فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير — الشوكاني

عن الكتاب
وجملة ﴿وَإِن يَمْسَسْكَ الله بِضرّ﴾ إلى آخرها مقرّرة لمضمون ما قبلها. والمعنى : أن الله سبحانه هو الضار النافع. فإن أنزل بعبده ضراً لم يستطع أحد أن يكشفه كائناً من كان، بل هو المختص بكشفه كما اختصّ بإنزاله ﴿وَإِن يُرِدْكَ بِخَيْرٍ﴾ أيّ : خير كان لم يستطع أحد أن يدفعه عنك، ويحول بينك وبينه كائناً من كان، وعبر بالفضل مكان الخير للإرشاد إلى أنه يتفضل على عباده بما لا يستحقونه بأعمالهم. قال الواحدي : إن قوله :﴿وَإِن يُرِدْكَ بِخَيْرٍ﴾ هو من القلب، وأصله وإن يرد بك الخير، ولكن لما تعلق كل واحد منهما بالآخر جاز أن يكون كل واحد منهما مكان الآخر. قال النيسابوري : وفي تخصيص الإرادة بجانب الخير، والمسّ بجانب الشرّ دليل على أن الخير يصدر عنه سبحانه بالذات، والشرّ بالعرض. قلت : وفي هذا نظر، فإن المسّ هو أمر وراء الإرادة، فهو مستلزم لها، والضمير في " يصيب به " راجع إلى " فضله " : أي يصيب بفضله من يشاء من عباده. وجملة :﴿وَهُوَ الغفور الرحيم﴾ تذييلية.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:وقد أخرج أبو الشيخ، عن السديّ في قوله :﴿وَمَا تُغْنِي الآيات والنذر عَن قَوْمٍ﴾ يقول : عند قوم ﴿لاَ يُؤْمِنُونَ﴾ نسخت قوله :﴿حِكْمَة بالغة فَمَا تُغْنِي النذر﴾. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن قتادة، في قوله :﴿فَهَلْ يَنتَظِرُونَ إِلاَّ مِثْلَ أَيَّامِ الذين خَلَوْا مِن قَبْلِهِمْ﴾ قال : وقائع الله في الذين خلوا من قبلهم، قوم نوح، وعاد، وثمود.
وأخرج ابن جرير، وأبو الشيخ، عن الربيع في الآية قال : خوّفهم عذابه ونقمته وعقوبته، ثم أخبرهم أنه إذا وقع من ذلك أمر نجى الله رسله والذين آمنوا، فقال :﴿ثُمَّ نُنَجّي رُسُلَنَا والذين آمَنُواْ﴾ الآية. وأخرج أبو الشيخ، عن السديّ، في قوله :﴿وَإِن يُرِدْكَ بِخَيْرٍ﴾ يقول : بعافية. وأخرج البيهقي في الشعب، عن عامر بن قيس، قال : ثلاث آيات في كتاب الله اكتفيت بهنّ عن جميع الخلائق : أوّلهنّ :﴿وَإِن يَمْسَسْكَ الله بِضُرّ فَلاَ كَاشِفَ لَهُ إِلاَّ هُوَ وَإِن يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلاَ رَادّ لِفَضْلِهِ﴾، والثانية :﴿مَّا يَفْتَحِ الله لِلنَّاسِ مِن رَحْمَةٍ فَلاَ مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلاَ مُرْسِلَ لَهُ﴾، والثالثة :﴿وَمَا مِن دَابَّةٍ فِي الأرض إِلاَّ عَلَى الله رِزْقُهَا﴾. وأخرج أبو الشيخ، عن الحسن، نحوه. وأخرج أبو الشيخ، عن مجاهد، في قوله :﴿فَلاَ رَادَّ لِفَضْلِهِ﴾ قال : هو الحق المذكور في قوله :﴿قَدْ جَاءكُمُ الحق مِن رَّبّكُمْ﴾. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، في قوله :﴿واصبر حتى يَحْكُمَ الله﴾ قال : هذا منسوخ، أمره بجهادهم والغلظة عليهم.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى