تفسير القرآن العظيم — ابن كثير

عن الكتاب
يقول تعالى : إنا جعلنا هؤلاء المحتوم عليهم بالشقاء نسبتهم إلى الوصول إلى الهدى كنسبة من جُعل في عنقه غل، فجَمَع يديه مع عنقه تحت ذقنه، فارتفع رأسُه، فصار مقمَحا ؛ ولهذا قال :﴿فَهُمْ مُقْمَحُونَ﴾ والمقمح : هو الرافع رأسه، كما قالت أم زَرْع في كلامها :" وأشرب فأتقمَّح " أي : أشرب فأروى، وأرفع رأسي تهنيئا وتَرَوّيا. واكتفى بذكر الغل في العنق عن ذكر اليدين، وإن كانتا مرادتين، كما قال الشاعر(١) :
فَمَا أدْري إذَا يَمَّمْتُ أرْضًاأريد الخَيْرَ أيّهما يَليني
أالْخَيْرُ الذي أنَا أبْتَغيهأم الشَّرّ الذي لا يَأتَليني
فاكتفى بذكر الخير عن ذكر الشر لَمّا دل السياق والكلام عليه، (٢) وكذا هذا، لما كان الغُلّ إنما يعرف فيما جَمَع اليدين مع العنق، اكتفى بذكر العنق عن اليدين.
قال العوفي، عن ابن عباس في قوله :﴿إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلالا فَهِيَ إِلَى الأذْقَانِ فَهُمْ مُقْمَحُونَ﴾ قال : هو كقول الله(٣) تعالى :﴿وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ﴾ [الإسراء: ٢٩] يعني بذلك : أن أيديهم موثقة(٤) إلى أعناقهم، لا يستطيعون أن يبسطوها بخير.
وقال مجاهد :﴿فَهُمْ مُقْمَحُونَ﴾ قال : رافعو(٥) رؤوسهم، وأيديهم موضوعة على أفواههم، فهم مغلولون عن كل خير.
١ - البيت في تفسير الطبري (٢٢/٩٨)..
٢ - في ت :"لما دل عليه السياق"..
٣ - في ت :"كقوله"..
٤ - في ت :"موثوقة"..
٥ - في ت، س :"رافعى"..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى