مدارك التنزيل وحقائق التأويل — أبو البركات النسفي
عن الكتاب
﴿وَإِن يَمْسَسْكَ الله﴾ يصبك ﴿بِضُرّ﴾ مرض ﴿فَلاَ كاشف لَهُ﴾ لذلك الضر ﴿إِلاَّ هُوَ﴾ إلاَّ الله ﴿وَإِن يُرِدْكَ بِخَيْرٍ﴾ عافية ﴿فَلاَ رَادَّ لِفَضْلِهِ﴾ فلا رادَّ لمراده ﴿يُصَيبُ بِهِ﴾ بالخير ﴿مَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ﴾ قطع بهذه الآية على عباده طريق الرغبة والرهبة إلا إليه والاعتماد إلا عليه ﴿وَهُوَ الغفور﴾ المكفر بالبلاء ﴿الرحيم﴾ المعافي بالعطاء، أتبع النهي عن عبادة الأوثان ووصفها بأنها لا تنفع ولا تضر أن الله هو الضار النافع الذي إن أصابك بضر لم يقدر على كشفه إلا هو وحده دون كل أحد، فكيف بالجماد الذي لا شعور به ؟ وكذا إن أرادك بخير لم يرد أحد ما يريده بك من الفضل والإحسان فكيف بالأوثان ؟ وهو الحقيق إذاً بأن توجه إليه العبادة دونها وهو أبلغ من قوله ﴿إِنْ أَرَادَنِىَ الله بِضُرّ هَلْ هُنَّ كاشفات ضُرّهِ أَوْ أَرَادَنِى بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ ممسكات رَحْمَتِهِ﴾ [الزمر: ٣٨] وإنما ذكر المس في أحدهما والإرادة في الآخر كأنه أراد أن يذكر الأمرين : الإرادة والإصابة في كل واحد من الضر والخير، وأنه لاراد لما يريد منهما ولا مزيل لما يصيب به منهما، فأوجز الكلام بأن ذكر المس وهو الإصابة في أحدهما والإرادة في الآخر ليدل بما ذكر على ما ترك على أنه قد ذكر الإصابة بالخير في قوله ﴿يصيب به من يشاء من عباده﴾