محتويات صفحة تفسير الآية

تجد في هذه الصفحة تفسير الآية ٨ من سورة يس في ١٠٧ كتب من كتب التفسير، ومعاني غريب كلماتها، وإعرابها، و٣٢ قولًا من التفسير بالمأثور، وما يتصل بها من الموضوعات والوقفات والترجمات.

تفسير الآية ٨ من سورة يس

١٠٧ كتب من كتب التفسير

جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري

عن الكتاب
القول في تأويل قوله تعالى :﴿إِنّا جَعَلْنَا فِيَ أَعْناقِهِمْ أَغْلاَلاً فهي إِلَى الأذْقَانِ فَهُم مّقْمَحُونَ * وَجَعَلْنَا مِن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدّاً ومِنْ خَلْفِهِمْ سَدّاً فَأغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لاَ يُبْصِرُونَ﴾.
يقول تعالى ذكره : إنا جعلنا أيمان هؤلاء الكفار مغلولة إلى أعناقِهم بالأغلال، فلا تُبْسط بشيء من الخيرات وهي في قراءة عبد الله فيما ذُكر :«إنّا جَعَلْنا فِي أيمَانِهِمْ أغْلالاً فَهِيَ إلى الأَذْقانِ ». وقوله : إلى الأَذْقانِ يعني : فأَيمانهم مجموعة بالأغلال في أعناقهم، فكُنّي عن الأيمان، ولم يجر لها ذكر لمعرفة السامعين بمعنى الكلام، وأن الأغلال إذا كانت في الأعناق لم تكن إلاّ وأيدي المغلولين مجموعة بها إليها فاستغنى بذكر كون الأغلال في الأعناق من ذكر الأيمان، كما قال الشاعر :
وَما أَدْرِي إذَا يَمّمْتُ وَجْهاأُرِيدُ الخَيْرَ أيّهُما يَلِينِي
أألْخَيْرُ الّذِي أنا أبْتَغِيهِأمِ الشّرّ الّذِي لا يَأْتَلِينِي
فكنى عن الشرّ، وإنما ذكر الخير وحده لعلم سامع ذلك بمعنيّ قائله، إذ كان الشرّ مع الخير يُذكر. والأذقان : جمع ذَقَن، والذّقَن : مجمع اللّحْيَين.
وقوله : فَهُمْ مُقْمَحُونَ والمُقْمَح : هو المقنع، وهو أن يحدر الذقن حتى يصير في الصدر، ثم يرفع رأسه في قول بعض أهل العلم بكلام العرب من أهل البصرة. وفي قول بعض الكوفيين : هو الغاضّ بصره، بعد رفع رأسه. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك :
حدثني محمد بن سعد، قال : ثني أبي، قال : ثني عمي، قال : ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله : إنّا جَعَلْنا فِي أعْناقِهِمْ أغْلاَلاً فَهِيَ إلى الأَذْقان فَهُمْ مُقْمَحُونَ قال : هو كقول الله : وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إلى عُنُقِكَ يعني بذلك أن أيديهم موثقة إلى أعناقهم، لا يستطيعون أن يبسُطوها بخير.
حدثني محمد بن عمرو، قال : حدثنا أبو عاصم، قال : حدثنا عيسى وحدثني الحارث، قال : حدثنا الحسن، قال : حدثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قوله : فَهُمْ مُقْمَحُونَ قال : رافعو رؤوسهم، وأيديهم موضوعة على أفواههم.
حدثنا بشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله : إنّا جَعَلْنا فِي أعْناقِهِمْ أغْلالاً فَهِيَ إلى الأَذْقانِ فَهُمْ مُقْمَحُونَ : أي فهم مغلولون عن كلّ خير.
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
ذكر من قال ذلك:
حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة (لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أُنْذِرَ آبَاؤُهُمْ) قال بعضهم: لتنذر قومًا ما أنذر آباؤهم من إنذار الناس قبلهم. وقال بعضهم: لتنذر قومًا ما أنذر آباؤهم أي: هذه الأمة لم يأتهم نذير، حتى جاءهم محمد صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم.
واختلف أهل العربية في معنى "ما" التي في قوله (مَا أُنْذِرَ آبَاؤُهُمْ) إذا وجِّهَ معنى الكلام إلى أن آباءهم قد كانوا أنذروا، ولم يُرد بها الجحد؛ فقال بعض نحويي البصرة: معنى ذلك: إذا أريد به غير الجحد لتنذرهم الذي أُنذِر آباؤهم (فَهُمْ غَافِلُونَ) وقال: فدخول الفاء في هذا المعنى لا يجوز، والله أعلم. قال: وهو على الجحد أحسن، فيكون معنى الكلام: إنك لمن المرسلين إلى قوم لم ينذر آباؤهم، لأنهم كانوا في الفترة.
وقال بعض نحويي الكوفة: إذإ لم يُرد بما الجحد، فإن معنى الكلام: لتنذرهم بما أنذر آباؤهم، فتلقى الباء، فتكون "ما" في موضع نصب (فَهُمْ غَافِلُونَ) يقول: فهم غافلون عما الله فاعل: بأعدائه المشركين به، من إحلال نقمته، وسطوته بهم.
وقوله (لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلَى أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ) يقول تعالى ذكره: لقد وجب العقاب على أكثرهم، لأن الله قد حتم عليهم في أم الكتاب أنهم لا يؤمنون بالله، ولا يصدقون رسوله.
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلالا فَهِيَ إِلَى الأذْقَانِ فَهُمْ مُقْمَحُونَ (٨) وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ (٩)﴾
يقول تعالى ذكره: إنا جعلنا أيمان هؤلاء الكفار مغلولة إلى أعناقهم بالأغلال، فلا تُبسط بشيء من الخيرات. وهي في قراءة عبد الله فيما ذُكر (إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَيْمَانِهِمْ أَغْلالا فَهِيَ إِلَى الأذْقَانِ) وقوله (إِلَى الأذْقَانِ) يعني: فأيمانهم مجموعة بالأغلال في أعناقهم، فكُني عن الأيمان، ولم يجر لها ذكر لمعرفة السامعين بمعنى الكلام، وأن الأغلال إذا كانت في الأعناق لم تكن إلا وأيدي المغلولين مجموعة بها إليها، فاستغنى بذكر كون الأغلال في الأعناق من ذكر الأيمان، كما قال الشاعر:
وَما أدْرِي إذا يَمَّمْتُ وَجْهًاأُرِيدُ الخَيْرَ أيُّهُما يَلِينِي
أألخَيرُ الذي أنَا أبْتَغِيهِأم الشَّرُّ الَّذي لا يَأتَلِيني (١)
فكنى عن الشر، وإنما ذكر الخير وحده لعلم سامع ذلك بمعني قائله، إذ كان الشر مع الخير يذكر. والأذقان: جمع ذَقَن، والذَّقَنُ: مجمع اللَّحيين.
وقوله (فَهُمْ مُقْمَحُونَ) والمقمَح هو المقنع، وهو أن يحدر الذقن حتى يصير في الصدر، ثم يرفع رأسه في قول بعض أهل العلم بكلام العرب من أهل البصرة، وفي قول بعض الكوفيين: هو الغاض بصره بعد رفع رأسه.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل
(١) البيتان من الوافر، وهما لسحيم بن وثيل الرياحي. وقد سبق الاستشهاد بهما في (١٤: ١٥٧) عند قوله تعالى: (سرابيل تقيكم الحرب) في سورة النحل. واستشهد بهما هنا على أن قوله: "أريد الخير أيهما يليني" أي: أي الخير والشر يلني، فاكتفى بذكر الخير وكنى عن الشر، إذ كان معلوما من السياق كما في قوله تعالى: (إنا جعلنا في أعناقهم أغلالا) إذ لم يصر بذكر الأيمان لأن الأيمان إنما تكون في الأغلال مع الأعناق. فاكتفى بالأغلال عن ذكر الأيمان. قال الفراء في معاني القرآن (الورقة ٢٦٧) وقوله: (إنا جعلنا في أعناقهم أغلالا فهي إلى الأذقان) فكنى عن هي، وهي للأيمان، ولم تذكر. وذلك أن الغل لا يكون إلا في اليمين والعنق جامعا لليمين والعنق، فيكفي ذكر أحدهما من صاحبه، ومثله قول الشاعر: "وما أدري...." البيتين. فكنى عن الشر، وإنما ذكر الخير وحده. وذلك أن الشر يذكر مع الخير. وهي في قراءة عبد الله: (إنا جعلنا في أيمانهم أغلالا فهي إلى الأذقان) فكفت من ذكر (الأعناق) في حرف عبد الله، وكفت (الأعناق) من "الأيمان" في قراءة العامة. والذقن: أسفل اللحيين.
* ذكر من قال ذلك:
حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله (إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلالا فَهِيَ إِلَى الأذْقَانِ فَهُمْ مُقْمَحُونَ) قال: هو كقول الله (وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ) يعني بذلك أن أيديهم موثقة إلى أعناقهم، لا يستطيعون أن يبسطوها بخير.
حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قوله (فَهُمْ مُقْمَحُونَ) قال: رافعو رءوسهم، وأيديهم موضوعة على أفواههم.
حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله (إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلالا فَهِيَ إِلَى الأذْقَانِ فَهُمْ مُقْمَحُونَ) : أي فهم مغلولون عن كل خير.
وقوله (وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا) يقول تعالى ذكره: وجعلنا من بين أيدي هؤلاء المشركين سدًّا، وهو الحاجز بين الشيئين؛ إذا فتح كان من فعل بني آدم، وإذا كان من فعل الله كان بالضم. وبالضم قرأ ذلك قراء المدينة والبصرة وبعض الكوفيين. وقرأه بعض المكيين وعامة قراء الكوفيين بفتح السين (سَدًّا) في الحرفين كلاهما؛ والضم أعجب القراءتين إليّ في ذلك، وإن كانت الأخرى جائزة صحيحة.
وعنى بقوله (وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا) أنه زين لهم سوء أعمالهم فهم يَعْمَهُونَ، ولا يبصرون رشدًا، ولا يتنبهون حقًّا.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك:
حدثني ابن حميد، قال: ثنا حكام، عن عنبسة، عن محمد بن عبد الرحمن،
عن القاسم بن أبي بزة، عن مجاهد، في قوله (مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا) قال: عن الحق.
حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد (وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا) عن الحق فهم يترددون.
حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة (وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا) قال: ضلالات.
حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قول الله (وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ) قال: جعل هذا سدًّا بينهم وبين الإسلام والإيمان، فهم لا يخلصون إليه، وقرأ (وَسَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ) وقرأ (إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ)... الآية كلها، وقال: من منعه الله لا يستطيع.
وقوله (فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ) يقول: فأغشينا أبصار هؤلاء أي: جعلنا عليها غشاوة؛ فهم لا يبصرون هدى ولا ينتفعون به.
كما حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة (فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ) هدى، ولا ينتفعون به.
وذُكر أن هذه الآية نزلت في أبي جهل بن هشام حين حلف أن يقتله أو يشدخ رأسه بصخرة.
* ذكر الرواية بذلك:
حدثني عمران بن موسى، قال: ثنا عبد الوارث بن سعيد، قال: ثنا عُمارة بن أبي حفصة، عن عكرمة قال: قال أبو جهل: لئن رأيت محمدًا لأفعلن ولأفعلن، فأنزلت (إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلالا).. إلى قوله (فَهُمْ لا

تفسير القرآن العظيم — ابن كثير

عن الكتاب
يقول تعالى : إنا جعلنا هؤلاء المحتوم عليهم بالشقاء نسبتهم إلى الوصول إلى الهدى كنسبة من جُعل في عنقه غل، فجَمَع يديه مع عنقه تحت ذقنه، فارتفع رأسُه، فصار مقمَحا ؛ ولهذا قال :﴿فَهُمْ مُقْمَحُونَ﴾ والمقمح : هو الرافع رأسه، كما قالت أم زَرْع في كلامها :" وأشرب فأتقمَّح " أي : أشرب فأروى، وأرفع رأسي تهنيئا وتَرَوّيا. واكتفى بذكر الغل في العنق عن ذكر اليدين، وإن كانتا مرادتين، كما قال الشاعر(١) :
فَمَا أدْري إذَا يَمَّمْتُ أرْضًاأريد الخَيْرَ أيّهما يَليني
أالْخَيْرُ الذي أنَا أبْتَغيهأم الشَّرّ الذي لا يَأتَليني
فاكتفى بذكر الخير عن ذكر الشر لَمّا دل السياق والكلام عليه، (٢) وكذا هذا، لما كان الغُلّ إنما يعرف فيما جَمَع اليدين مع العنق، اكتفى بذكر العنق عن اليدين.
قال العوفي، عن ابن عباس في قوله :﴿إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلالا فَهِيَ إِلَى الأذْقَانِ فَهُمْ مُقْمَحُونَ﴾ قال : هو كقول الله(٣) تعالى :﴿وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ﴾ [الإسراء: ٢٩] يعني بذلك : أن أيديهم موثقة(٤) إلى أعناقهم، لا يستطيعون أن يبسطوها بخير.
وقال مجاهد :﴿فَهُمْ مُقْمَحُونَ﴾ قال : رافعو(٥) رؤوسهم، وأيديهم موضوعة على أفواههم، فهم مغلولون عن كل خير.
١ - البيت في تفسير الطبري (٢٢/٩٨)..
٢ - في ت :"لما دل عليه السياق"..
٣ - في ت :"كقوله"..
٤ - في ت :"موثوقة"..
٥ - في ت، س :"رافعى"..

تيسير الكريم الرحمن — السعدي

عن الكتاب
وذكر الموانع من وصول الإيمان لقلوبهم، فقال :﴿إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلَالًا﴾ وهي جمع " غل " و " الغل " ما يغل به العنق، فهو للعنق بمنزلة القيد للرجل، وهذه الأغلال التي في الأعناق(١)  عظيمة قد وصلت إلى أذقانهم ورفعت رءوسهم إلى فوق، ﴿فَهُمْ مُقْمَحُونَ﴾ أي : رافعو رءوسهم من شدة الغل الذي في أعناقهم، فلا يستطيعون أن يخفضوها.
١ - كذا في ب، وفي أ: الأذقان..
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
{١ - ١٢} ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ يس * وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ * إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ * عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ * تَنْزِيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ * لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أُنْذِرَ آبَاؤُهُمْ فَهُمْ غَافِلُونَ * لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلَى أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ * إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلالا فَهِيَ إِلَى الأذْقَانِ فَهُمْ مُقْمَحُونَ * وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ * وَسَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ * إِنَّمَا تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وَأَجْرٍ كَرِيمٍ * إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ وَكُلَّ شَيْءٍ أحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ﴾.
هذا قسم من الله تعالى بالقرآن الحكيم، الذي وصفه الحكمة، وهي وضع كل شيء موضعه، وضع الأمر والنهي في الموضع (١) اللائق بهما، ووضع الجزاء بالخير والشر في محلهما اللائق بهما، فأحكامه الشرعية والجزائية كلها مشتملة على غاية الحكمة.
ومن حكمة هذا القرآن، أنه يجمع بين ذكر الحكم وحكمته، فينبه العقول على المناسبات والأوصاف المقتضية لترتيب الحكم عليها.
﴿إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ هذا المقسم عليه، وهو رسالة محمد صلى الله عليه وسلم، وإنك من جملة المرسلين، فلست ببدع من الرسل، وأيضا فجئت بما جاء به الرسل من الأصول الدينية، وأيضا فمن تأمل أحوال (٢) المرسلين وأوصافهم، وعرف الفرق بينهم وبين غيرهم، عرف أنك من خيار المرسلين، بما فيك من الصفات الكاملة، والأخلاق الفاضلة.
ولا يخفى ما بين المقسم به، وهو القرآن الحكيم، وبين المقسم عليه، [وهو] رسالة الرسول محمد صلى الله عليه وسلم، من الاتصال، وأنه لو لم يكن لرسالته دليل ولا شاهد إلا هذا القرآن الحكيم، لكفى به دليلا وشاهدا على رسالة محمد صلى الله عليه وسلم، بل القرآن العظيم أقوى الأدلة المتصلة المستمرة على رسالة الرسول، فأدلة القرآن كلها أدلة لرسالة محمد صلى الله عليه وسلم.
ثم أخبر بأعظم أوصاف الرسول صلى الله عليه وسلم، الدالة على رسالته، وهو أنه ﴿عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ معتدل، موصل إلى الله وإلى دار كرامته، وذلك الصراط المستقيم، مشتمل على أعمال، وهي الأعمال الصالحة، المصلحة للقلب والبدن، والدنيا والآخرة، والأخلاق الفاضلة، المزكية للنفس، المطهرة للقلب، المنمية للأجر، فهذا الصراط المستقيم، الذي هو وصف الرسول صلى الله عليه وسلم، ووصف دينه الذي جاء به، فتأمل جلالة هذا القرآن الكريم، كيف جمع بين القسم بأشرف الأقسام، على أجل مقسم عليه، وخبر الله وحده كاف، ولكنه تعالى أقام من الأدلة الواضحة والبراهين الساطعة في هذا الموضع على صحة ما أقسم عليه، من رسالة رسوله ما نبهنا عليه، وأشرنا إشارة لطيفة لسلوك طريقه، وهذا الصراط المستقيم ﴿تَنزيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ﴾ فهو الذي أنزل به كتابه، وأنزله طريقا لعباده، موصلا لهم إليه، فحماه بعزته عن التغيير والتبديل، ورحم به عباده رحمة اتصلت بهم، حتى أوصلتهم إلى دار رحمته، ولهذا ختم الآية بهذين الاسمين الكريمين: العزيز. الرحيم.
فلما أقسم تعالى على رسالته وأقام الأدلة عليها، ذكر شدة الحاجة إليها واقتضاء الضرورة لها فقال: ﴿لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أُنْذِرَ آبَاؤُهُمْ فَهُمْ غَافِلُونَ﴾ وهم العرب الأميون، الذين لم يزالوا خالين -[٦٩٣]- من الكتب، عادمين الرسل، قد عمتهم الجهالة، وغمرتهم الضلالة، وأضحكوا عليهم وعلى سفههم عقول العالمين، فأرسل الله إليهم رسولا من أنفسهم، يزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة، وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين، فينذر العرب الأميين، ومن لحق بهم من كل أمي، ويذكر أهل الكتب بما عندهم من الكتب، فنعمة الله به على العرب خصوصا، وعلى غيرهم عموما. ولكن هؤلاء الذين بعثت فيهم لإنذارهم بعدما أنذرتهم، انقسموا قسمين: قسم رد لما جئت به، ولم يقبل النذارة، وهم الذين قال الله فيهم ﴿لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلَى أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ أي: نفذ فيهم القضاء والمشيئة، أنهم لا يزالون في كفرهم وشركهم، وإنما حق عليهم القول بعد أن عرض عليهم الحق فرفضوه، فحينئذ عوقبوا بالطبع على قلوبهم.
وذكر الموانع من وصول الإيمان لقلوبهم، فقال: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلالا﴾ وهي جمع "غل" و "الغل" ما يغل به العنق، فهو للعنق بمنزلة القيد للرجل، وهذه الأغلال التي في الأعناق (٣) عظيمة قد وصلت إلى أذقانهم ورفعت رءوسهم إلى فوق، ﴿فَهُمْ مُقْمَحُونَ﴾ أي: رافعو رءوسهم من شدة الغل الذي في أعناقهم، فلا يستطيعون أن يخفضوها.
﴿وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا﴾ أي: حاجزا يحجزهم عن الإيمان، ﴿فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ﴾ قد غمرهم الجهل والشقاء من جميع جوانبهم، فلم تفد فيهم النذارة. ﴿وَسَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ وكيف يؤمن من طبع على قلبه، ورأى الحق باطلا والباطل حقا؟!
والقسم الثاني: الذين قبلوا النذارة، وقد ذكرهم بقوله: ﴿إِنَّمَا تُنْذِرُ﴾ أي: إنما تنفع نذارتك، ويتعظ بنصحك ﴿مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ﴾ [أي:] من قصده اتباع الحق وما ذكر به، ﴿وَخَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ﴾ أي: من اتصف بهذين الأمرين، القصد الحسن في طلب الحق، وخشية الله تعالى، فهم الذين ينتفعون برسالتك، ويزكون بتعليمك، وهذا الذي وفق لهذين الأمرين ﴿فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ﴾ لذنوبه، ﴿وَأَجْرٍ كَرِيمٍ﴾ لأعماله الصالحة، ونيته الحسنة.
﴿إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي الْمَوْتَى﴾ أي: نبعثهم بعد موتهم لنجازيهم على الأعمال، ﴿وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا﴾ من الخير والشر، وهو أعمالهم التي عملوها وباشروها في حال حياتهم، ﴿وَآثَارَهُمْ﴾ وهي آثار الخير وآثار الشر، التي كانوا هم السبب في إيجادها في حال حياتهم وبعد وفاتهم، وتلك الأعمال التي نشأت من أقوالهم وأفعالهم وأحوالهم، فكل خير عمل به أحد من الناس، بسبب علم العبد وتعليمه ونصحه، أو أمره بالمعروف، أو نهيه عن المنكر، أو علم أودعه عند المتعلمين، أو في كتب ينتفع بها في حياته وبعد موته، أو عمل خيرا، من صلاة أو زكاة أو صدقة أو إحسان، فاقتدى به غيره، أو عمل مسجدا، أو محلا من المحال التي يرتفق بها الناس، وما أشبه ذلك، فإنها من آثاره التي تكتب له، وكذلك عمل الشر.
ولهذا: ﴿من سن سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة، ومن سن سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة﴾ وهذا الموضع، يبين لك علو مرتبة الدعوة إلى الله والهداية إلى سبيله بكل وسيلة وطريق موصل إلى ذلك، ونزول درجة الداعي إلى الشر الإمام فيه، وأنه أسفل الخليقة، وأشدهم جرما، وأعظمهم إثما.
﴿وَكُلَّ شَيْءٍ﴾ من الأعمال والنيات وغيرها ﴿أحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ﴾ أي: كتاب هو أم الكتب وإليه مرجع الكتب، التي تكون بأيدي الملائكة، وهو اللوح المحفوظ.
(١) في ب: في المحل.
(٢) كذا في ب، وفي أ: أصول.
(٣) كذا في ب، وفي أ: الأذقان.
جميع كتب التفسير لهذه الآية (١٠٧ كتب)
جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري تفسير القرآن العظيم — ابن كثير تفسير القرآن العظيم — ابن كثير تيسير الكريم الرحمن — السعدي أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن — الشنقيطي - أضواء البيان تيسير العلي القدير لاختصار تفسير ابن كثير — محمد نسيب الرفاعي أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير — أبو بكر الجزائري التفسير الميسر — مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف المختصر في تفسير القرآن الكريم — مركز تفسير للدراسات القرآنية تفسير مجاهد — مجاهد بن جبر غريب القرآن — زيد بن علي تفسير مقاتل بن سليمان — مقاتل بن سليمان تفسير يحيى بن سلام — يحيى بن سلام معاني القرآن — الفراء مجاز القرآن — أبو عبيدة معمر بن المثنى مجاز القرآن — أبو عبيدة تفسير القرآن — الصنعاني غريب القرآن — ابن قتيبة الدِّينَوري معاني القرآن وإعرابه للزجاج — الزجاج تفسير ابن أبي حاتم — ابن أبي حاتم الرازي تأويلات أهل السنة — أبو منصور المَاتُرِيدي بحر العلوم — أبو الليث السمرقندي تفسير القرآن العزيز — ابن أبي زَمَنِين الكشف والبيان عن تفسير القرآن — الثعلبي الهداية الى بلوغ النهاية — مكي بن أبي طالب النكت والعيون — الماوردي النكت والعيون — الماوردي تفسير القشيري — القشيري لطائف الإشارات — القشيري التفسير البسيط — الواحدي الوجيز في تفسير الكتاب العزيز — الواحدي تفسير السمعاني — أبو المظفر السمعاني جهود الإمام الغزالي في التفسير — أبو حامد الغزالي معالم التنزيل — البغوي الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل — الزمخشري المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز — ابن عطية إيجاز البيان عن معاني القرآن — بيان الحق النيسابوري تذكرة الاريب في تفسير الغريب — ابن الجوزي زاد المسير في علم التفسير — ابن الجوزي مفاتيح الغيب — فخر الدين الرازي تفسير العز بن عبد السلام — عز الدين بن عبد السلام أنوار التنزيل وأسرار التأويل — البيضاوي مدارك التنزيل وحقائق التأويل — أبو البركات النسفي التسهيل لعلوم التنزيل — ابن جُزَيِّ لباب التأويل في معاني التنزيل — الخازن البحر المحيط في التفسير — أبو حيان الأندلسي النهر الماد من البحر المحيط — أبو حيان الأندلسي التفسير القيم — ابن القيم التفسير القيم من كلام ابن القيم — ابن القيم الدر المصون في علوم الكتاب المكنون — السمين الحلبي اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل — أبو بكر الحداد اليمني كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل — أبو بكر الحداد اليمني التبيان في تفسير غريب القرآن — ابن الهائم تنوير المقباس من تفسير ابن عباس — الفيروزآبادي غرائب القرآن ورغائب الفرقان — نظام الدين القمي النيسابوري تفسير الجلالين — المَحَلِّي الجواهر الحسان في تفسير القرآن — الثعالبي نظم الدرر في تناسب الآيات والسور — برهان الدين البقاعي جامع البيان في تفسير القرآن — الإيجي محيي الدين الدر المنثور في التأويل بالمأثور — السُّيوطي الدر المنثور في التأويل بالمأثور — السُّيوطي الصراط المستقيم في تبيان القرآن الكريم — الكَازَرُوني السراج المنير في الإعانة على معرفة بعض معاني كلام ربنا الحكيم الخبير — الشربيني إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم — أبو السعود روح البيان — إسماعيل حقي التفسير المظهري — المظهري التفسير المظهري — محمد ثناء الله المظهري حاشية الصاوي على تفسير الجلالين — الصاوي فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير — الشوكاني فتح البيان في مقاصد القرآن — صديق حسن خان محاسن التأويل — جمال الدين القاسمي روح المعاني — الألوسي تفسير المراغي — أحمد بن مصطفى المراغي تفسير المراغي — المراغي المصحف المفسّر — فريد وجدي التفسير القرآني للقرآن — عبد الكريم يونس الخطيب أضواء البيان — محمد الأمين الشنقيطي تحرير المعنى السديد وتنوير العقل الجديد من تفسير الكتاب المجيد — ابن عاشور بيان المعاني — ملا حويش أوضح التفاسير — محمد عبد اللطيف الخطيب إعراب القرآن وبيانه — محيي الدين الدرويش التفسير الحديث — محمد عزة دروزة التفسير الحديث — دروزة تيسير التفسير — إبراهيم القطان تيسير التفسير — إبراهيم القطان صفوة البيان لمعاني القرآن — حسنين مخلوف الموسوعة القرآنية — إبراهيم الإبياري تفسير الشعراوي — الشعراوي تفسير القرآن الكريم — عبد الله محمود شحاتة التفسير الوسيط — محمد سيد طنطاوي التفسير المنير — وهبة الزحيلي حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن — محمد الأمين الهرري فتح الرحمن في تفسير القرآن — تعيلب التفسير الشامل — أمير عبد العزيز الصحيح المسبور من التفسير بالمأثور — بشير ياسين التفسير الميسر — التفسير الميسر المنتخب في تفسير القرآن الكريم — المنتخب أيسر التفاسير — أسعد حومد التفسير الواضح — محمد محمود حجازي المنتخب في تفسير القرآن الكريم — مجموعة من المؤلفين تفسير غريب القرآن - الكواري — كَامِلَة بنت محمد الكَوارِي صفوة التفاسير — محمد علي الصابوني كتاب نزهة القلوب — أبى بكر السجستاني كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل — أبو بكر الحدادي اليمني مختصر تفسير ابن كثير — محمد علي الصابوني معاني الكلمات من كتاب السراج في بيان غريب القرآن — محمد الخضيري

غريب الكلمات ومعانيها

معاني الكلمات الغريبة في الآية

السراج في بيان غريب القرآن
فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلَالًا
جُمِعَتْ أَيْدِيهِمْ إِلَى أَعْنَاقِهِمْ؛ تَمْثِيلٌ لِشِدَّةِ إِعْرَاضِهِمْ.
مُّقْمَحُونَ
رَافِعُونَ رُؤُوسَهُمْ، لَا يَسْتَطِيعُونَ خَفْضَهَا.

إعراب الآية ٨ من سورة يس

من كتاب: إعراب القرآن

مكسورة إلّا في قول الكسائي فإنّه يجيز فتحها لأن في الكلام معنى: أقسم.

[سورة يس (٣٦) : آية ٤]

عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (٤)
قال الضحاك: أي على طريقة مستقيمة. قال قتادة: أي على دين مستقيم. قال أبو إسحاق: عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ خبر بعد خبر، قال: ويجوز أن يكون من صلة المرسلين أي الذين أرسلوا على صراط مستقيم.

[سورة يس (٣٦) : آية ٥]

تَنْزِيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ (٥)
هذه قراءة أهل المدينة وأبي عمرو، وقرأ الكوفيون وعبد الله بن عامر اليحصبي تَنْزِيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ «١» بالنصب وحكي الخفض. قال أبو جعفر: فالرفع على إضمار مبتدأ أي الذي أنزل إليك تنزيل العزيز الرحيم، والنصب على المصدر، والخفض على البدل من القرآن.

[سورة يس (٣٦) : آية ٦]

لِتُنْذِرَ قَوْماً ما أُنْذِرَ آباؤُهُمْ فَهُمْ غافِلُونَ (٦)
لِتُنْذِرَ قَوْماً ما أُنْذِرَ آباؤُهُمْ ما لا موضع لها من الإعراب عند أكثر أهل التفسير لأنها نافية، وعلى قول عكرمة موضعها النصب لأنه قال: أي قد أنذر آباؤهم فتكون على هذا مثل قوله: فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صاعِقَةً [فصلت: ١٣] أي بصاعقة. فَهُمْ غافِلُونَ ابتداء وخبر.

[سورة يس (٣٦) : آية ٧]

لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلى أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ (٧)
لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلى أَكْثَرِهِمْ أي حقّ القول عليهم بالعذاب لكفرهم، ومثله وَلكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذابِ عَلَى الْكافِرِينَ [الزمر: ٧١].

[سورة يس (٣٦) : آية ٨]

إِنَّا جَعَلْنا فِي أَعْناقِهِمْ أَغْلالاً فَهِيَ إِلَى الْأَذْقانِ فَهُمْ مُقْمَحُونَ (٨)
إِنَّا جَعَلْنا فِي أَعْناقِهِمْ أَغْلالًا عن ابن عباس أنه قال: إن أبا جهل أقسم لئن رأيت محمدا صلّى الله عليه وسلّم يصلّي لأدمغنّه فأخذ حجرا والنبي صلّى الله عليه وسلّم يصلّي ليرميه به. فلما أومأ به إليه جفّت يده على عنقه، والتصق الحجر بيده فهو على هذا تمثيل أي بمنزلة من غلّت يده إلى عنقه. وروى ابن عيينة عن عمرو بن دينار قال: قرأ ابن عباس إنّا جعلنا في أيمانهم «٢» أغلالا فهي إلى الأذقان قال أبو إسحاق وقرئ إنّا جعلنا في أيديهم أغلالا قال أبو جعفر: هذه القراءة على التفسير، ولا يقرأ بما خالف المصحف، وفي
(١) انظر تيسير الداني ١٤٩، ومختصر ابن خالويه ١٢٤.
(٢) انظر معاني الفراء ٢/ ٣٧٣.
الإعراب الكامل من جميع الكتب مع تحليل الكلمات ←

الموضوعات القرآنية للآية ٨ من سورة يس

موضوعانِ تتناولها هذه الآية

أقوال المفسرين في الآية — التفسير بالمأثور

٣٢ قولًا من موسوعة التفسير بالمأثور

تفسير الآية

٧ أقوال
١
عن عبد الله بن عباس -من طريق عطية العوفي- في قوله: ﴿إنّا جَعَلْنا فِي أعْناقِهِمْ أغْلالًا فَهِيَ إلى الأَذْقانِ فَهُمْ مُقْمَحُونَ﴾، قال: هو كقول الله: ﴿ولا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إلى عُنُقِكَ﴾ [الإسراء:٢٩]، يعني بذلك: أنّ أيديهم مُوثَّقة إلى أعناقهم، لا يستطيعون أن يبسطوها بخير١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ١٩‏/‏٤٠٤.
٢
عن الضحاك بن مزاحم، في قوله: ﴿إنّا جَعَلْنا فِي أعْناقِهِمْ أغْلالًا﴾، قال: البُخل، أمسك الله أيديهم عن النفقة في سبيل الله١
التخريج
  1. ١أخرجه الخرائطي في مساوئ الأخلاق (٣٦٢).
٣
عن الحسن البصري -من طريق عمرو- قال: ﴿فَهِيَ إلى الأَذْقانِ﴾ مغلولة عن الخير١
التخريج
  1. ١أخرجه يحيى بن سلام ٢‏/‏٨٠١.
٤
عن قتادة بن دعامة -من طريق سعيد- في قوله: ﴿إنّا جَعَلْنا فِي أعْناقِهِمْ أغْلالًا﴾، قال: مغلولون عن كل خير١
التخريج
  1. ١أخرجه عبد الرزاق ٢‏/‏١٣٩، وابن جرير ١٩‏/‏٤٠٤. وعزاه السيوطي إلى عبد بن حميد، وابن أبي حاتم.
٥
عن قتادة بن دعامة -من طريق سعيد- ﴿الأَذْقانِ﴾: الوجوه، أي: قد غُلَّتْ يده، فهي عند وجهه١
التخريج
  1. ١أخرجه يحيى بن سلام ٢‏/‏٨٠١.
٦
قال مقاتل بن سليمان: ﴿إنّا جَعَلْنا فِي أعْناقِهِمْ أغْلالًا فَهِيَ إلى الأَذْقانِ﴾ يعني بالأذقان: الحنَك فوق الغَلْصَمَة١، يقول: رددنا أيديهم في أعناقهم، ﴿فَهُمْ مُقْمَحُونَ﴾ يعني: أن يجمع يديه إلى عنقه٢٣
التخريج
  1. ١الغَلْصَمَة: اللحم بين الرأس والعُنُق، أو العُجْرَة على ملتقى اللَّهاةِ والمريء، أو رأس الحلقوم، أو أصل اللسان. القاموس (الغَلْصَمَة).
  2. ٢تفسير مقاتل بن سليمان ٣‏/‏٥٧٣-٥٧٤.
تعليقات المحققين
  1. ٣ذكر ابنُ عطية (٧/٢٣٥) في قوله: ﴿فهي﴾ قولين، فقال: «وقوله تعالى: ﴿فَهِيَ﴾ يحتمل أن يعود على الأغلال، أي: هي عريضة تبلغ بحرفها الأذقان، والذقن: مجتمع اللحيين، فيضطر المغلول إلى رفع وجهه نحو السماء، وذلك هو الإقماح، وهو نحو الإقناع في الهيئة، ونحوه ما يفعله الإنسان والحيوان عند شرب الماء البارد، وعند الملوحات والحموضة القوية ونحوه. ويحتمل-وهو قول الطبري- أن تعود»هي«على الأيدي، وإن لم يتقدم لها ذكر؛ لوضوح مكانها من المعنى، وذلك أن الغل إنما يكون في العنق مع اليدين». وذكر ابنُ القيم (٢/٣٥٧) هذين القولين، ثم رجّح عود الضمير على الأغلال بقوله: «وهذا هو الظاهر». ولم يذكر مستندًا.
٧
عن عبد الله بن عباس، قال: الأغلال: ما بين الصدر إلى الذقن١
التخريج
  1. ١عزاه السيوطي إلى ابن أبي حاتم.

تفسير

١٠ أقوال
١
عن عبد الله بن عباس، قال: ﴿فَهُمْ مُقْمَحُونَ﴾ كما تُقْمَحُ الدابة باللِّجام١
التخريج
  1. ١عزاه السيوطي إلى ابن أبي حاتم.
٢
عن عبد الله بن عباس -من طريق عكرمة- في قوله: ﴿مُقْمَحُونَ﴾، قال: مجموعة أيديهم إلى أعناقهم تحت الذقن١
التخريج
  1. ١أخرج يحيى بن سلام ٢‏/‏٨٠٠ نحوه مختصرًا. وعزاه السيوطي إلى ابن أبي حاتم.
٣
عن عبد الله بن عباس، أنّ نافع بن الأزرق سأله عن قوله: ﴿مُقْمَحُونَ﴾. قال: المُقْمَحُ: الشامخ بأنفه، المُنَكَّسُ برأسه. قال: وهل تعرف العرب ذلك؟ قال: نعم، أما سمعت قول الشاعر: ونحن على جوانبها قعودٌ نَغُضُّ الطَّرْف كالإبل القِماح١
التخريج
  1. ١أخرجه الطستيُّ – كما في الإتقان ٢‏/‏٩٥.
٤
عن مجاهد بن جبر -من طريق ابن أبي نجيح- ﴿فَهُمْ مُقْمَحُونَ﴾، قال: رافعو رؤوسهم، وأيديهم موضوعةٌ على أفواههم١٢
التخريج
  1. ١تفسير مجاهد (٥٥٩)، وأخرجه يحيى بن سلام ٢‏/‏٨٠١ من طريق ابن مجاهد، وابن جرير ١٩‏/‏٤٠٤. وعزاه السيوطي إلى عبد بن حميد، وابن أبي حاتم.
تعليقات المحققين
  1. ٢لم يذكر ابن جرير (١٩/٤٠٤) غير قول مجاهد.
٥
عن مجاهد بن جبر -من طريق ابن جريج- قال: ﴿مقمحون﴾ رافعي أذقانهم، فأيديهم في أفواههم مرفوعة١
التخريج
  1. ١أخرجه إسحاق البستي ص١٧٩.
٦
عن الحسن البصري: ﴿فَهُمْ مُقْمَحُونَ﴾، المُقْمح: الطامِحُ ببصره، الذي لا يُبْصِرُ مَوْطِئ قدمِه، أي: حيث يطأ، أي: لا يُبْصِرُ الهدى١
التخريج
  1. ١علقه يحيى بن سلام ٢‏/‏٨٠١.
٧
عن قتادة بن دعامة -من طريق معمر- في قوله تعالى: ﴿فَهُمْ مُقْمَحُونَ﴾، قال: مُغلَّلون١
التخريج
  1. ١أخرجه عبد الرزاق ٢‏/‏١٣٩-١٤٠.
٨
قال مقاتل بن سليمان: ﴿فَهُمْ مُقْمَحُونَ﴾، يعني: أن يجمع يديه إلى عنقه١
التخريج
  1. ١تفسير مقاتل بن سليمان ٣‏/‏٥٧٣-٥٧٤.
٩
عن سفيان بن عيينة -من طريق ابن أبي عمر- في قوله: ﴿فهم مقمحون﴾: الإبل إذا شَرِبَتْ رفعت رؤوسها١
التخريج
  1. ١أخرجه إسحاق البستي ص١٨٠.
١٠
قال يحيى بن سلّام: ﴿إنّا جَعَلْنا فِي أعْناقِهِمْ أغْلالًا فَهِيَ إلى الأَذْقانِ فَهُمْ مُقْمَحُونَ﴾ فهم فيما يدعوهم إليه مِن الهدى بمنزلة الذي في عُنقه الغُلّ، فهو لا يستطيع أن يبسط يده، لا يقبلون الهدى١٢
التخريج
  1. ١علقه يحيى بن سلام ٢‏/‏٨٠٠.
تعليقات المحققين
  1. ٢نقل ابنُ عطية (٧/٢٣٥) عن مكيٍّ في هذه الآية قولَه: «هذه حقيقة في أحوال الآخرة إذا دخلوا النار». ثم انتقده مستندًا إلى السياق، فقال: «وقوله تعالى: ﴿فأغشيناهم فهم لا يبصرون﴾ يُضعِف هذا القول؛ لأنّ بصر الكافر يوم القيامة إنما هو حديدٌ يرى قبح حاله». ثم ذكر عن فرقة أنها قالت: «الآيةُ مستعارة المعنى مِن منع الله إيّاهم وحَوْلِه بينه وبينهم». ورجّحه مستندًا إلى السياق، فقال: «وهذا أرجح الأقوال؛ لأنه تعالى لما ذكر أنهم لا يؤمنون بما سبق لهم في الأزل عَقَّب ذلك بأن جعل لهم من المنع وإحاطة الشقاوة ما حالهم معه حال المغللين».

