأنزلت (إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلالا).. إلى قوله (فَهُمْ لا

تفسير القرآن العظيم — ابن كثير

عن الكتاب
وقوله :﴿وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا﴾ : قال مجاهد : عن الحق، ﴿وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا﴾ قال مجاهد : عن الحق، فهم يترددون. وقال قتادة : في الضلالات.
وقوله :﴿فَأَغْشَيْنَاهُمْ﴾ أي : أغشينا أبصارهم عن الحق، ﴿فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ﴾ أي : لا ينتفعون بخير ولا يهتدون إليه.
قال ابن جرير : وروي عن ابن عباس أنه كان يقرأ :" فأعشيناهم " بالعين المهملة، من العشا وهو داء في العين.
وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم : جعل الله هذا السد بينهم وبين الإسلام والإيمان، فهم لا يخلصون إليه، وقرأ :﴿إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الألِيمَ﴾ [يونس: ٩٦، ٩٧] ثم قال : من منعه الله لا يستطيع.
وقال عكرمة : قال أبو جهل : لئن رأيتُ محمدًا لأفعلن ولأفعلن، فأنزلت :﴿إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلالا﴾ إلى قوله :﴿[ فَهُمْ ] لا يُبْصِرُونَ﴾(١)، قال : وكانوا يقولون : هذا محمد. فيقول : أين هو أين هو ؟ لا يبصره. رواه ابن جرير.
وقال محمد بن إسحاق : حدثني يزيد بن زياد، عن محمد بن كعب قال : قال أبو جهل وهم جلوس : إن محمدًا يزعم أنكم إن تابعتموه(٢) كنتم ملوكا، فإذا متم(٣) بعثتم بعد موتكم، وكانت لكم جِنَانٌ خير من جنان الأرْدُن وأنكم إن خالفتموه كان لكم منه ذبح، ثم بعثتم بعد موتكم وكانت لكم نار تُعَذَّبون بها. وخرج [ عليهم ](٤) رسول الله ﷺ عند ذلك، وفي يده حفنة من تراب، وقد أخذ الله على أعينهم دونه، فجعل يَذُرّها على رؤوسهم، ويقرأ :﴿يس وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ﴾ حتى انتهى إلى قوله :﴿وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ﴾، وانطلق رسول الله ﷺ لحاجته، وباتوا رُصَدَاء على بابه، حتى خرج عليهم بعد ذلك خارج من الدار، فقال : ما لكم ؟ قالوا : ننتظر محمدًا. قال قد خرج عليكم، فما بقي منكم من رجل إلا [ قد ](٥) وضع على رأسه ترابا، ثم ذهب لحاجته. فجعل كل رجل منهم ينفض ما على رأسه من التراب. قال : وقد بلغ النبيّ ﷺ قول أبي(٦) جهل فقال :" وأنا أقول ذلك : إن لهم مني لذبحا، وإنه أحدهم ".
١ - زيادة من ت، أ..
٢ - في ت :" بايعتموه"..
٣ - في ت :"أنتم"..
٤ - زيادة من أ..
٥ - زيادة من أ..
٦ - في ت :"قول أبا" وهو خطأ..

تيسير الكريم الرحمن — السعدي

عن الكتاب
﴿وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا﴾ أي : حاجزا يحجزهم عن الإيمان، ﴿فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ﴾ قد غمرهم الجهل والشقاء من جميع جوانبهم، فلم تفد فيهم النذارة.
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
{١ - ١٢} ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ يس * وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ * إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ * عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ * تَنْزِيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ * لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أُنْذِرَ آبَاؤُهُمْ فَهُمْ غَافِلُونَ * لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلَى أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ * إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلالا فَهِيَ إِلَى الأذْقَانِ فَهُمْ مُقْمَحُونَ * وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ * وَسَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ * إِنَّمَا تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وَأَجْرٍ كَرِيمٍ * إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ وَكُلَّ شَيْءٍ أحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ﴾.
هذا قسم من الله تعالى بالقرآن الحكيم، الذي وصفه الحكمة، وهي وضع كل شيء موضعه، وضع الأمر والنهي في الموضع (١) اللائق بهما، ووضع الجزاء بالخير والشر في محلهما اللائق بهما، فأحكامه الشرعية والجزائية كلها مشتملة على غاية الحكمة.
ومن حكمة هذا القرآن، أنه يجمع بين ذكر الحكم وحكمته، فينبه العقول على المناسبات والأوصاف المقتضية لترتيب الحكم عليها.
﴿إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ هذا المقسم عليه، وهو رسالة محمد صلى الله عليه وسلم، وإنك من جملة المرسلين، فلست ببدع من الرسل، وأيضا فجئت بما جاء به الرسل من الأصول الدينية، وأيضا فمن تأمل أحوال (٢) المرسلين وأوصافهم، وعرف الفرق بينهم وبين غيرهم، عرف أنك من خيار المرسلين، بما فيك من الصفات الكاملة، والأخلاق الفاضلة.
ولا يخفى ما بين المقسم به، وهو القرآن الحكيم، وبين المقسم عليه، [وهو] رسالة الرسول محمد صلى الله عليه وسلم، من الاتصال، وأنه لو لم يكن لرسالته دليل ولا شاهد إلا هذا القرآن الحكيم، لكفى به دليلا وشاهدا على رسالة محمد صلى الله عليه وسلم، بل القرآن العظيم أقوى الأدلة المتصلة المستمرة على رسالة الرسول، فأدلة القرآن كلها أدلة لرسالة محمد صلى الله عليه وسلم.
ثم أخبر بأعظم أوصاف الرسول صلى الله عليه وسلم، الدالة على رسالته، وهو أنه ﴿عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ معتدل، موصل إلى الله وإلى دار كرامته، وذلك الصراط المستقيم، مشتمل على أعمال، وهي الأعمال الصالحة، المصلحة للقلب والبدن، والدنيا والآخرة، والأخلاق الفاضلة، المزكية للنفس، المطهرة للقلب، المنمية للأجر، فهذا الصراط المستقيم، الذي هو وصف الرسول صلى الله عليه وسلم، ووصف دينه الذي جاء به، فتأمل جلالة هذا القرآن الكريم، كيف جمع بين القسم بأشرف الأقسام، على أجل مقسم عليه، وخبر الله وحده كاف، ولكنه تعالى أقام من الأدلة الواضحة والبراهين الساطعة في هذا الموضع على صحة ما أقسم عليه، من رسالة رسوله ما نبهنا عليه، وأشرنا إشارة لطيفة لسلوك طريقه، وهذا الصراط المستقيم ﴿تَنزيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ﴾ فهو الذي أنزل به كتابه، وأنزله طريقا لعباده، موصلا لهم إليه، فحماه بعزته عن التغيير والتبديل، ورحم به عباده رحمة اتصلت بهم، حتى أوصلتهم إلى دار رحمته، ولهذا ختم الآية بهذين الاسمين الكريمين: العزيز. الرحيم.
فلما أقسم تعالى على رسالته وأقام الأدلة عليها، ذكر شدة الحاجة إليها واقتضاء الضرورة لها فقال: ﴿لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أُنْذِرَ آبَاؤُهُمْ فَهُمْ غَافِلُونَ﴾ وهم العرب الأميون، الذين لم يزالوا خالين -[٦٩٣]- من الكتب، عادمين الرسل، قد عمتهم الجهالة، وغمرتهم الضلالة، وأضحكوا عليهم وعلى سفههم عقول العالمين، فأرسل الله إليهم رسولا من أنفسهم، يزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة، وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين، فينذر العرب الأميين، ومن لحق بهم من كل أمي، ويذكر أهل الكتب بما عندهم من الكتب، فنعمة الله به على العرب خصوصا، وعلى غيرهم عموما. ولكن هؤلاء الذين بعثت فيهم لإنذارهم بعدما أنذرتهم، انقسموا قسمين: قسم رد لما جئت به، ولم يقبل النذارة، وهم الذين قال الله فيهم ﴿لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلَى أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ أي: نفذ فيهم القضاء والمشيئة، أنهم لا يزالون في كفرهم وشركهم، وإنما حق عليهم القول بعد أن عرض عليهم الحق فرفضوه، فحينئذ عوقبوا بالطبع على قلوبهم.
وذكر الموانع من وصول الإيمان لقلوبهم، فقال: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلالا﴾ وهي جمع "غل" و "الغل" ما يغل به العنق، فهو للعنق بمنزلة القيد للرجل، وهذه الأغلال التي في الأعناق (٣) عظيمة قد وصلت إلى أذقانهم ورفعت رءوسهم إلى فوق، ﴿فَهُمْ مُقْمَحُونَ﴾ أي: رافعو رءوسهم من شدة الغل الذي في أعناقهم، فلا يستطيعون أن يخفضوها.
﴿وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا﴾ أي: حاجزا يحجزهم عن الإيمان، ﴿فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ﴾ قد غمرهم الجهل والشقاء من جميع جوانبهم، فلم تفد فيهم النذارة. ﴿وَسَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ وكيف يؤمن من طبع على قلبه، ورأى الحق باطلا والباطل حقا؟!
والقسم الثاني: الذين قبلوا النذارة، وقد ذكرهم بقوله: ﴿إِنَّمَا تُنْذِرُ﴾ أي: إنما تنفع نذارتك، ويتعظ بنصحك ﴿مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ﴾ [أي:] من قصده اتباع الحق وما ذكر به، ﴿وَخَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ﴾ أي: من اتصف بهذين الأمرين، القصد الحسن في طلب الحق، وخشية الله تعالى، فهم الذين ينتفعون برسالتك، ويزكون بتعليمك، وهذا الذي وفق لهذين الأمرين ﴿فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ﴾ لذنوبه، ﴿وَأَجْرٍ كَرِيمٍ﴾ لأعماله الصالحة، ونيته الحسنة.
﴿إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي الْمَوْتَى﴾ أي: نبعثهم بعد موتهم لنجازيهم على الأعمال، ﴿وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا﴾ من الخير والشر، وهو أعمالهم التي عملوها وباشروها في حال حياتهم، ﴿وَآثَارَهُمْ﴾ وهي آثار الخير وآثار الشر، التي كانوا هم السبب في إيجادها في حال حياتهم وبعد وفاتهم، وتلك الأعمال التي نشأت من أقوالهم وأفعالهم وأحوالهم، فكل خير عمل به أحد من الناس، بسبب علم العبد وتعليمه ونصحه، أو أمره بالمعروف، أو نهيه عن المنكر، أو علم أودعه عند المتعلمين، أو في كتب ينتفع بها في حياته وبعد موته، أو عمل خيرا، من صلاة أو زكاة أو صدقة أو إحسان، فاقتدى به غيره، أو عمل مسجدا، أو محلا من المحال التي يرتفق بها الناس، وما أشبه ذلك، فإنها من آثاره التي تكتب له، وكذلك عمل الشر.
ولهذا: ﴿من سن سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة، ومن سن سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة﴾ وهذا الموضع، يبين لك علو مرتبة الدعوة إلى الله والهداية إلى سبيله بكل وسيلة وطريق موصل إلى ذلك، ونزول درجة الداعي إلى الشر الإمام فيه، وأنه أسفل الخليقة، وأشدهم جرما، وأعظمهم إثما.
﴿وَكُلَّ شَيْءٍ﴾ من الأعمال والنيات وغيرها ﴿أحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ﴾ أي: كتاب هو أم الكتب وإليه مرجع الكتب، التي تكون بأيدي الملائكة، وهو اللوح المحفوظ.
(١) في ب: في المحل.
(٢) كذا في ب، وفي أ: أصول.
(٣) كذا في ب، وفي أ: الأذقان.
جميع كتب التفسير لهذه الآية (١٠٢ كتاب)
جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري تفسير القرآن العظيم — ابن كثير تفسير القرآن العظيم — ابن كثير تيسير الكريم الرحمن — السعدي أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن — الشنقيطي - أضواء البيان أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير — أبو بكر الجزائري التفسير الميسر — مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف المختصر في تفسير القرآن الكريم — مركز تفسير للدراسات القرآنية تفسير مجاهد — مجاهد بن جبر تفسير مقاتل بن سليمان — مقاتل بن سليمان تفسير يحيى بن سلام — يحيى بن سلام معاني القرآن — الفراء مجاز القرآن — أبو عبيدة معمر بن المثنى تفسير القرآن — الصنعاني غريب القرآن — ابن قتيبة الدِّينَوري تفسير ابن أبي حاتم — ابن أبي حاتم الرازي تأويلات أهل السنة — أبو منصور المَاتُرِيدي بحر العلوم — أبو الليث السمرقندي تفسير القرآن العزيز — ابن أبي زَمَنِين الكشف والبيان عن تفسير القرآن — الثعلبي الهداية الى بلوغ النهاية — مكي بن أبي طالب النكت والعيون — الماوردي النكت والعيون — الماوردي تفسير القشيري — القشيري لطائف الإشارات — القشيري التفسير البسيط — الواحدي الوجيز في تفسير الكتاب العزيز — الواحدي تفسير السمعاني — أبو المظفر السمعاني معالم التنزيل — البغوي الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل — الزمخشري المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز — ابن عطية تذكرة الاريب في تفسير الغريب — ابن الجوزي زاد المسير في علم التفسير — ابن الجوزي مفاتيح الغيب — فخر الدين الرازي تفسير العز بن عبد السلام — عز الدين بن عبد السلام أنوار التنزيل وأسرار التأويل — البيضاوي مدارك التنزيل وحقائق التأويل — أبو البركات النسفي التسهيل لعلوم التنزيل — ابن جُزَيِّ لباب التأويل في معاني التنزيل — الخازن البحر المحيط في التفسير — أبو حيان الأندلسي النهر الماد من البحر المحيط — أبو حيان الأندلسي التفسير القيم — ابن القيم التفسير القيم من كلام ابن القيم — ابن القيم الدر المصون في علوم الكتاب المكنون — السمين الحلبي اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل — أبو بكر الحداد اليمني كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل — أبو بكر الحداد اليمني تفسير ابن عرفة — ابن عرفة التبيان في تفسير غريب القرآن — ابن الهائم تنوير المقباس من تفسير ابن عباس — الفيروزآبادي غرائب القرآن ورغائب الفرقان — نظام الدين القمي النيسابوري تفسير الجلالين — المَحَلِّي الجواهر الحسان في تفسير القرآن — الثعالبي نظم الدرر في تناسب الآيات والسور — برهان الدين البقاعي جامع البيان في تفسير القرآن — الإيجي محيي الدين الدر المنثور في التأويل بالمأثور — السُّيوطي الدر المنثور في التأويل بالمأثور — السُّيوطي الصراط المستقيم في تبيان القرآن الكريم — الكَازَرُوني فتح الرحمن في تفسير القرآن — مجير الدين العُلَيْمي السراج المنير في الإعانة على معرفة بعض معاني كلام ربنا الحكيم الخبير — الشربيني إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم — أبو السعود روح البيان — إسماعيل حقي التفسير المظهري — المظهري البحر المديد في تفسير القرآن المجيد — ابن عجيبة حاشية الصاوي على تفسير الجلالين — الصاوي فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير — الشوكاني فتح البيان في مقاصد القرآن — صديق حسن خان محاسن التأويل — جمال الدين القاسمي روح المعاني — الألوسي تفسير المراغي — أحمد بن مصطفى المراغي تفسير المراغي — المراغي المصحف المفسّر — فريد وجدي التفسير القرآني للقرآن — عبد الكريم يونس الخطيب تحرير المعنى السديد وتنوير العقل الجديد من تفسير الكتاب المجيد — ابن عاشور بيان المعاني — ملا حويش أوضح التفاسير — محمد عبد اللطيف الخطيب إعراب القرآن وبيانه — محيي الدين الدرويش التفسير الحديث — محمد عزة دروزة التفسير الحديث — دروزة تيسير التفسير — إبراهيم القطان تيسير التفسير — إبراهيم القطان صفوة البيان لمعاني القرآن — حسنين مخلوف الموسوعة القرآنية — إبراهيم الإبياري تفسير الشعراوي — الشعراوي تفسير القرآن الكريم — عبد الله محمود شحاتة التفسير الوسيط — محمد سيد طنطاوي التفسير المنير — وهبة الزحيلي حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن — محمد الأمين الهرري فتح الرحمن في تفسير القرآن — تعيلب التفسير الشامل — أمير عبد العزيز الصحيح المسبور من التفسير بالمأثور — بشير ياسين التفسير الميسر — التفسير الميسر المنتخب في تفسير القرآن الكريم — المنتخب أيسر التفاسير — أسعد حومد التفسير الميسر — مجموعة من المؤلفين التفسير الواضح — محمد محمود حجازي المنتخب في تفسير القرآن الكريم — مجموعة من المؤلفين صفوة التفاسير — محمد علي الصابوني كتاب نزهة القلوب — أبى بكر السجستاني كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل — أبو بكر الحدادي اليمني مختصر تفسير ابن كثير — محمد علي الصابوني معاني الكلمات من كتاب السراج في بيان غريب القرآن — محمد الخضيري

غريب الكلمات ومعانيها

معاني الكلمات الغريبة في الآية

السراج في بيان غريب القرآن
سَدًّا
حَاجِزًا، وَمَانِعًا.
فَأَغْشَيْنَاهُمْ
أَعْمَيْنَا أَبْصَارَهُمْ.

إعراب الآية ٩ من سورة يس

من كتاب: إعراب القرآن

الكلام حذف على قراءة الجماعة فالتقدير: إنا جعلنا في أعناقهم وفي أيديهم أغلالا فهي إلى الأذقان، فهي كناية عن الأيدي لا عن الأعناق، والعرب تحذف مثل هذا، ونظيره سَرابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ [النحل: ٨١] فتقديره: وسرابيل تقيكم البرد فحذف لأن ما وقى الحرّ وقى البرد، ولأنّ الغل إذا كان في العنق فلا بد من أن يكون في اليد ولا سيما وقد قال جلّ وعزّ: فَهِيَ إِلَى الْأَذْقانِ فقد أعلم الله جلّ وعزّ أنها يراد بها الأيدي. فَهُمْ مُقْمَحُونَ أجلّ ما روي فيه ما حكاه عبد الله بن يحيى أن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أراهم الأقماح فجعل يديه تحت لحيته وألصقهما ورفع رأسه. قال أبو جعفر: وكان هذا مأخوذا مما حكاه الأصمعي قال: يقال أكمحت الدّابّة إذا جذبت لجامها لترف رأسها. قال أبو جعفر: والقاف مبدلة من الكاف لقربها منها، كما يقال:
قهرته وكهرته. قال الأصمعي: ويقال: أكفحت الدابة إذا تلقّيت فاها باللجام لتضربه به. مشتقّ من قولهم: لقيته كفاحا أي وجها لوجه، وكفحت الدابّة بغير ألف إذا جذبت عنانها لتقف ولا تجري.

[سورة يس (٣٦) : آية ٩]

وَجَعَلْنا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْناهُمْ فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ (٩)
قال محمد بن إسحاق في روايته: جلس عتبة وشيبة ابنا ربيعة وأبو جهل وأميّة بن خلف يراصدون النبي صلّى الله عليه وسلّم ليبلغوا من أذاه فخرج عليهم يقرأ أول «يس» وفي يده تراب فرماهم به، وقرأ وَجَعَلْنا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا إلى رأس العشر، فأطرقوا حتى مرّ النبي صلّى الله عليه وسلّم وقد قيل إن هذا تمثيل كما يقال: فلان حمار أي لا يبصر الهدى، كما يقال: [البسيط] ٣٥٩-
لهم عن الرشد أغلال وأقياد «١»
وقراءة ابن عباس وعكرمة ويحيى بن يعمر وعمر بن عبد العزيز فَأَغْشَيْناهُمْ «٢» قال أبو جعفر: القراءة بالغين أشبه بنسق الكلام، ويقال: غشيه الأمر وأغشيته إياه فأما فأغشيناهم فإنّما يقال لمن ضعف بصره حتى لا يبصر بالليل، أو لمن فعل فعله، كما قال: [الطويل] ٣٦٠-
متى تأته تعشو إلى ضوء نارهتجد خير نار عندها خير موقد «٣»
قال قتادة: فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ الهدى.
(١) الشاهد للأفوه الأودي في ديوانه ص ١٠.
(٢) انظر البحر المحيط ٧/ ٣١٢.
(٣) مرّ الشاهد رقم (٦٩).
الإعراب الكامل من جميع الكتب مع تحليل الكلمات ←

القراءات في الآية ٩ من سورة يس

اختلاف القراء العشرة في كلمات الآية

أَيْدِيهِمْ

(أَيدِيهُمْ) بضم الهاء وإسكان الميم

روح عن يعقوب رويس عن يعقوب

(أَيدِيهِمْ) بكسر الهاء وإسكان الميم

حفص عن عاصم إسحاق عن خلف الدوري عن الكسائي أبو الحارث عن الكسائي إدريس عن خلف خلاد عن حمزة خلف عن حمزة شعبة عن عاصم ابن ذكوان عن ابن عامر هشام عن ابن عامر السوسي عن أبي عمرو قالون عن نافع ورش عن نافع الدوري عن أبي عمرو

(أَيدِيهِمُ) بكسر الهاء وصلة الميم

البزي عن ابن كثير ابن جمّاز عن أبي جعفر ابن وردان عن أبي جعفر قالون عن نافع قنبل عن ابن كثير

سَدًّا

(سُدًّا) بضم السين

هشام عن ابن عامر الدوري عن أبي عمرو روح عن يعقوب قالون عن نافع رويس عن يعقوب ابن جمّاز عن أبي جعفر ابن وردان عن أبي جعفر السوسي عن أبي عمرو ورش عن نافع البزي عن ابن كثير ابن ذكوان عن ابن عامر شعبة عن عاصم قنبل عن ابن كثير

(سَدًّا) بفتح السين

إدريس عن خلف خلاد عن حمزة حفص عن عاصم أبو الحارث عن الكسائي الدوري عن الكسائي إسحاق عن خلف خلف عن حمزة

سَدًّا وَمِنْ

(سُدًّا وَمِنْ) بضم السين وادغام التنوين في الواو بغنة

روح عن يعقوب هشام عن ابن عامر ابن ذكوان عن ابن عامر رويس عن يعقوب البزي عن ابن كثير قالون عن نافع ابن جمّاز عن أبي جعفر الدوري عن أبي عمرو ابن وردان عن أبي جعفر شعبة عن عاصم قنبل عن ابن كثير ورش عن نافع السوسي عن أبي عمرو

(سَدًّا وَمِنْ) بفتح السين وادغام التنوين في الواو بغنة

إدريس عن خلف إسحاق عن خلف الدوري عن الكسائي أبو الحارث عن الكسائي خلاد عن حمزة حفص عن عاصم

(سَدًّا وَمِنْ) بفتح السين وادغام التنوين في الواو بلا غنة

خلف عن حمزة
صفحة القراءات الكاملة لهذه الآية ←

الموضوعات القرآنية للآية ٩ من سورة يس

٥ موضوعات تتناولها هذه الآية

أقوال المفسرين في الآية — التفسير بالمأثور

٣٣ قولًا من موسوعة التفسير بالمأثور

تفسير الآية

١٤ قولًا
١
عن عبد الله بن عباس -من طريق الكلبي، عن أبي صالح- في قوله: ﴿فَأَغْشَيْناهُمْ﴾ يقول: ألْبَسْنا أبصارَهم، ﴿فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ﴾ النبيَّ ﷺ فيؤذونه١
التخريج
  1. ١أخرجه البيهقي في الدلائل ٢‏/‏١٩٦-١٩٧.
٢
عن مجاهد بن جبر، في قوله: ﴿فَأَغْشَيْناهُمْ فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ﴾، قال: سُكِّرت أبصارُهم؛ فلا يُبْصِرون الحق مِن بين أيديهم ومِن خلفهم١
التخريج
  1. ١عزاه السيوطي إلى عبد بن حميد، وابن جرير، وابن أبي حاتم.
٣
عن الضحاك بن مُزاحِم، في قوله: ﴿فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ﴾: الهدى١
التخريج
  1. ١أخرجه الخرائطيُّ في مساوئ الأخلاق (٣٦٢).
٤
عن قتادة بن دعامة -من طريق سعيد- في قوله: ﴿فَأَغْشَيْناهُمْ فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ﴾: هُدًى، ولا ينتفعون به١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ١٩‏/‏٤٠٦. وعزاه السيوطي إلى عبد بن حميد، وابن أبي حاتم.
٥
عن إسماعيل السُّدِّي، قال: ﴿فَأَغْشَيْناهُمْ فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ﴾، قال: فلم يُبْصِروا النبيَّ ﷺ١
التخريج
  1. ١عزاه السيوطي إلى ابن أبي حاتم.
٦
عن عبد الله بن عباس -من طريق الكلبي، عن أبي صالح- في قوله: ﴿وجَعَلْنا مِن بَيْنِ أيْدِيهِمْ سَدًّا﴾ قال: كفار قريش، غطاء، ﴿فَأَغْشَيْناهُمْ﴾ يقول: ألبسنا أبصارهم١
التخريج
  1. ١أخرجه البيهقي في الدلائل ٢‏/‏١٩٦-١٩٧.
٧
عن مجاهد بن جبر -من طريق ابن أبي نجيح- في قوله: ﴿وجَعَلْنا مِن بَيْنِ أيْدِيهِمْ سَدًّا ومِن خَلْفِهِمْ سَدًّا﴾، قال: عن الحق، فهم يَتَرَدَّدون١
التخريج
  1. ١تفسير مجاهد (٥٥٩)، وأخرجه ابن جرير ١٩‏/‏٤٠٥. وعزاه السيوطي إلى عبد بن حميد، وابن أبي حاتم.
٨
عن مجاهد بن جبر -من طريق ابن جريج- في قوله: ﴿وجعلها من بين أيديهم سدا ومن خلفهم سدا﴾: عن الحق سُدّت أبصارُهم، فلا يُبْصِرون الحقَّ مِن بين أيديهم ومن خلفهم، فهم يَتَرَدَّدون١
التخريج
  1. ١أخرجه إسحاق البستي ص١٨٠.
٩
عن عكرمة مولى ابن عباس -من طريق أيوب- قال: ﴿مِن بَيْنِ أيْدِيهِمْ سَدًّا ومِن خَلْفِهِمْ سَدًّا﴾، قال: ما صنع الله فهو سُدٌّ، وما صنع ابنُ آدم فهو سَدٌّ١٢
التخريج
  1. ١أخرجه يحيى بن سلام ٢‏/‏٨٠١. وينظر في ذلك: كلام ابن جرير ١٩‏/‏٤٠٥.
تعليقات المحققين
  1. ٢ذكر ابنُ عطية (٧/٢٣٦) قول عكرمة، ثم علّق بقوله: «والسد: ما سد وحال، ومنه قول الأعرابي في صفة سحاب: طلعَ سُدٌّ مع انتشار الطِّفْل، أي: سحاب سدَّ الأفق، ومنه قولهم: جراد سد، ومعنى الآية: أن طريق الهدى سُدَّ دونهم».
١٠
عن قتادة بن دعامة -من طريق سعيد- في قوله: ﴿وجَعَلْنا مِن بَيْنِ أيْدِيهِمْ سَدًّا ومِن خَلْفِهِمْ سَدًّا﴾، قال: ضلالات به١
التخريج
  1. ١أخرجه عبد الرزاق ٢‏/‏١٤٠ من طريق معمر، وابن جرير ١٩‏/‏٤٠٦. وعزاه السيوطي إلى عبد بن حميد، وابن أبي حاتم.
١١
عن إسماعيل السُّدِّي، قال: ائْتَمَر ناسٌ مِن قريش بالنبي ﷺ لِيَسْطُوا عليه، فجاءوا يريدون ذلك، فجعل الله ﴿مِن بَيْنِ أيْدِيهِمْ سَدًّا﴾ قال: ظُلمة، ﴿ومِن خَلْفِهِمْ سَدًّا﴾ قال: ظُلمة، ﴿فَأَغْشَيْناهُمْ فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ﴾ قال: فلم يُبصِروا النبيَّ ﷺ١
التخريج
  1. ١عزاه السيوطي إلى ابن أبي حاتم.
١٢
قال مقاتل بن سليمان: ﴿وجَعَلْنا مِن بَيْنِ أيْدِيهِمْ سَدًّا﴾ حين لم يروا النبيَّ ﷺ، ﴿ومِن خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْناهُمْ فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ﴾ حين لم يرَ أصحابَه [يعني: أبا جهل]، وأنزل الله عز وجل في الرجل الآخر: ﴿وجَعَلْنا مِن بَيْنِ أيْدِيهِمْ سَدًّا ومِن خَلْفِهِمْ سَدًّا﴾ يعني: ظُلمة، فلم ير النبي ﷺ، ﴿ومِن خَلْفِهِمْ سَدًّا﴾ فلم ير أصحابَه١
التخريج
  1. ١تفسير مقاتل بن سليمان ٣‏/‏٥٧٣-٥٧٤.
١٣
عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم -من طريق ابن وهب- في قول الله: ﴿وجَعَلْنا مِن بَيْنِ أيْدِيهِمْ سَدًّا ومِن خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْناهُمْ فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ﴾، قال: جعل هذا سدًّا بينهم وبين الإسلام والإيمان، فهم لا يخلصون إليه. وقرأ: ﴿سَواءٌ عَلَيْهِمْ أأَنْذَرْتَهُمْ أمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [البقرة:٦]. وقرأ: ﴿إنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [يونس:٩٦]. وقال: مَن منعه الله لا يستطيع١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ١٩‏/‏٤٠٦.
١٤
قال يحيى بن سلّام: وقد قالوا: ﴿وجَعَلْنا مِن بَيْنِ أيْدِيهِمْ سَدًّا ومِن خَلْفِهِمْ سَدًّا﴾، وقد قالوا: ﴿ومِن بَيْنِنا وبَيْنِكَ حِجابٌ﴾ [فصلت:٥] فلا نُبْصِر ما تقول، قال: ﴿فَأَغْشَيْناهُمْ فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ﴾ الهدى، وهذا كله كقوله: ﴿وأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلى عِلْمٍ وخَتَمَ عَلى سَمْعِهِ وقَلْبِهِ وجَعَلَ عَلى بَصَرِهِ غِشاوَةً﴾، وقوله: ﴿وخَتَمَ عَلى سَمْعِهِ﴾ فلا يسمع الهدى، ﴿و﴾على ﴿قلبه﴾ فلا يقبل الهدى، ﴿وجَعَلَ عَلى بَصَرِهِ غِشاوَةً﴾ فلا يبصر الهدى، ﴿فَمَن يَهْدِيهِ مِن بَعْدِ اللَّهِ﴾ [الجاثية:٢٣] أي: لا أحد. وبعضهم يقول: ﴿وجَعَلْنا مِن بَيْنِ أيْدِيهِمْ سَدًّا﴾ ما كان عليه آباؤهم مِن أمر الجاهلية، ﴿ومِن خَلْفِهِمْ﴾ من خلف آبائهم ﴿سَدًّا﴾ يعنيهم، وهو تكذيبهم بالبعث، ﴿فَأَغْشَيْناهُمْ﴾ يعني: ظلمة الكفر؛ ﴿فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ﴾ الهُدى١
التخريج
  1. ١تفسير يحيى بن سلام ٢‏/‏٨٠١-٨٠٢.

قراءات

٦ أقوال
١
عن الحسن البصري، وأبي عمرو، والأعرج -من طريق هارون-: «وجَعَلْنا مِن بَيْنِ أيْدِيهِمْ سُدًّا ومِن خَلْفِهِمْ سُدًّا»، وكذلك قال عكرمة: ما كان من صنع الله فهو سُدّ١
التخريج
  1. ١أخرجه إسحاق البستي ص ١٨٠.
٢
عن عاصم، أنه قرأ: ‹مِن بَيْنِ أيْدِيهِمْ سُدًّا ومِن خَلْفِهِمْ سُدًّا› برفع السين فيهما١٢
التخريج
  1. ١عزاه السيوطي إلى عبد بن حميد.
تعليقات المحققين
  1. ٢رجّح ابنُ جرير (١٩/٤٠٥) قراءة الضم في ‹سُدًّا› مع بيان صحة وجواز قراءة النصب فيها، فقال: «والضم أعجب القراءتين إلَيَّ في ذلك، وإن كانت الأخرى جائزةً صحيحة». ولم يذكر مستندًا.
٣
كان عبد الله بن عباس -من طريق شهر بن حوشب- يقول: (فَأَعْشَيْناهُمْ)، عن عمر بن عبد العزيز -من طريق خارجة بن مصعب، عن رجل-، مثله١٢
التخريج
  1. ١أخرجه إسحاق البستي ص ١٨٠ - ١٨١. وهي قراءة شاذة، تروى أيضًا عن عكرمة. انظر: المحتسب ٢/ ٢٠٣، ومختصر ابن خالويه ص ١٢٥.
تعليقات المحققين
  1. ٢قال ابنُ جرير (١٩/ ٤٠٧): «وقد روي عن ابن عباس أنه كان يقرأ ذلك: (فَأَعْشَيْناهُمْ فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ) بالعين، بمعنى: أعشيناهم عنه، وذلك أنّ العشا بالليل، وهو أن يمشي بالليل ولا يبصر». وبنحوه ابنُ عطية (٧/ ٢٣٦ - ٢٣٧).
٤
عن عكرمة مولى ابن عباس، أنه قرأ: (فَأَعْشَيْناهُمْ)١
التخريج
  1. ١عزاه السيوطي إلى عبد بن حميد.
٥
عن عاصم، أنه قرأ: ﴿فأَغْشَيْناهُمْ﴾ بالغين١
التخريج
  1. ١عزاه السيوطي إلى عبد بن حميد. و﴿فأَغْشَيْناهُمْ﴾ بالغين قراءة العشرة.
٦
عن إبراهيم النخعي، أنّه كان يقرأ: ﴿مِن بَيْنِ أيْدِيهِمْ سَدًّا ومِن خَلْفِهِمْ سَدًّا﴾ بنصب السين١
التخريج
  1. ١عزاه السيوطي إلى عبد بن حميد. وهي قراءة متواترة، قرأ بها حمزة، والكسائي، وخلف، وحفص، وقرأ بقية العشرة: ‹سُدًّا› بضم السين. انظر: النشر ٢‏/‏٣١٥، والإتحاف ص٤٦٥.

نزول الآيات، وتفسيرها

١٣ قولًا
١
عن ابن عباس = (٦٤٣٢٩) - وعلي
٢
٣
وعائشة بنت أبي بكر
٤
وعائشة بنت قدامة
٥
وسُراقة بن جُعْشُم، دخل حديثُ بعضِهم في بعض، قالوا: خرج رسولُ الله ﷺ والقومُ جلوسٌ على بابه، فأخذ حَفْنَةً مِن البطحاء، فجعل يَذُرُّها على رءوسهم، ويتلو: ﴿يس، والقرآن الحكيم﴾ الآيات. ومضى، فقال لهم قائلٌ: ما تَنتَظِرون؟ قالوا: محمدًا. قال: قد -واللهِ- مرَّ بكم. قالوا: واللهِ، ما أبصَرْناه. وقاموا يَنفُضون الترابَ عن رءوسهم، وخرج رسولُ الله ﷺ وأبو بكر إلى غار ثور، فدخلاه، وضرَبَتِ العنكبوتُ على بابه بعِشاشٍ بعضُها على بعض، وطلَبَته قريشٌ أشدَّ الطلبِ حتى انتهت إلى باب الغار، فقال بعضهم: إنّ عليه لَعنكبوتًا قبلَ ميلاد محمدٍ. فانصرفوا١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن سعد مطولًا ١‏/‏٢٢٧-٢٢٨.
٦
عن عبد الله بن عباس -من طريق الكلبي، عن أبي صالح- في قوله: ﴿وجَعَلْنا مِن بَيْنِ أيْدِيهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْناهُمْ فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ﴾:... وذلك أنّ ناسًا من بني مخزوم تواطؤوا بالنبي ﷺ ليقتلوه، منهم: أبو جهل، والوليد بن المغيرة، فبينا النبيُّ ﷺ قائمٌ يُصَلِّي سمعوا قراءته، فأرسلوا إليه الوليد ليقتله، فانطلق حتى أتى المكان الذي يصلي فيه، فجعل يسمع قراءته ولا يراه، فانصرف إليهم، فأعلمهم ذلك، فأتَوه، فلما انتهوا إلى المكان الذي هو يُصَلِّي فيه سمعوا قراءته، فيذهبون إلى الصوت، فإذا الصوت مِن خلفهم، فيذهبون إليه فيسمعونه أيضًا مِن خلفهم، فانصرفوا، ولم يجدوا إليه سبيلًا؛ فذلك قوله: ﴿وجَعَلْنا مِن بَيْنِ أيْدِيهِمْ سَدًّا ومِن خَلْفِهِمْ سَدًّا﴾ الآية١
التخريج
  1. ١أخرجه البيهقي في دلائل النبوة ٢‏/‏١٩٦-١٩٧ من طريق السدي الصغير، عن الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس به. إسناده ضعيف جدًّا، وقد قال عنه ابن حجر في العجاب ١‏/‏٢٦٣: «سلسلة الكذب».
٧
عن عبد الله بن عباس، في قوله: ﴿وجَعَلْنا مِن بَيْنِ أيْدِيهِمْ سَدًّا﴾، قال: اجتمعت قريشٌ بباب النبي ﷺ ينتظرون خروجَه لِيُؤذوه، فشَقَّ ذلك عليه، فأتاه جبريل بسورة يس، وأمره بالخروج عليهم، فأخذ كفًّا مِن تراب، وخرج وهو يقرؤها، ويَذُرُّ التراب على رؤوسهم، فما رأوه حتى جاز، فجعل أحدهم يلمس رأسه فيجد التراب، وجاء بعضُهم فقال: ما يُجلِسكم؟ قالوا: ننتظر محمدًا. فقال: لقد رأيته داخلًا المسجد. قال: قوموا، فقد سحركم١
التخريج
  1. ١عزاه السيوطي إلى ابن مردويه.
٨
عن عبد الله بن عباس -من طريق مجاهد- قال: اجتمعت قريشٌ عند باب رسول الله ﷺ -قال إسحاق: يعني: حين أراد الخروج إلى المدينة للهجرة-، فخرج عليهم، فأخذ اللهُ أبصارَهم دونه، فأخذ قبضةً مِن التراب فجعل يحثيها على رؤوسهم، ويقرأ: ﴿يس والقرآن الحكيم﴾، فمر بهم رجل يدري ما يصنعُ رسولُ الله ﷺ، فقال: ما يُقعِدُكم؟ قالوا: ننتظر محمدًا لنأخذه. فقال: خيَّبكم اللهُ، أما رأيتم محمدًا وما يصنع بكم؟! واللهِ، لقد خرج عليكم، فما ترك رجلًا منكم إلا وضع في رأسه ترابًا. فجعلوا ينفضون عن رؤوسهم التراب١
التخريج
  1. ١أخرجه إسحاق البستي ص١٧٩ عن محمد بن إسحاق، عمن لا يتهم، عن مجاهد به. فيه شيخ ابن إسحاق مجهول.
٩
عن مجاهد بن جبر، قال: اجتمعت قريشٌ، فبعثوا عُتبة بن ربيعة، فقالوا: ائْتِ هذا الرجل، فقل له: إنّ قومك يقولون: إنّك جئتَ بأمر عظيم، ولم يكن عليه آباؤنا، ولا يتَّبعك عليه أحدٌ مِنّا، وإنّك إنّما صنعتَ هذا أنّك ذو حاجة، فإن كنتَ تريد المال فإنّ قومك سيجمعون لك ويعطونك، فدع ما ترى، وعليك بما كان عليه آباؤك. فانطلق إليه عتبة، فقال له الذي أمروه، فلما فرغ من قوله وسكتْ قال رسول الله ﷺ: بسم الله الرحمن الرحيم ﴿حم * تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ فقرأ عليه من أولها حتى بلغ: ﴿فَإنْ أعْرَضُوا فَقُلْ أنْذَرْتُكُمْ صاعِقَةً مِثْلَ صاعِقَةِ عادٍ وثَمُودَ﴾ [فصلت:١-١٣]. فرجع عتبةُ، فأخبرهم الخبر، وقال: لقد كلَّمني بكلامٍ ما هو بشعر، ولا بسحر، وإنه لكلام عجيب، ما هو بكلام الناس. فوقعوا فيه، وقالوا: نذهب إليه بأجمعنا. فلمّا أرادوا ذلك طلع عليهم رسول الله ﷺ، فعمد لهم حتى قام على رءوسهم، وقال: بسم الله الرحمن الرحيم ﴿يس * والقُرْآنِ الحَكِيمِ﴾ حتى بلغ: ﴿إنّا جَعَلْنا فِي أعْناقِهِمْ أغْلالًا﴾. فضرب اللهُ بأيديهم على أعناقهم، فجعل مِن بين أيديهم سدًّا ومن خلفهم سدًّا، فأخذ ترابًا، فجعله على رءوسهم، ثم انصرف عنهم، ولا يدرون ما صَنع بهم، فلمّا انصرف عنهم رأوا الذي صَنع بهم، فعجبوا، وقالوا: ما رأينا أحدًا قط أسحر منه! انظروا ما صَنع بنا!١
التخريج
  1. ١عزاه السيوطي إلى عبد بن حميد.
١٠
عن عكرمة مولى ابن عباس -من طريق عمارة- قال: قال أبو جهل: لَئِن رأيتُ محمدًا لأفعلنَّ ولأفعلنَّ. فنَزلت: ﴿إنّا جَعَلْنا فِي أعْناقِهِمْ أغْلالًا﴾ إلى قوله: ﴿لا يُبْصِرُونَ﴾. فكانوا يقولون: هذا محمد. فيقول: أين هو، أين هو؟ لا يُبْصِره١٢
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ١٩‏/‏٤٠٦.
تعليقات المحققين
  1. ٢لم يذكر ابنُ جرير (١٩/٤٠٦) غير هذا الأثر. وذكره ابنُ عطية (٧/٢٣٥)، ثم ذكر قولًا آخر، فقال: «وقالت فرقة: الآيةُ مُستعارة المعاني مِن منع الله تعالى آباءهم من الإيمان، وحوْلِه بينهم وبينه». ورجّحه مستندًا إلى السياق بقوله: «وهذا أرجح الأقوال؛ لأنه تعالى لما ذكر أنهم لا يؤمنون بما سبق لهم في الأزل؛ عَقَّب ذلك بأن جعل لهم مِن المنع وإحاطة الشقاوة ما حالهم معه حال المغللين. والغُلّ: ما أحاط بالعُنق على معنى التَّضْييق والتثبيت والتعذيب والأسْر، ومع العنق اليدان أو اليد الواحدة، هذا معنى التغليل».
١١
عن عكرمة مولى ابن عباس -من طريق أيوب- قال: كان ناسٌ مِن المشركين مِن قريش يقول بعضهم: لو قد رأيتُ محمدًا لفعلتُ به كذا وكذا. فأتاهم النبيُّ ﷺ وهم في حلقة في المسجد، فوقف عليهم، فقرأ: ﴿يس * والقُرْآنِ الحَكِيمِ﴾ حتى بلغ: ﴿لا يُبْصِرُونَ﴾. ثم أخذ ترابًا، فجعل يذُرُّه على رؤوسهم، فما يرفع رجلٌ منهم إليه طَرْفه، ولا يتكلم كلمة، ثم جاوز النبيُّ ﷺ، فجعلوا ينفضون التراب عن رءوسهم ولحاهم: واللهِ، ما سمعنا، واللهِ، ما أبصرنا، واللهِ، ما عقلنا١
التخريج
  1. ١أخرجه عبد الرزاق ٢‏/‏١٣٩. وعزاه السيوطي إلى عبد بن حميد، وابن المنذر.
١٢
عن محمد بن كعب القرظي -من طريق يزيد بن أبي زياد- قال: اجتمع قريش -وفيهم أبو جهل- على باب النبيِّ ﷺ، فقالوا على بابه: إنّ محمدًا يزعم أنّكم إن بايعتموه على أمرِه كنتم ملوكَ العرب والعجم، ثم بُعِثتُم مِن بعد موتكم لكم جنانٌ كجنان الأردن، وإن لم تفعلوا كان لكم منه ذَبْح، ثم بُعِثتُم من بعد موتكم فجُعِلَت لكم نارٌ تُحرَقون فيها! فخرج رسول الله ﷺ، وأخذ حفنة من تراب في يده، ثم قال: «نعم، أنا أقول ذلك، وأنتَ أحدهم». وأخذ اللهُ على أبصارهم فلا يرونه، فجعل ينثر ذلك الترابَ على رءوسهم، وهو يتلو هذه الآيات: ﴿يس * والقُرْآنِ الحَكِيمِ﴾ إلى قوله: ﴿فَأَغْشَيْناهُمْ فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ﴾. حتى فرغ رسول الله ﷺ مِن هؤلاء الآيات، فلم يبق رجلٌ إلا وضع على رأسه ترابًا، ثم انصرف إلى حيث أراد أن يذهب، فأتاهم آتٍ مِمَّن لم يكن معهم، فقال: ما ينتظر هؤلاء؟ قالوا: محمدًا. قال: خيَّبكم الله! قد خرج -واللهِ- عليكم محمدٌ، ثم ما ترك منكم رجلًا إلا وضع على رأسه ترابًا، وانطلق لحاجته، فما ترون ما بكم؟! فوضع كلُّ رجلٍ منهم يدَه على رأسه، وإذا عليه تراب، فقالوا: لقد كان صَدَقَنا الذي حدَّثنا١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن إسحاق -كما في سيرة ابن هشام ١‏/‏٤٨٣-، وأبو نعيم في الدلائل (١٥٤). وعزاه السيوطي إلى ابن المنذر، وابن أبي حاتم.
١٣
قال مقاتل بن سليمان: ﴿إنّا جَعَلْنا فِي أعْناقِهِمْ أغْلالًا فَهِيَ إلى الأَذْقانِ فَهُمْ مُقْمَحُونَ﴾ وذلك أنّ أبا جهل بن هشام حلف: لَئِن رأى النبيَّ ﷺ ليدمَغنَّه. فأتاه أبو جهل وهو يصلي، ومعه الحَجر، فرفع الحَجر ليدمغ النبيَّ ﷺ، فيَبِسَتْ يدُه، والتصق الحجرُ بيده، فلما رجع إلى أصحابه خلَّصوا يده، فسألوه، فأخبرهم بأمر الحجر، فقال رجل آخر من بني المغيرة المخزومي: أنا أقتله. فأخذ الحجر، فلما دنا مِن النبي ﷺ طمس الله عز وجل على بصره، فلم يرَ النبيَّ ﷺ، وسمع قراءته، فرجع إلى أصحابه، فلم يُبْصِرهم حتى نادوه، فذلك قوله عز وجل: ﴿وجَعَلْنا مِن بَيْنِ أيْدِيهِمْ سَدًّا ومِن خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْناهُمْ فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ﴾ حين لم يرَ أصحابَه، فسألوه: ما صنعتَ؟ فقال: لقد سمعتُ قراءتَه وما رأيتُه. فأنزل الله عز وجل في أبي جهل: ﴿إنّا جَعَلْنا فِي أعْناقِهِمْ أغْلالًا فَهِيَ إلى الأَذْقانِ فَهُمْ مُقْمَحُونَ﴾. وأنزل الله عز وجل في الرجل الآخر: ﴿وجَعَلْنا مِن بَيْنِ أيْدِيهِمْ سَدًّا ومِن خَلْفِهِمْ سَدًّا﴾ يعني: ظُلمة، فلم ير النبي ﷺ ﴿ومِن خَلْفِهِمْ سَدًّا﴾ فلم ير أصحابه، وكان معهم الوليد بن المغيرة١
التخريج
  1. ١تفسير مقاتل بن سليمان ٣‏/‏٥٧٣-٥٧٤.
التفسير بالمأثور لسورة يس كاملة ←

وقفات تدبرية في الآية ٩ من سورة يس

٤ وقفات في هذه الآية

  • { فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ } قد غمرهم الجهل والشقاء من جميع جوانبهم، فلم تفد فيهم النذارة.

    — مجالس التدبر

  • قاعدة عامة في تعبير القرآن وهي : دخول حرف الجر { من } على الظرف يفيد التحديد كقوله { من فوقهم } ، { من تحتهم } ، { من بعدهم } ، { من قبلهم } ، { من خلفهم } ، { من حيث } ، { من بينهم } ، وإذا لم يدخل الجارّ على الظرف ، أفاد الظرف الإطلاق والعموم كقوله : ( حيث أتى ) ، ( فوقهم صافات ) ، ( بعد موتها ) ، ( ينزغ بينهم ) !

    — صالح التركي / من لطائف القرآن

  • برنامج لمسات بيانية (وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ (9)) * لماذا بدأ تعالى بقوله (من)؟ الآن في ذهني أنك سألت عن التقديم والتأخير قبل قليل في الآية التي سبقت (إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلَالًا) قدّم الأعناق على الأغلال لأن الكلام عليهم وليس عن الأغلال، لم يتكلم عن الأغلال شيئاً بينما الكلام عليهم هم. في هذه الآية تكلم تعالى عن الذين لا يؤمنون أنهم مقمحون وصف حالتهم فقدّمهم ولم يتكلم عن الأغلال. نأتي للآية الكريمة (وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ (9)) أيضاً بالمناسبة لم يقل سداً من بين أيديهم لأن الكلام عليهم وليس عن السد، لم يتكلم عن السد وإنما الكلام عنهم مثل الآية السابقة (إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلَالًا). يبقى السؤال لماذا ذكر (من)؟ لماذا لم يقل جعلنا بين أيديهم سداً؟ (من) تفيد ابتداء الغاية يعني جعل السد ليس بينهم وبين السد أي فاصل، (مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ) يعني ليس هناك فاصل بين السد وبين أيديهم لو قال بين أيديهم تحتمل المسافة القريبة أو البعيدة (أَفَلَمْ يَنظُرُوا إِلَى السَّمَاء فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِن فُرُوجٍ (6) ق) كم بينك وبين السماء؟! كثير، ما قال من فوقهم لا يصح. (أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صَافَّاتٍ وَيَقْبِضْنَ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا الرَّحْمَنُ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ بَصِيرٌ (19) الملك)، (وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِن فَوْقِهَا (10) فصلت). (من) كما ذكرنا تفيد ابتداء الغاية فلما قال (وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا) يعني متصل بهم ليس بينهم وبين السد مسافة وإنما السد ملتصق بهم لو قال (بين أيديهم) تحتمل هذا وتحتمل المسافة البعيدة وذكرنا مثالاً (أَفَلَمْ يَنظُرُوا إِلَى السَّمَاء فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِن فُرُوجٍ (6) ق) لم يقل من فوقهم لأنها مسافة بعيدة. (أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صَافَّاتٍ وَيَقْبِضْنَ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا الرَّحْمَنُ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ بَصِيرٌ (19) الملك)، وقال تعالى في فصلت يتكلم عن الأرض (وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِن فَوْقِهَا (10) فصلت) لأن الجبال هي ملتصقة بالأرض ليس بينها وبين الأرض فاصل لذلك لم يقل رواسي فوقها، (فوقها) تحتمل الملاصقة وعدمها أما (من فوقها) فتهني الملاصقة. وفي مناسبة ذكرنا العرش في يوم القيامة (وَتَرَى الْمَلَائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ (75) الزمر) ليس بينهم وبين العرش فراغ ولو قال حول العرش تحتمل. إذن عندما قال (من بين أيديهم ومن خلفهم) يعني سد من بين أيديهم ليس بينهم وبينه فاصل ومن خلفهم سد ليس بينهم وبينه فاصل فيمنعهم من الحركة، هم بين سدين. المراد بالمعنى البسيط من الآية أنهم لا يمكن أن يتحركوا فيهتدوا إلى الطريق، هذه حالهم هم محجوزون، في هذه الحالة الطوق في عنقه ومقمح الرأس فكيف يهتدي؟! (لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (3) عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (4)) الصراط يراد له سالك هؤلاء كيف يسلكون؟! كيف يهتدون؟ هؤلاء معناه أنهم لا يمكن أن يهتدوا، هؤلاء مثلهم كمثل هذا فكيف ينتقل من الكفر إلى الإيمان؟ قال تعالى (لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (3) عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (4)) الصراط يراد له مشي وهنا ذكر ما يمنع السير، السد يمنع السير وعدم النظر يمنع السير. *ما دلالة تقديم (من بين أيديهم) على السد؟ ذكرنا أن الكلام عليهم هم وليس على السد لم يتكلم عن السد سوى أنه جعله بين أيديهم ومن خلفهم. فلما كان الكلام عليهم والسياق فيهم هم قدّم ما يتعلق بهم قال (من بين أيديهم) الكلام ليس على السد وإنما عليهم هم. * ما دلالة (ومن خلفهم سداً) مع أنه ذكر أنه جعل من بين أيديهم سداً وهذا يمنعهم من الحركة؟ لم يقل هذا فقط وإنما قال (فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ)، يعني هو ليس فقط جعل السد وإنما أغشاهم فكيف يبصرون؟! زيادة في عدم الاهتداء. منع طريقة أن يجوزوا على الصراط بالأغلال في الأعناق وبالسد من بين أيديهم ومن خلفهم وأغشاهم فهم لا يبصرون. لماذا ذكر السد من خلفهم؟ الآن سائر في طريق فانقطع عليه الطريق ماذا يفعل؟ يرجع إلى مكانه، لكن إذا جعل من خلفه سداً لا يستطيع العودة إذن هو في مقام الهلكة، لا يستطيع أن يذهب إلى الأمام ولا أن يرجع إلى مكانه إذن جعل السد من خلفهم حتى يمنعه من العودة إلى مكانه فهو قطع الطريق عليه من الأمام فأراد أن يرجع إلى مكانه لم يستطع لأن هناك سد من خلفه إذن هو بقي في مكانه حتى يهلك لأن هذا المكان هو مهلكة يبقى في مكانه إلى أن يهلك لم يرجع إلى مكانه ولم يتقدم. * قال (وَجَعَلْنَا مِن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا (9)) لماذا ترك الجانبين ولم يأت بأربع جهات؟ هو قال (فأغشيناهم) يعني غطاهم أيضاً فهم لا يبصرون. ثم نأتي للسؤال لماذا ترك الجانبين؟ * فأغشيناهم بمعنى عشّينا عليهم؟ نعم جعل عليهم غشاوة إما بالسدّين أو إضافة إلى السدّين غطاهم كلهم. أما السؤال لماذا ترك الجانبين؟ هو عندما قال (مِن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا) فهم لا يستطيعون الحركة منهم من الحركة إذا هم لا يستطيعون الحركة لا إلى اليمين ولا إلى اليسار لما كان السدين ملتصقين بهما كيف يتحركوا؟ لا يستطيعوا أن يتحركوا. ثم أغشاهم لا يبصرون كيف يتحركون؟ لا يعلمون أين يذهبون، ومنعهم من الحركة أصلاً. وقالوا إذا اتجهوا إلى اليمين سيكون السدّ أمامهم جعلهم بين أيديهم وإذا اتجهوا إلى اليسار أيضاً سيكون السد من أمامهم ومن خلفهم لأنه ملتصق بهم، انتهت المسألة والتكرار لن يضيف شيئاً. فهو منعهم من الحركة والإبصار في كل الأحوال لا يبصرون ولا يتحركون. * هل تكرار كلمة السد له دلالة معينة؟ طبعاً، السد الثاني غير السد الأول، هذا غير هذا، هذا نكرة فتكرارها له دلالة، مثل: رأيت رجلاً وأكرمت رجلاً يعني الرجل الثاني غير الأول وإلا قلنا رأيت رجلاً وأكرمت الرجل هو كما في قوله تعالى (كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولًا (15) فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ (16) المزمل) هو نفسه لو قال فعصى فرعون رسولاً لكان غيره. إذن السد من خلفهم غير السد من بين أيديهم سد من الأمام وسد من الخلف السدان منفصلان تماماً والتنكير هنا له دلالة معينة. لو قال (السد) لدل على أنه نفسه. * ما الفرق بين دلالة كلمة (خلفهم) و(بعدهم) ؟ بعد نقيضة قبل وأظهر استعمال لها في الزمان. أما خلف فهي نقيضة قُدّام (وهي في الغالب للمكان) هذا من حيث اللغة. والخلف في اللغة هو الظهر أيضاً. أحياناً لا يصح وضع إحداهما مكان الأخرى فلا يمكننا أن نضع خلف مكان بعد ففي هذه الآيات لا يمكن أن تحلّ خلف محل بعد (ثُمَّ عَفَوْنَا عَنْكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (52) البقرة) (وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ (120) البقرة) (فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ (230) البقرة) (رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ (8) آل عمران) لأن كلها متعلقة بالزمان. أما خلف فهي في الأصل للمكان، (ثُمَّ لَآَتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ (17) الأعراف) (وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ (9) يس) (اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ (255) البقرة) (وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (9) النساء) أي يلونهم مباشرة كأنهم واقفين خلفهم وكذلك قوله تعالى (فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آَيَةً وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ عَنْ آَيَاتِنَا لَغَافِلُونَ (92)). * قال تعالى في سورة البقرة (خَتَمَ اللّهُ عَلَى قُلُوبِهمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عظِيمٌ (7)) لم يقل هذا في سورة يس مع أن المعنى واحد فما دلالة هذا؟ في يس ضمن ما ذكر في البقرة لأنه عندما قال (فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ (9)) كأنما ختم على أبصارهم غشاوة، عندما جعل من بين أيديهم سداً ومن خلفهم سداً فأغشيناهم معناه أنهم لا يسمعون أغشاهم لأن السد عالي فكيف يسمعون؟ أغشاهم إما بالسد أو بغشاء آخر فكيف يسمع؟ إذن ذهب السمع وذهب البصر إذن كيف يفقه؟ منافذ العلم سُدّت إذن هو لا يسمع ولا يبصر ولما كانت منافذ العلم مسدودة معناه لا يفقه بمعنى أن الله ختم على قلوبهم لكن لماذا كان التعبير بصورة أخرى؟ لماذا هناك قال ختم الله على قلوبهم تصريحاً وعلى سمعهم وهنا قال (وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ (9)) مع أن هذا يفضي إلى ما في البقرة؟ ذكرنا قبل قليل ربنا تعالى قال في سورة يس (يس (1) وَالْقُرْآَنِ الْحَكِيمِ (2) إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (3) عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (4)) والصراط للسير فذكر ما يمنع السير مناسبة لذكر الصراط وهو يفضي إلى ما في البقرة لكن هو المناسب، ذكر ما يمنع السير وهو السد الذي يمنعه من الذهاب إلى الصراط، يمنعه أن يسير في ، أليس الصراط للسير؟ هو ذكر ما يمنع السير فهو أنسب لذكر الصراط فلما قال (إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (3) عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (4)) ذكر ما يمنع السير الأغلال التي تمنع والسد. بينما في البقرة قال (ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ (2) الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (3) وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآَخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ (4)) هذا يتعلق بالإيمان بالغيب والتقوى، إذن المسألة متعلقة بالإيمان والتقوى في سورة البقرة والتقوى محلها القلب كما قال  التقوى هاهنا وأشار إلى قلبه فقال (خَتَمَ اللّهُ عَلَى قُلُوبِهمْ) فكيف يتقون؟ هو قال (هُدًى لِلْمُتَّقِينَ) والتقوى هاهنا فكيف يتقي؟! لا يستطيع. ثم ذكر أنه ختم على السمع وعلى الأبصار غشاوة فكيف يؤمن إذا ليس له قلب؟ انسدت منافذ العلم والتقوى والهدى كلها انسدّت، إنسدت منافذ التقوى السمع والبصر والقلب كما إنسدت الطرق أمام الذي على الصراط فلما كان الكلام على الصراط ذكر ما يمنع من الصراط ولما كان الكلام على التقوى والإيمان ذكر ما يمنع من الإيمان والتقوى. مع أن أحدها يفضي إلى الآخر لكن كل واحد أنسب لسياقها فواحدة أنسب للصراط والثانية أنسب للتقوى والإيمان فكل واحدة مناسبة لمكانها. * هل الغشاء متصل بالسمع أم متصل بعدم الإبصار؟ هو قال (فأغشيناهم) إذا أغشاهم إذن فكيف يسمع؟ * ربما نفهم (فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لاَ يُبْصِرُونَ) لا يبصرون نتيجة الغشاوة الموجودة؟ تمام، والسمع أيضاً السمع واضح أنه لا يكون. * إذن هم في عزلة؟ هم في عزلة وإذا انسد السمع والبصر كيف يفقه؟! لكن يبقى السؤال لماذا هذا الاختيار؟ما السبب في أنه اختار، هذا السؤال الذي تفضلت به؟ (وَجَعَلْنَا مِن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لاَ يُبْصِرُونَ (9)) ما سبب الاختيار في كل من الموضعين؟ لماذا لم يقل كما قال في ختام آية البقرة (ختم على قلوبهم)؟ هذا السؤال. طبعاً لو قرأنا الآيات في كل موطن من الآيتين قال (يس (1) وَالْقُرْآَنِ الْحَكِيمِ (2) إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (3) عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (4)) ما الغرض من الصراط؟ الصراط هو الطريق والغرض أن يسير عليه، ذكر الصراط للسير وهو ذكر في يس ما يمنع السير (وَجَعَلْنَا مِن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لاَ يُبْصِرُونَ (9)) قال (عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (4)) فذكر ما يمنع السير على الصراط. وجود السد من بين ايديهم ومن خلفهم سيمنعهم من السير فمناسب مع ما ذكر (إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (3) عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (4)) لأن الغرض من ذكر الصراط هو السير فيه، الآن ذكر ما يمنع السير على الصراط المستقيم وهو السدّ، قطع الطريق عليهم بينما في البقرة قال (ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ (2) الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (3)) إذن يتعلق الأمر بالإيمان والتقوى ليس في السير، * سياق مسرح الأحداث أو سياق الحالة تختلف. (ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ (2) الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (3)) هذا غير أمر، ذاك السير والصراط وهذا ما يتعلق بالإيمان والتقوى. والتقوى في القرآن وفي حديث يقول (التقوى هاهنا) في القلب فقال (خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ (7)) فمن أين تأتيهم التقوى؟! وذكر انسداد منافذ العلم والإيمان (خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (7)) إذن منافذ الإيمان انسدت والتقوى ختم على قلوبهم فمناسب كل واحدة مناسبة للسياق الذي ورد فيه لما قال (عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ (4)) ذكر ما يمنع السير على الصراط (السد) وعندما ذكر التقوى ذكر ما يمنع من التقوى والقلب. * يعني هو في الحالين ذكر ما يمنع من المراد الموجود في السياق؟ مع العلم أن المفهوم العام هو أيضاً كل واحدة تؤدي لكن ذكر كل واحدة بما هو مناسب للسياق الذي ورد فيه. * والله هناك سؤال يحيرني أسأل أم لا أسأل وليعذرني المشاهدون وليعلمني الدكتور: هل الله سبحانه وتعالى كان يقصد كل هذا الذي نفهمه الآن ونفسره؟ هذه الكلمة هنا وتلك توضع هنا وهذه لا توضع هنا؟ هل هو مقصود في حد ذاته؟ كل لفظة وكل تغيير في لفظة أو اختيار مرادف على آخر أو اختيار لفظة على أخرى هو مقصود قصد تام دقيق حتى الكلمة لما يحذف منها أو يجعلها كما هي (توفّاهم – تتوفاهم) (تنزّل – تتنزل) (يضّرعون – يتضرعون) كله مقصود كل حرف كل اختيار كل كلمة لا نعلم إلا الأمر القليل من ذلك وما أودعه من الأسرار هذا أكبر مما عندنا بكثير ولذلك في الأثر يقولون أن ربنا يجمع المفسرين يوم القيامة في الجنة ثم يبدأ يفسر فكأنهم لم يعلموا شيئاً ولم يعرفوا شيئاً. * يفسره الله تبارك وتعالى؟ نعم يجمع المفسرين فيفسره لهم. * ويبدو أنهم لا يعلمون شيئا؟ لا إله إلا الله. إذن هذا الكلام مقصود لذاته؟ طبعاً. ومقصود ما هو أكثر من ذلك ونحن لا نعلم إلا القليل. *(وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ (9)) لماذا لم يتكرر فعل (جعلنا) كما في قوله تعالى (وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا (10) وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشًا (11) النبأ)؟ التكرار يفيد التوكيد في الغالب. هل المطلوب السير إلى الأمام أو الرجوع؟ السير إلى الأمام، إذن ليسا بمنزلة واحدة الرجوع ليس كالسير إلى الأمام. السير إلى الأمام يكون عندك هدف والأهم هو السير إلى الأمام قال (وجعلنا) إذن العودة إلى الخلف ليست بمنزلة السير إلى الأمام فلم يقل (جعلنا) لأنهما ليسا بمنزلة واحدة ولو قال (وجعلنا من خلفهم سدا) يدل على أنهما بمنزلة واحدة بينما إلى الأمام ليس كـ إلى الخلف. بينما في قوله تعالى (وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا (10) وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشًا (11) النبأ) كلاهما لا تقوم الحياة إلا بهما وهما بمنزلة واحدة لا تصلح الحياة بأحدهما لا تصلح الحياة بليل لا نهار فيه أو نهار لا ليل فيه وقال تعالى (قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِن جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُم بِضِيَاء أَفَلَا تَسْمَعُونَ (71) قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِن جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهَارَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُم بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَفَلَا تُبْصِرُونَ (72) القصص) هذان بمنزلة واحدة للحياة الليل والنهار لا تصلح الحياة بأحدهما فكرر (جعلنا) أما في سورة يس فليسا بمنزلة واحدة. * ولما قال (وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا (10) وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشًا)؟ الليل والنهار كلاهما للإنسان لا بد كلاهما لا يمكن أن تكون حياة بلا ليل ولا نهار. * هنا لو قال (وجعلنا الليل لباسا والنهار معاشا)؟ لا كلاهما بنفس المنزلة ولو قال هذا لكان المعنى أن الليل أهم من النهار. (قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِيَاءٍ أَفَلَا تَسْمَعُونَ (71) قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهَارَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَفَلَا تُبْصِرُونَ (72) القصص) النوم والحركة كلها مطلوبة لا بد منها فهما بمنزلة واحد فكرر جعلنا. * تكرار الفعل جعلنا يدل على أنهما بنفس المنزلة؟ توكيد. * وذكره أمامه واحدة وعدم ذكره أمام الثانية؟ ليسا بنفس المنزلة.

    — فاضل السامرائي

  • (وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ بعدما ذكر أنه جعل في أعناقهم أغلالاً ذكر أنه جعل من بين أيديهم سداً ومن خلفهم سداً. وقال (مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ) و(وَمِنْ خَلْفِهِمْ) ولم يقل (وجعلنا بين أيديهم سداً وخلفهم سدً) ذلك أن (من) تفيد ابتداء الغاية ومعنى ذلك أنه جعل السد ابتداء من بين أيديهم ولم يترك بينه وبينهم فراغاً وكذلك من خلفهم فإن السد ملتصق بهم من الأمام وكذلك من الخلف فلا يستطيعون أن يخطوا خطوة واحدة أو حركة بخلاف ما إذا لم يذكر (من) فإنه يحتمل أن يكون بينهم وبين السد مسافة بعيدة أو قريبة وذلك نحو قوله تعالى (أفلم يروا إلى السماء فوقهم) فإن بينهم وبين السماء مسافة بعيدة وكذلك قوله (أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صَافَّاتٍ) فإن بينهم وبين الطير مسافة غير قليلة في حين قال عن الأرض (وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا) – فصلت (10) فجاء بـ (من) ليدل على أن الرواسي ملتصقة بالأرض ليس بينها وبينها فراغ. ثم قدم الجار والمجرور على السد فقال (مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا) ولم يقل (وجعلنا سداً من بين أيديهم وسداً من خلفهم) وذلك لأن الكلام عليهم لا على السد فكان تقديم ما تعلق بهم أولى ونحوه قوله تعالى (إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلَالًا) كما ذكرنا. وقد تقول: هذا أمر السد من أمامهم فلماذا جعل من خلفهم سداً وما الغرض منه؟ فنقول: كما إنه منعهم من السير إلى أمام منعهم من العودة والرجوع إلى أماكنهم الأولى، فإن الشخص إذا قطع عليه الطريق عاد إلى مكانه الأول ومقامه الذي كان فيه، وهنا قد منعه من ذلك فبقي في مكانه من الطريق في غير مأمن وفي غير مقام فهلك. ثم أغشى أبصارهم وغطاهم فمنعهم من الرؤية فهم لا يبصرون ولا يتحركون فكيف يهتدون؟ وقوله (فَأَغْشَيْنَاهُمْ) يحتمل أنه أغشاهم بالسدين أي غطاهم فلا يستطيعون الإبصار ولا الحركة أو أغشى أبصارهم علاوة على السدين، وفي كلتا الحالتين لا يستطيعون الحركة ولا الإبصار. وقد تقول: ولم ترك الجانبين وهما جهتا اليمين واليسار فلم يذكر إنه جعل فيهما سدين. فنقول: 1- إن قوله (مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا) منعهم من الحركة البتة إلى أية جهة كانت ذلك لأن السدين ملتصقان بهم. 2- قوله (فَأَغْشَيْنَاهُمْ) أي غطيناهم والتغطية تشمل جميع الجسم وليس جانباً منه أو جانبين فلا يستطيعون الحركة لإغشائهم. 3- قوله (فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ) يمنعهم من معرفة ما هم عليه من السبيل. 4- إذا اتجهوا إلى جهة اليمين كان السد من بين أيديهم أيضا ومن خلفهم لأن هذه الجهة ستكون هي الأمام فتكون مسدودة عليهم وإن أية جهة سيتجهون إليها ستكون هي ما بين أيديهم فيجعل سداً من بين أيديهم ومن خلفهم، فقوله (من بين أيديهم ومن خلفهم) يشمل جميع الجهات لأن أية جهة يتجهون إليها ستكون ما بين أيديهم فلا حاجة إلى ذكر جهتي اليمين واليسار فما ذكره يغنى عن ذكرهما، وإسناده الجعل والإغشاء إلى الله تعالى بيان إنه لا يمكن لأحد أن يزيل السدين أو يرفع الغشاوة. جاء في (التفسير الكبير): "وعلى هذا فقوله تعالى(وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ) يكون متمما لمعنى جعل الله إياهم مغلولين لأن قوله (وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا) إشارة إلى أنهم لا ينتهجون سبيل الرشاد فكأنه قال: لا يبصرون الحق فينقادون له لمكان السد ولا ينقادون لك فيبصرون الحق فينقادون له لمكان الغل. وفيه وجه آخر وهو أن يقال: المانع إما أن يكون في النفس وإما أن يكون خارجاً عنها، ولهم المانعان جميعاً من الإيمان، أما في النفس فالغل وأما من الخارج فالسد، ولا يقع نظرهم على أنفسهم فيرون الآيات التي في أنفسهم كما قال تعالى (سَنُرِيهِمْ آَيَاتِنَا فِي الْآَفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ ) وذلك لأن المقمح لا يرى نفسه ولا يقع بصره على يديه، ولا يقع نظره على الآفاق لأن من بين السدين لا يبصرون الآفاق فلا تبين لهم الآيات التي في الآفاق وعلى هذا فقوله (إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلَالًا) ) (وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا) إشارة إلى عدم هدايتهم لآيات الله في الأنفس والآفاق. وفي تفسير قوله تعالى (وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا) مسائل: (المسألة الأولى) السد من بين الأيدي ذكره ظاهر الفائدة فإنهم في الدنيا سالكون وينبغي أن يسلكوا الطريقة المستقيمة (مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا ) فلا يقدرون على السلوك، وأما السد من خلفهم فما الفائدة فيه؟ فنقول: الجواب عنه من وجوه. (الأول) هو أن الإنسان له هداية فطرية والكافر قد يتركها وهداية نظرية والكافر ما أدركها فكأنه تعالى يقول (وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا) فلا يسلكون طريقة الاهتداء التي هي نظرية (وجعلنا من خلفهم سداً) فلا يرجعون إلى الهداية الجبلية التي هي الفطرية ... (الثالث) هو أن السالك إذا لم يكن له بد من سلوك طريق فإن انسد الطريق الذي قدامه يفوته المقصد ولكنه يرجع وإذا انسد الطريق من خلفه ومن قدامه فالموضع الذي هو فيه لا يكون موضع إقامة لأنه مهلك، فقوله (وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ) إشارة إلى إهلاكهم. (المسألة الثانية) قوله تعالى (فأغشيناهم) بحرف الفاء يقتضي أن يكون للإغشاء بالسد تعلق ويكون الإغشاء مرتباً على جعل السد فكيف ذلك؟ فنقول: ذلك من وجهين: أحدهما أن يكون ذلك بيانا لأمور مترتبة يكون بعضها سبباً للبعض فكأنه تعالى قال (إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلَالًا ) فلا يبصرون أنفسهم لإقماحهم (وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا) فلا يبصرون ما في الآفاق وحينئذ يمكن أن يروا السماء وما على يمينهم وشمالهم فقال بعد هذا كله (وجعلنا على أبصارهم غشاوة) فلا يبصرون شيئاً أصلاً. وثانيهما: هو أن ذلك بيان لكون السد قريبا منهم بحيث يصير ذلك كالغشاوة على أبصارهم فإن من جعل من خلفه ومن قدامه سدين ملتزقين به بحيث يبقى بينهما ملتزقاً بهما تبقى عينيه على سطح السد لا يبصر شيئا، أما غير السد فللحجاب، وأما عين السد فلكون شرط المرئي أن لا يكون قريبا من العين جداً. (المسألة الثالثة) ذكر السدين من بين الأيدي و من خلف ولم يذكر من اليمين والشمال ما الحكمة فيه؟... لأنهم إن قصدوا السلوك إلى جانب اليمين أو جانب الشمال صاروا متوجهين إلى شيء ومولين عن شيء فصار ما إليه توجههم ما بين أيديهم فيجعل الله السد هناك فيمنعه من السلوك، فكيفما يتوجه الكافر يجعل الله بين يديه سداً. ووجه آخر أحسن مما ذكرنا وهو أنا لما بينا أن جعل السد صار سبباً للإغشاء كان السد ملتزقاً به، وهو ملتزق بالسدين فلا قدرة له على الحركة يمنة ولا يسرة فلا حاجة إلى السد عن اليمين وعن الشمال، وقوله تعالى (فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ) يحتمل ما ذكرنا إنهم لا يبصرون شيئاً، ويحتمل أن يكون المراد هو أن الكافر مصدود وسبيل الحق عليه مسدود وهو لا يبصر السد ولا يعلم الصد فيظن إنه على الطريقة المستقيمة وغير ضال (1) وقد تقول: ولم لم يقل كما قال في سورة البقرة (خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ) ؟ فنقول: إن كل موطن اقتضى ما ذكر فيه علاوة على أن ما ذكر في سورة يس يفيد ما أفاده في سورة البقرة، ذلك أن قوله (فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ) هو بمعنى قوله (وعلى أبصارهم غشاوة)، وأن قوله (وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ) يفيد أنهم لا يسمعون فإن من كان بين سدين مغطى بهما لا يسمع، وإذا كان كذلك فهو لا يفقه لآن منافذ العلم مسدودة فأفاد إنهم لا يبصرون ولا يسمعون ولا يفقهون. ثم إن ما ذكره في كل موطن هو المناسب من جهة آخري ذلك أنه قال في سورة يس (إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ) والصراط إنما يكون للسير فيه وسلوكه فذكر ما يمنع الكفرة من سلوك الصراط المستقيم والسير فيه وهو الأغلال في أعناقهم والسد من بين أيديهم ومن خلفهم، والسد إنما هو لمنعهم من السير، أما المؤمنون فإنهم على الصراط المستقيم يسلكونه ويتخذونه سبيلاً، ولم يذكر مثل ذلك في البقرة فكان ذكر السد مناسباً في سورة يس. وأما في سورة البقرة فقد قال إن هذا الكتاب لا ريب فيه وهو هدى للمتقين الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة وينفقون مما رزقهم الله، الذين يؤمنون بما أنزل إلى محمد وما أنزل من قبله ويوقنون بالآخرة. فالمسألة متعلقة بالإيمان والتقوى فذكر أن الكفرة مختوم على قلوبهم وعلى سمعهم وأن على أبصارهم غشاوة فانسدت منافذ الإيمان والتقوى، ومنافذ الإيمان والتقوى والعلم لدفع الريب هي السمع والبصر والقلب فذكر أن هذه كلها مغلقة. فأغلق منافذ السير على الصراط المستقيم في سورة يس وأغلق منافذ الإيمان والهدى في سورة البقرة، فناسب كل تعبير مكانه الذي هو أليق به. وقد تقول: ولم لم يكرر (جعلنا) من الخلف فيقول (وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا) كما قال في سورة النبأ (وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشًا )– 10،11. والجواب أن التكرار يفيد التأكيد، والسدان ليسا بمنزله واحدة فإن السد الذي من بين أيديهم يمنعهم من السير إلى أمام وهو أهم لأنه هو الموصل إلى الهدى وإلى الفلاح، وأما السد من خلف فهو مانع من الرجوع، والعود ليس أحمد. ولما لم يكن السدان بمنزلة واحدة من حيث الأهمية لم يجعلهما في التعبير بمنزله واحدة، فذكر الفعل في المهم وحذفه مما هو أقل أهمية، وأما تكراره في سورة النبأ فإن الليل والنهار كلاهما مهم للإنسان وحياته فلا تصلح الحياة بليل لا نهار فيها ولا تصلح بنهار لا ليل فيها، قال تعالى (قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِيَاءٍ أَفَلَا تَسْمَعُونَ قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهَارَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَفَلَا تُبْصِرُونَ) – القصص (71، 72). فلما كانت الحياة إنما تستقيم بالليل والنهار معاً جعلهما بمنزلة واحدة في التعبير فكرر الجعل مع كل واحد منهما والله أعلم. **من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الثاني من ص24 إلى ص29 1- التفسير الكبير 26/45-46

    — فاضل السامرائي

فتاوى متعلقة بالآية ٩ من سورة يس

فتوى واحدة تتعلق بهذه الآية

ترجمات معاني الآية ٩ من سورة يس

ترجمة معاني الآية إلى ٥٩ لغةً

(9) And We have put before them a barrier and behind them a barrier and covered them, so they do not see.
— الترجمة الإنجليزية - صحيح انترناشونال