بحر العلوم — أبو الليث السمرقندي
عن الكتاب
﴿إِنَّا جَعَلْنَا في أعناقهم أغلالا﴾ قال مقاتل : نزلت في بني مخزوم، وذلك أن أبا جهل حلف لئن رأى النبي ﷺ ليدفعنه بحجر، فأتاه وهو يصلي، فرفع الحجر ليدمغه، فيبست يده إلى عنقه، والتزق الحجر بيده، ورجع إلى أصحابه، فخلصوا الحجر من يده. ورجل آخر من بني المغيرة، أتاه ليقتله، فطمس الله على بصره، فلم يرَ النبي ﷺ، وسمع قوله، فرجع إلى أصحابه، فلم يرهم حتى نادوه، فذلك قوله تعالى :﴿إِنَّا جَعَلْنَا في أعناقهم أغلالا فَهِي إِلَى الأذقان فَهُم مُّقْمَحُونَ وَجَعَلْنَا مِن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدّاً ومِنْ خَلْفِهِمْ سَدّاً﴾ وذكر في رواية الكلبي نحو هذا، وقال بعضهم :﴿إِنَّا جَعَلْنَا في أعناقهم أغلالا﴾ أي : نجعل في أعناقهم أغلالاً يوم القيامة. ويقال : معناه ﴿إِنَّا جَعَلْنَا في أعناقهم أغلالا﴾ أي : جعلنا أيديهم ممسكة عن الخيرات، مجازاة لكفرهم. ﴿وَجَعَلْنَا مِن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدّاً﴾ أي : حائلاً لا يهتدون إلى الإسلام، ولا يبصرون الهدى، وقال بعضهم :﴿إِنَّا جَعَلْنَا في أعناقهم أغلالا﴾ يعني : أيديهم. ولم يذكر في الآية اليد، وفيها دليل، لأن الغل لا يكون إلا باليد إلى العنق. فلما ذكر العنق فكأنما ذكر اليد. وروي عن ابن عباس، وابن مسعود، أنهما قرآ :{ إنا جعلنا في { أيمانهم أغلالا }. وقرأ بعضهم ﴿في أَيْدِيهِمْ﴾. وكل ذلك يرجع إلى معنى واحد. لأنه لا يجوز أن يكون الغل بأحدهما دون الآخر كقوله :﴿والله جَعَلَ لَكُمْ مِّمَّا خَلَقَ ظلالا وَجَعَلَ لَكُمْ مِّنَ الجبال أكنانا وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الحر وسرابيل تَقِيكُم بَأْسَكُمْ كَذَلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ﴾ [النحل: ٨١] ولم يذكر البرد لأن في الكلام دليلاً عليه.
ثم قال :﴿فَهِي إِلَى الأذقان فَهُم مُّقْمَحُونَ﴾ أي : رددنا أيديهم إلى أعناقهم ﴿إِلَى الأذقان﴾ أي : الحنك الأيسر ﴿مُّقْمَحُونَ﴾ أي : رافعو الرأس إلى السماء، غاضّو الطرف لا يبصر موضع قدميه. وقال قتادة : أي مغلولين من كل خير.
ثم قال :﴿فَهِي إِلَى الأذقان فَهُم مُّقْمَحُونَ﴾ أي : رددنا أيديهم إلى أعناقهم ﴿إِلَى الأذقان﴾ أي : الحنك الأيسر ﴿مُّقْمَحُونَ﴾ أي : رافعو الرأس إلى السماء، غاضّو الطرف لا يبصر موضع قدميه. وقال قتادة : أي مغلولين من كل خير.