نزول الآيات، وتفسيرها

١٣ قولًا
١
عن ابن عباس = (٦٤٣٢٩) - وعلي
٢
٣
وعائشة بنت أبي بكر
٤
وعائشة بنت قدامة
٥
وسُراقة بن جُعْشُم، دخل حديثُ بعضِهم في بعض، قالوا: خرج رسولُ الله ﷺ والقومُ جلوسٌ على بابه، فأخذ حَفْنَةً مِن البطحاء، فجعل يَذُرُّها على رءوسهم، ويتلو: ﴿يس، والقرآن الحكيم﴾ الآيات. ومضى، فقال لهم قائلٌ: ما تَنتَظِرون؟ قالوا: محمدًا. قال: قد -واللهِ- مرَّ بكم. قالوا: واللهِ، ما أبصَرْناه. وقاموا يَنفُضون الترابَ عن رءوسهم، وخرج رسولُ الله ﷺ وأبو بكر إلى غار ثور، فدخلاه، وضرَبَتِ العنكبوتُ على بابه بعِشاشٍ بعضُها على بعض، وطلَبَته قريشٌ أشدَّ الطلبِ حتى انتهت إلى باب الغار، فقال بعضهم: إنّ عليه لَعنكبوتًا قبلَ ميلاد محمدٍ. فانصرفوا١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن سعد مطولًا ١‏/‏٢٢٧-٢٢٨.
٦
عن عبد الله بن عباس -من طريق الكلبي، عن أبي صالح- في قوله: ﴿وجَعَلْنا مِن بَيْنِ أيْدِيهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْناهُمْ فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ﴾:... وذلك أنّ ناسًا من بني مخزوم تواطؤوا بالنبي ﷺ ليقتلوه، منهم: أبو جهل، والوليد بن المغيرة، فبينا النبيُّ ﷺ قائمٌ يُصَلِّي سمعوا قراءته، فأرسلوا إليه الوليد ليقتله، فانطلق حتى أتى المكان الذي يصلي فيه، فجعل يسمع قراءته ولا يراه، فانصرف إليهم، فأعلمهم ذلك، فأتَوه، فلما انتهوا إلى المكان الذي هو يُصَلِّي فيه سمعوا قراءته، فيذهبون إلى الصوت، فإذا الصوت مِن خلفهم، فيذهبون إليه فيسمعونه أيضًا مِن خلفهم، فانصرفوا، ولم يجدوا إليه سبيلًا؛ فذلك قوله: ﴿وجَعَلْنا مِن بَيْنِ أيْدِيهِمْ سَدًّا ومِن خَلْفِهِمْ سَدًّا﴾ الآية١
التخريج
  1. ١أخرجه البيهقي في دلائل النبوة ٢‏/‏١٩٦-١٩٧ من طريق السدي الصغير، عن الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس به. إسناده ضعيف جدًّا، وقد قال عنه ابن حجر في العجاب ١‏/‏٢٦٣: «سلسلة الكذب».
٧
عن عبد الله بن عباس، في قوله: ﴿وجَعَلْنا مِن بَيْنِ أيْدِيهِمْ سَدًّا﴾، قال: اجتمعت قريشٌ بباب النبي ﷺ ينتظرون خروجَه لِيُؤذوه، فشَقَّ ذلك عليه، فأتاه جبريل بسورة يس، وأمره بالخروج عليهم، فأخذ كفًّا مِن تراب، وخرج وهو يقرؤها، ويَذُرُّ التراب على رؤوسهم، فما رأوه حتى جاز، فجعل أحدهم يلمس رأسه فيجد التراب، وجاء بعضُهم فقال: ما يُجلِسكم؟ قالوا: ننتظر محمدًا. فقال: لقد رأيته داخلًا المسجد. قال: قوموا، فقد سحركم١
التخريج
  1. ١عزاه السيوطي إلى ابن مردويه.
٨
عن عبد الله بن عباس -من طريق مجاهد- قال: اجتمعت قريشٌ عند باب رسول الله ﷺ -قال إسحاق: يعني: حين أراد الخروج إلى المدينة للهجرة-، فخرج عليهم، فأخذ اللهُ أبصارَهم دونه، فأخذ قبضةً مِن التراب فجعل يحثيها على رؤوسهم، ويقرأ: ﴿يس والقرآن الحكيم﴾، فمر بهم رجل يدري ما يصنعُ رسولُ الله ﷺ، فقال: ما يُقعِدُكم؟ قالوا: ننتظر محمدًا لنأخذه. فقال: خيَّبكم اللهُ، أما رأيتم محمدًا وما يصنع بكم؟! واللهِ، لقد خرج عليكم، فما ترك رجلًا منكم إلا وضع في رأسه ترابًا. فجعلوا ينفضون عن رؤوسهم التراب١
التخريج
  1. ١أخرجه إسحاق البستي ص١٧٩ عن محمد بن إسحاق، عمن لا يتهم، عن مجاهد به. فيه شيخ ابن إسحاق مجهول.
٩
عن مجاهد بن جبر، قال: اجتمعت قريشٌ، فبعثوا عُتبة بن ربيعة، فقالوا: ائْتِ هذا الرجل، فقل له: إنّ قومك يقولون: إنّك جئتَ بأمر عظيم، ولم يكن عليه آباؤنا، ولا يتَّبعك عليه أحدٌ مِنّا، وإنّك إنّما صنعتَ هذا أنّك ذو حاجة، فإن كنتَ تريد المال فإنّ قومك سيجمعون لك ويعطونك، فدع ما ترى، وعليك بما كان عليه آباؤك. فانطلق إليه عتبة، فقال له الذي أمروه، فلما فرغ من قوله وسكتْ قال رسول الله ﷺ: بسم الله الرحمن الرحيم ﴿حم * تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ فقرأ عليه من أولها حتى بلغ: ﴿فَإنْ أعْرَضُوا فَقُلْ أنْذَرْتُكُمْ صاعِقَةً مِثْلَ صاعِقَةِ عادٍ وثَمُودَ﴾ [فصلت:١-١٣]. فرجع عتبةُ، فأخبرهم الخبر، وقال: لقد كلَّمني بكلامٍ ما هو بشعر، ولا بسحر، وإنه لكلام عجيب، ما هو بكلام الناس. فوقعوا فيه، وقالوا: نذهب إليه بأجمعنا. فلمّا أرادوا ذلك طلع عليهم رسول الله ﷺ، فعمد لهم حتى قام على رءوسهم، وقال: بسم الله الرحمن الرحيم ﴿يس * والقُرْآنِ الحَكِيمِ﴾ حتى بلغ: ﴿إنّا جَعَلْنا فِي أعْناقِهِمْ أغْلالًا﴾. فضرب اللهُ بأيديهم على أعناقهم، فجعل مِن بين أيديهم سدًّا ومن خلفهم سدًّا، فأخذ ترابًا، فجعله على رءوسهم، ثم انصرف عنهم، ولا يدرون ما صَنع بهم، فلمّا انصرف عنهم رأوا الذي صَنع بهم، فعجبوا، وقالوا: ما رأينا أحدًا قط أسحر منه! انظروا ما صَنع بنا!١
التخريج
  1. ١عزاه السيوطي إلى عبد بن حميد.
١٠
عن عكرمة مولى ابن عباس -من طريق عمارة- قال: قال أبو جهل: لَئِن رأيتُ محمدًا لأفعلنَّ ولأفعلنَّ. فنَزلت: ﴿إنّا جَعَلْنا فِي أعْناقِهِمْ أغْلالًا﴾ إلى قوله: ﴿لا يُبْصِرُونَ﴾. فكانوا يقولون: هذا محمد. فيقول: أين هو، أين هو؟ لا يُبْصِره١٢
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ١٩‏/‏٤٠٦.
تعليقات المحققين
  1. ٢لم يذكر ابنُ جرير (١٩/٤٠٦) غير هذا الأثر. وذكره ابنُ عطية (٧/٢٣٥)، ثم ذكر قولًا آخر، فقال: «وقالت فرقة: الآيةُ مُستعارة المعاني مِن منع الله تعالى آباءهم من الإيمان، وحوْلِه بينهم وبينه». ورجّحه مستندًا إلى السياق بقوله: «وهذا أرجح الأقوال؛ لأنه تعالى لما ذكر أنهم لا يؤمنون بما سبق لهم في الأزل؛ عَقَّب ذلك بأن جعل لهم مِن المنع وإحاطة الشقاوة ما حالهم معه حال المغللين. والغُلّ: ما أحاط بالعُنق على معنى التَّضْييق والتثبيت والتعذيب والأسْر، ومع العنق اليدان أو اليد الواحدة، هذا معنى التغليل».
١١
عن عكرمة مولى ابن عباس -من طريق أيوب- قال: كان ناسٌ مِن المشركين مِن قريش يقول بعضهم: لو قد رأيتُ محمدًا لفعلتُ به كذا وكذا. فأتاهم النبيُّ ﷺ وهم في حلقة في المسجد، فوقف عليهم، فقرأ: ﴿يس * والقُرْآنِ الحَكِيمِ﴾ حتى بلغ: ﴿لا يُبْصِرُونَ﴾. ثم أخذ ترابًا، فجعل يذُرُّه على رؤوسهم، فما يرفع رجلٌ منهم إليه طَرْفه، ولا يتكلم كلمة، ثم جاوز النبيُّ ﷺ، فجعلوا ينفضون التراب عن رءوسهم ولحاهم: واللهِ، ما سمعنا، واللهِ، ما أبصرنا، واللهِ، ما عقلنا١
التخريج
  1. ١أخرجه عبد الرزاق ٢‏/‏١٣٩. وعزاه السيوطي إلى عبد بن حميد، وابن المنذر.
١٢
عن محمد بن كعب القرظي -من طريق يزيد بن أبي زياد- قال: اجتمع قريش -وفيهم أبو جهل- على باب النبيِّ ﷺ، فقالوا على بابه: إنّ محمدًا يزعم أنّكم إن بايعتموه على أمرِه كنتم ملوكَ العرب والعجم، ثم بُعِثتُم مِن بعد موتكم لكم جنانٌ كجنان الأردن، وإن لم تفعلوا كان لكم منه ذَبْح، ثم بُعِثتُم من بعد موتكم فجُعِلَت لكم نارٌ تُحرَقون فيها! فخرج رسول الله ﷺ، وأخذ حفنة من تراب في يده، ثم قال: «نعم، أنا أقول ذلك، وأنتَ أحدهم». وأخذ اللهُ على أبصارهم فلا يرونه، فجعل ينثر ذلك الترابَ على رءوسهم، وهو يتلو هذه الآيات: ﴿يس * والقُرْآنِ الحَكِيمِ﴾ إلى قوله: ﴿فَأَغْشَيْناهُمْ فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ﴾. حتى فرغ رسول الله ﷺ مِن هؤلاء الآيات، فلم يبق رجلٌ إلا وضع على رأسه ترابًا، ثم انصرف إلى حيث أراد أن يذهب، فأتاهم آتٍ مِمَّن لم يكن معهم، فقال: ما ينتظر هؤلاء؟ قالوا: محمدًا. قال: خيَّبكم الله! قد خرج -واللهِ- عليكم محمدٌ، ثم ما ترك منكم رجلًا إلا وضع على رأسه ترابًا، وانطلق لحاجته، فما ترون ما بكم؟! فوضع كلُّ رجلٍ منهم يدَه على رأسه، وإذا عليه تراب، فقالوا: لقد كان صَدَقَنا الذي حدَّثنا١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن إسحاق -كما في سيرة ابن هشام ١‏/‏٤٨٣-، وأبو نعيم في الدلائل (١٥٤). وعزاه السيوطي إلى ابن المنذر، وابن أبي حاتم.
١٣
قال مقاتل بن سليمان: ﴿إنّا جَعَلْنا فِي أعْناقِهِمْ أغْلالًا فَهِيَ إلى الأَذْقانِ فَهُمْ مُقْمَحُونَ﴾ وذلك أنّ أبا جهل بن هشام حلف: لَئِن رأى النبيَّ ﷺ ليدمَغنَّه. فأتاه أبو جهل وهو يصلي، ومعه الحَجر، فرفع الحَجر ليدمغ النبيَّ ﷺ، فيَبِسَتْ يدُه، والتصق الحجرُ بيده، فلما رجع إلى أصحابه خلَّصوا يده، فسألوه، فأخبرهم بأمر الحجر، فقال رجل آخر من بني المغيرة المخزومي: أنا أقتله. فأخذ الحجر، فلما دنا مِن النبي ﷺ طمس الله عز وجل على بصره، فلم يرَ النبيَّ ﷺ، وسمع قراءته، فرجع إلى أصحابه، فلم يُبْصِرهم حتى نادوه، فذلك قوله عز وجل: ﴿وجَعَلْنا مِن بَيْنِ أيْدِيهِمْ سَدًّا ومِن خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْناهُمْ فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ﴾ حين لم يرَ أصحابَه، فسألوه: ما صنعتَ؟ فقال: لقد سمعتُ قراءتَه وما رأيتُه. فأنزل الله عز وجل في أبي جهل: ﴿إنّا جَعَلْنا فِي أعْناقِهِمْ أغْلالًا فَهِيَ إلى الأَذْقانِ فَهُمْ مُقْمَحُونَ﴾. وأنزل الله عز وجل في الرجل الآخر: ﴿وجَعَلْنا مِن بَيْنِ أيْدِيهِمْ سَدًّا ومِن خَلْفِهِمْ سَدًّا﴾ يعني: ظُلمة، فلم ير النبي ﷺ ﴿ومِن خَلْفِهِمْ سَدًّا﴾ فلم ير أصحابه، وكان معهم الوليد بن المغيرة١
التخريج
  1. ١تفسير مقاتل بن سليمان ٣‏/‏٥٧٣-٥٧٤.

قراءات

قولانِ
١
عن عبد الله بن عباس، أنّه قرأ: (إنّا جَعَلْنا فِي أيْمانِهِمْ أغْلالًا)١
التخريج
  1. ١عزاه السيوطي إلى سعيد بن منصور، وعبد بن حميد، وابن المنذر. وهي قراءة شاذة، تروى أيضًا عن ابن مسعود، وأُبي. انظر: المحرر الوجيز ٤‏/‏٤٤٧، والجامع لأحكام القرآن ١٧‏/‏٤١٣.
٢
عن قتادة بن دعامة -من طريق سعيد- قال: في بعض القراءات: (إنّا جَعَلْنا فِي أيْمانِهِمْ أغْلالًا فَهِيَ إلى الأَذْقانِ فَهُم مُّقْمَحُونَ)١
التخريج
  1. ١أخرجه عبد الرزاق ٢‏/‏١٣٩، وابن جرير ١٩‏/‏٤٠٤. وعزاه السيوطي إلى عبد بن حميد، وابن أبي حاتم.
التفسير بالمأثور لسورة يس كاملة ←

وقفات تدبرية في الآية ٨ من سورة يس

٤ وقفات في هذه الآية

  • آية (8): (إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلَالًا فَهِيَ إِلَى الْأَذْقَانِ فَهُمْ مُقْمَحُونَ (8)) فكرة عامة عن الآية: قال تعالى (إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلَالًا فَهِيَ إِلَى الْأَذْقَانِ فَهُمْ مُقْمَحُونَ (8)) الأغلال جمع غُلّ حلقة من حديد تحيط بالعنق أو باليد أو تجمع بينهما بقصد التعنيف والإذلال والمقمح الذي يرفع رأسه ويغض بصره لأن الأغلال عريضة في أعناقهم إلى الأذقان وهي ضيقة، * من الأيدي إلى الأذقان؟ ذكر الأعناق هنا فقط لم يذكر الأيدي هنا. * سواء كان في الأيدي أو الأعناق فهو غل؟ نعم، لكن عندما قال (إلى الأذقان) يعني هي شملت كل العنق، عريضة لم تترك شيئاً إلى الذقن، وهي ضيقة عريضة فلا تدعه يتحرك لا يستطيع أن يحرك رأسه ولا أن يطأطئ عنقه ولذلك قال (فهم مقمحون). * ما معنى الأغلال وما معنى مقمحون؟ الأغلال جمع غُل وهو حلقة من حديد تحيط بالعنق أو باليد، قَيْد، أو تجمع بينهما (وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ (29) الإسراء). المُقمَح الذي يرفع رأسه ويغضّ بصره. لأن الغلّ يمنعه لا يستطيع أن يتحرك فهو إذن في حالة رافع رأسه لكن يغض البصر لا يستطيع أن يتحرك. جعل في أعناقهم أغلال ثقال أطواق من حديد غلاظ عراض المساحة تستوفي كل العنق فيبقى هكذا لا يستطيع أن يحرك رأسه، مرفوع الرأس مغمض العينين. لا يستطيع أن يلتفت لأن الأغلال تقيّد حركته. هؤلاء إذن لا يتمكنون من الرؤية ولا البصر ولا يهتدون لأنه هذه حالهم فكيف يهتدون؟ فإذن هم بهذه الصورة العنق كله في طوق ثقيل غليظ ليس واسع المساحة إلى العنق بحيث لا يتمكن أن يلتفت ويطأطئ رأسه إذن هو رافعاً رأسه (فهم مقمحون) بيان لحالتهم أن هؤلاء لا يهتدون لأنهم لا يبصرون، لا يبصر فكيف يهتدي؟! هذه حالتهم ولا يمكن حتى أن يلتفتوا لا إلى اليمين ولا إلى اليسار، يتخبط، هذه حالهم. ذكرنا في قوله تعالى (إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلَالًا فَهِيَ إِلَى الْأَذْقَانِ فَهُمْ مُقْمَحُونَ (8)) فبيّنا الغُل وقلنا هو حلقة من حديد وذكرنا أنه جعل في أعناقهم أغلالاً يعني طوق من حديد، هذه الأطواق ثِقال عِراض من حيث تشمل الرقبة كلها ليست واسعة الفتحة فهم لا يستطيعون الالتفات يميناً أو يساراً أو أن يطأطئ رأسه فيبقى رافع الرأس، المقمح هو الرافع رأسه الغاضّ بصره. * إذا نظرنا في هذه الآية سيدي الدكتور فاضل في قوله (إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلاَلاً) نعلم أن المفعول به غالباً يكون مرتبطاً بفاعله فلِمَ التقديم والتأخير بين (في أعناقهم أغلالاً)؟ التقديم والتأخير بحسب السياق والمقام الذي يرد فيه كما هو معلوم. فالكلام الآن عن الأغلال أو عن هؤلاء الناس؟ لم يذكر شيئاً من صفات الأغلال ولا شيء وإنما هو كل الكلام عنهم (في أعناقهم، فهم مقمحون، وجعلنا من بين أيديهم سداً، لقد حق القول على أكثرهم،) إذن ليس الكلام عن الأغلال وإنما الكلام عليهم، هكذا هو السياق (لقد حق القول على أكثرهم، وسواء عليهم أأنذرتهم) فلما كان الكلام عليهم قدّمهم، ليس الكلام عن الأغلال ليس هناك صفة للأغلال ولا ذكر شيئاً متعلقاً بها قال فقط (أغلالاً) ولم يقل فهي إلى الأذقان وإنما قال فهم مقمحون. لما كان الكلام عليهم هم قدّم ما يتعلق بهم. * هل هذا الأسلوب مُتّبع في اللغة الأعلى؟ هذه في اللغة العليا في البلاغة والتقديم والتأخير بحسب ما يقتضيه المقام والسياق فمرة يقدم الأفضل ومرة يقدم المفضول ومرة يقدم الأضعف ومرة يقدم الأقوى ومرة يقدم الأسبق في التربة وهكذا بحسب السياق. * تسمح لي كابن لك يتعلم منك، إذا قيل مثلاً إنا جعلنا أغلالاً في أعناقهم سنوجد المبررات لهذا أيضاً ونقول أنه اهتم بالأغلال فقدّمها؟ لكن لم يذكر شيئاً يتعلق بها، * إذن حتى الاهتمام لا بد له من قرينة سياقية؟ (لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أُنْذِرَ آَبَاؤُهُمْ فَهُمْ غَافِلُونَ (6) لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلَى أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (7) إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلَالًا فَهِيَ إِلَى الْأَذْقَانِ فَهُمْ مُقْمَحُونَ (8) وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ (9)) كل الكلام وكل السياق يتعلق بهم وليس بالأغلال ليس إلا هذه العبارة (إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلَالًا) الباقي أولها وآخرها وكل السياق هو الكلام عنهم. * إذن فهم الكلمة القرآنية يتأتى من خلال نظم الكلمات داخل الآية ليست مجرد وجهات نظر؟ أحياناً تكون مثل القانون الرياضي، أحياناً تكون الأمور ليس فيها اجتهاد - لمن يعلم- ، مثل الحكم النحوي مثلاً فاعل مرفوع، أحياناً تكون هكذا كأنه هو حُكم رياضي. * في الآية التي تفضلت بها (وَجَعَلْنَا مِن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا) نلاحظ سيدي أن الله سبحانه وتعالى قال (من بين أيديهم) ولم يقل وجعلنا بين أيديهم سداً فماذا أفادت (من) هنا؟ حتى قبلها قال (إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ (8)) أكّد بـ(إنّ) وأسند الجعل إلى نفسه حتى تأتي كلها (وجعلنا) لم يقل لقد جُعلت في أعناقهم أغلالاً نسبه إلى نفسه دلالة على أنه لا يتمكن أحد من إزالة هذا الأمر أو من فك هذه الأغلال، إنا جعلناها هكذا مؤكدة بنسبة الجعل إليه سبحانه هو. لو قال لقد جُعلت في أعناقهم أغلالاً يأتي واحد ويقول نفك الأغلال هذه، * السياق يحتمل هذا؟ لو قال هكذا، لكن عندما أسندها مؤكد إلى نفسه معناها ما قدّره الله حصل

    — فاضل السامرائي

  • قوله تعالى عن أبي لهب: ﴿وَامْرَأَتُهُحَمَّالَةَالْحَطَبِ﴿4﴾ فِيجِيدِهَاحَبْلٌمِنْمَسَدٍ﴿5﴾ ﴾[المسد: 4، 5] فالجيد لفظ لا يطلق إلا على المرأة، وبخاصة إذا ذكر الحلي والحسن، وهي موضع الحلية من عنقها، قال الأعشى: يوم أبدت لنا قتيلة عند جيد تليع تزينه الأطواق وقال ابن الرومي: وأحسن من عقد المليحة جيدها وأحسن من سربالها المتجرد وقال كثير بن عبد الرحمن: إذا ما أراد الغزو لم يثن همه حصان عليه عقد در يزينها وقال يزيد بن معاوية: إذا برزت ليلى من الخدر أبرزت لنا مبسما عذبا وجيدا مطوقا وقال الشماخ: دار الفتاة التي كنا نقول لها يا ظبية عطلا حسانة الجيد وقال العرجي: أبصرت وجهاً لها في جيده تلع تحت العقود وفي القرطين تشمير وقال البهاء زهير: أبدا أزيد مع الوصال تلهفا كالعقد في جيد المليحة يعلق وقال الحارث بن خالد المخزومي: ومنها علامات بمجرى وشاحها وأخرى تزين الجيد من موضع العقد وقال أمين الدين عبد الرحمن بن علي الموصلي: هويتها طفلة دقت محاسنها فطرفها نرجس والخد تفاح يتيمة الدهر نثر الدر من فمها والعقد في جيدها والوجه مصباح والعنق لفظ عام للرجل والمرأة وغيرهما، وحين يراد الغل والتعذيب يطلق لفظ العنق، كقوله تعالى﴿وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ ﴾[الإسراء: 29]، وقوله:﴿وَجَعَلْنَا الْأَغْلَالَ فِي أَعْنَاقِ الَّذِينَ كَفَرُوا ﴾[سبأ: 33]، وقوله: ﴿وَأُولَئِكَ الْأَغْلَالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ ﴾[الرعد: 5]، وقوله: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلَالًا ﴾[يس: 8]، وقوله:﴿إِذِ الْأَغْلَالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَالسَّلَاسِلُ يُسْحَبُونَ﴾[غافر: 71]. والغل والتعذيب هما المرادان في سورة المسد، فكيف جاء التعبير عن ذلك بخلاف الأصل، حيث عبر بالجيد، وليس بالعنق؟ الجواب عن ذلك –والله أعلم- أن النساء مغرمات بالتحلي والحلي، وحينما تبشر المؤمنات بلبس أحسن الحلي يوم القيامة تبشر العوراء أجمل بنت حرب أمرأة أبي لهب بحلي من نوع خاص لا يليق إلا بمثلها، وهو حبل من جهنم، يطوق عنقها، فهذا باب البشارة بالسوء، كقوله تعالى:﴿بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴿138﴾ ﴾[النساء: 138]. قال سعيد بن المسيب –رحمه الله- : "كانت لها قلادة فاخرة من جوهر، فحلفت لتنفقنها في عداوة محمد صلى الله عليه وسلم، فيكون ذلك عذابا في جسدها يوم القيامة"، وكانت تحمل الغضى والشوك والسعدان، فتطرحها بالليل على طريق النبي صلى الله عليه وسلم، فانظروا كيف جاء الجزاء من جنس العمل: حبل في مقابل حبل، وحلي مقابل حلي، لكن شتان بينهما؛ فلها يوم القيامة حبل طويل من نار تستعر، أو من ليف خشن.

    — صالح العايد

  • برنامج لمسات بيانية آية (8): (إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلَالًا فَهِيَ إِلَى الْأَذْقَانِ فَهُمْ مُقْمَحُونَ (8)) فكرة عامة عن الآية: قال تعالى (إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلَالًا فَهِيَ إِلَى الْأَذْقَانِ فَهُمْ مُقْمَحُونَ (8)) الأغلال جمع غُلّ حلقة من حديد تحيط بالعنق أو باليد أو تجمع بينهما بقصد التعنيف والإذلال والمقمح الذي يرفع رأسه ويغض بصره لأن الأغلال عريضة في أعناقهم إلى الأذقان وهي ضيقة، * من الأيدي إلى الأذقان؟ ذكر الأعناق هنا فقط لم يذكر الأيدي هنا. * سواء كان في الأيدي أو الأعناق فهو غل؟ نعم، لكن عندما قال (إلى الأذقان) يعني هي شملت كل العنق، عريضة لم تترك شيئاً إلى الذقن، وهي ضيقة عريضة فلا تدعه يتحرك لا يستطيع أن يحرك رأسه ولا أن يطأطئ عنقه ولذلك قال (فهم مقمحون). * ما معنى الأغلال وما معنى مقمحون؟ الأغلال جمع غُل وهو حلقة من حديد تحيط بالعنق أو باليد، قَيْد، أو تجمع بينهما (وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ (29) الإسراء). المُقمَح الذي يرفع رأسه ويغضّ بصره. لأن الغلّ يمنعه لا يستطيع أن يتحرك فهو إذن في حالة رافع رأسه لكن يغض البصر لا يستطيع أن يتحرك. جعل في أعناقهم أغلال ثقال أطواق من حديد غلاظ عراض المساحة تستوفي كل العنق فيبقى هكذا لا يستطيع أن يحرك رأسه، مرفوع الرأس مغمض العينين. لا يستطيع أن يلتفت لأن الأغلال تقيّد حركته. هؤلاء إذن لا يتمكنون من الرؤية ولا البصر ولا يهتدون لأنه هذه حالهم فكيف يهتدون؟ فإذن هم بهذه الصورة العنق كله في طوق ثقيل غليظ ليس واسع المساحة إلى العنق بحيث لا يتمكن أن يلتفت ويطأطئ رأسه إذن هو رافعاً رأسه (فهم مقمحون) بيان لحالتهم أن هؤلاء لا يهتدون لأنهم لا يبصرون، لا يبصر فكيف يهتدي؟! هذه حالتهم ولا يمكن حتى أن يلتفتوا لا إلى اليمين ولا إلى اليسار، يتخبط، هذه حالهم. ذكرنا في قوله تعالى (إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلَالًا فَهِيَ إِلَى الْأَذْقَانِ فَهُمْ مُقْمَحُونَ (8)) فبيّنا الغُل وقلنا هو حلقة من حديد وذكرنا أنه جعل في أعناقهم أغلالاً يعني طوق من حديد، هذه الأطواق ثِقال عِراض من حيث تشمل الرقبة كلها ليست واسعة الفتحة فهم لا يستطيعون الالتفات يميناً أو يساراً أو أن يطأطئ رأسه فيبقى رافع الرأس، المقمح هو الرافع رأسه الغاضّ بصره. * إذا نظرنا في هذه الآية سيدي الدكتور فاضل في قوله (إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلاَلاً) نعلم أن المفعول به غالباً يكون مرتبطاً بفاعله فلِمَ التقديم والتأخير بين (في أعناقهم أغلالاً)؟ التقديم والتأخير بحسب السياق والمقام الذي يرد فيه كما هو معلوم. فالكلام الآن عن الأغلال أو عن هؤلاء الناس؟ لم يذكر شيئاً من صفات الأغلال ولا شيء وإنما هو كل الكلام عنهم (في أعناقهم، فهم مقمحون، وجعلنا من بين أيديهم سداً، لقد حق القول على أكثرهم،) إذن ليس الكلام عن الأغلال وإنما الكلام عليهم، هكذا هو السياق (لقد حق القول على أكثرهم، وسواء عليهم أأنذرتهم) فلما كان الكلام عليهم قدّمهم، ليس الكلام عن الأغلال ليس هناك صفة للأغلال ولا ذكر شيئاً متعلقاً بها قال فقط (أغلالاً) ولم يقل فهي إلى الأذقان وإنما قال فهم مقمحون. لما كان الكلام عليهم هم قدّم ما يتعلق بهم. * هل هذا الأسلوب مُتّبع في اللغة الأعلى؟ هذه في اللغة العليا في البلاغة والتقديم والتأخير بحسب ما يقتضيه المقام والسياق فمرة يقدم الأفضل ومرة يقدم المفضول ومرة يقدم الأضعف ومرة يقدم الأقوى ومرة يقدم الأسبق في التربة وهكذا بحسب السياق. * تسمح لي كابن لك يتعلم منك، إذا قيل مثلاً إنا جعلنا أغلالاً في أعناقهم سنوجد المبررات لهذا أيضاً ونقول أنه اهتم بالأغلال فقدّمها؟ لكن لم يذكر شيئاً يتعلق بها، * إذن حتى الاهتمام لا بد له من قرينة سياقية؟ (لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أُنْذِرَ آَبَاؤُهُمْ فَهُمْ غَافِلُونَ (6) لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلَى أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (7) إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلَالًا فَهِيَ إِلَى الْأَذْقَانِ فَهُمْ مُقْمَحُونَ (8) وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ (9)) كل الكلام وكل السياق يتعلق بهم وليس بالأغلال ليس إلا هذه العبارة (إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلَالًا) الباقي أولها وآخرها وكل السياق هو الكلام عنهم. * إذن فهم الكلمة القرآنية يتأتى من خلال نظم الكلمات داخل الآية ليست مجرد وجهات نظر؟ أحياناً تكون مثل القانون الرياضي، أحياناً تكون الأمور ليس فيها اجتهاد - لمن يعلم- ، مثل الحكم النحوي مثلاً فاعل مرفوع، أحياناً تكون هكذا كأنه هو حُكم رياضي. * في الآية التي تفضلت بها (وَجَعَلْنَا مِن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا) نلاحظ سيدي أن الله سبحانه وتعالى قال (من بين أيديهم) ولم يقل وجعلنا بين أيديهم سداً فماذا أفادت (من) هنا؟ حتى قبلها قال (إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ (8)) أكّد بـ(إنّ) وأسند الجعل إلى نفسه حتى تأتي كلها (وجعلنا) لم يقل لقد جُعلت في أعناقهم أغلالاً نسبه إلى نفسه دلالة على أنه لا يتمكن أحد من إزالة هذا الأمر أو من فك هذه الأغلال، إنا جعلناها هكذا مؤكدة بنسبة الجعل إليه سبحانه هو. لو قال لقد جُعلت في أعناقهم أغلالاً يأتي واحد ويقول نفك الأغلال هذه، * السياق يحتمل هذا؟ لو قال هكذا، لكن عندما أسندها مؤكد إلى نفسه معناها ما قدّره الله حصل

    — فاضل السامرائي

  • (إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلَالًا فَهِيَ إِلَى الْأَذْقَانِ فَهُمْ مُقْمَحُونَ) الأغلال جمع غل وهو حلقة من حديد تحيط بالعنق أو باليد أو تجمع بينهما وتسمى الجامعة (1) وذلك بقصد التعنيف والتضييق والتعذيب والأسر (2). والمقمح الذي يرفع رأسه ويغض بصره (3). والمعنى إنه سبحانه جعل في أعناقهم أغلالاً ثقالاً غلاظاً عراض المساحة لا واسعة الفتحة تحيط بالعنق كله بحيث تبلغ إلى الذقن في تدع أحدهم يطأطئ رأسه أو يبصر ما تحته بل يبقى رافعاً رأسه غاضاً بصره فلا يتمكن من رؤية ما قدامه ولا ما تحته ولا ما خلفه بل لا يتمكن من الالتفات يمين أو يساراً لعرض الغل الذي يحيط بعنقه وضيقه فكيف طريقه أو يهتدي؟ وهذا تمثيل لحال هؤلاء الكفرة وبقائهم على ضلالهم فلا يتمكنون من الهدى ولا يعرفونه، وربما كان هذا حالهم أيضاً في الآخرة. جاء في (الكشاف): "ثم مثل تصميمهم على الكفر وأنه لا سبيل إلى ارعوائهم بأن جعلهم كالمغلولين المقمحين في أنهم لا يلتفتون إلى الحق ولا يعطفون أعناقهم نحوه ولا يطأطئون رؤوسهم له وكالحاصلين بين سدين لا يبصرون ما قدامهم ولا ما خلفهم في أن لا تأمل لهم ولا تبصر وأنهم متعامون عن النظر في آيات الله. فإن قلت: ما معنى قوله (فهي إلى الأذقان)؟ قلت: معناه فالأغلال واصلة إلى الأذقان ملزوزه إليها وذلك أن طوق الغل الذي في عنق المغلول يكون ملتقى طرفيه تحت الذقن حلقة فيها رأس العمود نادراً من الحلقة إلى الذقن فلا تخليه يطأطئ رأسه ويوطئ قذاله فلا يزال مقمحاً. والمقمح الذي يرفع رأسه ويغض بصره، يقال قمح البعير فهو قامح إذا روى فرفع رأسه" (4). وجاء في (التفسير الكبير): "معناه إنا جعلنا في أعناقهم أغلالاً ثقالاً غلاظاً بحيث تبلغ إلى الأذقان فلم يتمكن المغلول معها من أن يطأطئ رأسه. (المسألة الثالثة) كيف يفهم من الغل في العنق المنع من الإيمان حتى يجعل كناية؟ فنقول: المغلول الذي بلغ الغل إلى ذقنه وبقي مقمحاً رافع الرأس لا يبصر الطريق الذي عند قدمه، وذكر بعده أن بين يديه سداً ومن حلفه سداً فهو لا يقدر على انتهاج السبيل ورؤيته، وقد ذكر من قبل أن المرسل على صراط مستقيم فهذا الذي يهديه النبي إلى الصراط المستقيم العقلي جعل ممنوعاً كالمغلول الذي يجعل ممنوعً من إبصار الطريق الحسي. ويحتمل وجهاً آخر وهو أن يقال الأغلال في الأعناق عبارة عن عدم الانقياد فإن المنقاد يقال فيه أنه وضع رأسه على الخط وخضع عنقه والذي في رقبته الغل الثخين إلى الذقن لا يطأطئ رأسه ولا يحركه تحريك المصدق" (5). وإسناد هذا الأمر إلى نفسه سبحانه وتأكيده بإن دال على استحكام هذا الأمر وأنه لا يتمكن أحد من فك هذا الغل فلا يتحررون منه، وهو تأكيد لقوله (لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلَى أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ) فإنه هو الذي جعل الأغلال في أعناقهم فحق قوله عليهم لما علم من عدم اهتدائهم، ولو قال (لقد جعلت في أعناقهم أغلال) لكان ثمة أمل في فك الأغلال ولكن لا يستطيع أحد أن يغير ما قدره الله وحكمه فلا يفك أحد ما أغلقه ربنا ولا يغلق ما فتحه. وقال (إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلَالًا ) فقدم (أعناقهم) على الأغلال ولم يقل (إنا جعلنا أغلالاً في أعناقهم) لأن الكلام عليهم وهم مدار الحديث فكان تقديم ما تعلق بهم أولى. **من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الثاني من ص22 إلى ص24 1- انظر لسان العرب 14/13، تاج العروس 8/49. 2- انظر البحر المحيط 7/324. 3- الكشاف 2/682. 4- الكشاف 2/582. 5- التفسير الكبير 26/44 – 45

    — فاضل السامرائي

ترجمات معاني الآية ٨ من سورة يس

ترجمة معاني الآية إلى ٥٩ لغةً

(8) Indeed, We have put shackles on their necks, and they are to their chins, so they are with heads [kept] aloft.
— الترجمة الإنجليزية - صحيح انترناشونال