اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي
عن الكتاب
قوله تعالى :﴿وَلَوْ يُعَجِّلُ الله. . .﴾ الآية.
هذا الامتناعُ نفيٌ في المعنى، تقديره : لا يُعَجِّلُ الله لهم الشَّر، قال الزمخشري :" فإن قلت : كيف اتَّصل به قوله :﴿فَنَذَرُ الذين لاَ يَرْجُونَ لِقَآءَنَا﴾، وما معناها ؟ قلت : قوله " وَلَوْ يُعَجِّلْ " متضمِّن معنى نفي التَّعجيلِ، كأنَّه قيل : ولا نُعَجِّل لهم بالشَّرِّ، ولا نقضي إليهم أجلهم ".
قوله " استعجالهم " فيه أوجهٌ :
أحدها : أنَّه منصوبٌ على المصدر التَّشبيهيِّ، تقديره : استعجالاً مثل استعجالهم، ثُمَّ حذف الموصوف، وهو " اسْتِعْجَال "، وأقام صفته مقامه، وهي " مِثل "، فبقي : ولو يعجِّل الله مثل استعجالهم، ثم حذف المضاف، وأقام المضاف إليه مقامه، قال مكِّي :" وهذا مذهبُ سيبويه "، وقد تقدَّم مراراً أنَّ مذهب سيبويه في هذا، أنَّه منصوبٌ على الحالِ من ذلك المصدرِ المُقدَّرِ، وإن كان مشهورُ أقوالِ المُعْربين غيره، ففي نسبةِ ما ذكرناه أولاً لسيبويه نظرٌ.
والثاني : أن تقديره : تعجيلاً مثل استعجالهم، ثم فعل به ما تقدَّم قبله، وهذا تقديرُ أبي البقاء، فقدَّر المحذوف مطابقاً للفعل الذي قبلهُ ؛ فإنَّ " تَعْجِيلاً " مصدر ل " عَجّلَ "، وما ذكره مكِّي موافقٌ للمصدر الذي بعده.
والذي يظهر ؛ ما قدَّره أبو البقاء ؛ لأنَّ موافقة الفعل أولى، ويكون قد شبَّه تعجيله تعالى باستعجالهم، بخلاف ما قدَّره مكِّي، فإنَّه لا يظهر ؛ إذ ليس " اسْتِعْجَال " مصدراً ل " عَجَّل "، وقال الزمخشري :" أصله : ولو يعجِّل الله للنَّاس الشرَّ تعجيله لهم الخير، فوضع " اسْتِعْجَالهُم بالخَيْرِ " موضع تعجيله لهم الخيرَ ؛ إشعاراً بسُرعةِ إجابته لهُمْ وإسعافه بطلبهم، كأنَّ استعجالهُم بالخير تعجيلٌ لهُم "، قال أبو حيَّان :" ومدلُولُ " عَجَّل " غير مدلول " اسْتَعْجَل " ؛ لأنَّ " عَجَّل " يدلُّ على الوقوع، و " اسْتَعْجَل " يدلُّ على طلب التَّعجيل، وذلك واقعٌ من الله - تعالى -، وهذا مضافٌ إليهم، فلا يكون التقدير على ما قاله الزمخشري، فيحتمل وجهين :
أحدهما : أن يكون التقدير : تَعْجِيلاً مثل استعجالهم بالخير، فشبَّه التَّعجيل بالاستعجالِ ؛ لأنَّ طلبهم للخَيْر، ووقوع تعجيله مقدَّمٌ عندهم على كلِّ شيء.
والثاني : أن يكون ثمَّ محذوفٌ يدلُّ عليه المصدر تقديره : ولو يُعَجِّل اللهُ للنَّاسِ الشرَّ، إذا استعجلوا به اسْتعْجَالهُم بالخير ؛ لأنَّهم كانوا يَسْتَعْجِلُون بالشرِّ ووقوعه على سبيل التَّهكم، كما كانُوا يَسْتعجلُون بالخير ".
الثالث : أنَّه منصوبٌ على إسقاط الخافض، وهو كاف التَّشبيه، والتقدير : كاستعجالهم.
قال أبُو البقاء :" وهو بعيدٌ ؛ إذ لو جاز ذلك، لجاز " زيدٌ غلام عمرو " أي : كغلام عمرو ". وبهذا ضعَّفهُ جماعةٌ، وليس بتضعيفٍ صحيحٍ ؛ إذ ليس في المثال الذي ذكر فعلٌ يتعدَّى بنفسه عند حذف الجارِّ، وفي الآية فعلٌ يَصِحُّ فيه ذلك، وهو قوله :" يُعَجل "، وقال مكِّي(١) :" ويَلزَمُ مَنْ يجُوِّز حذفَ حرفِ الجر منه، أن يُجيز " زيدٌ الأسدُ "، أي : كالأسد ".
قال شهابُ الدِّين(٢) :" قوله : ويَلْزَمُ. . إلى آخره "، لا رَدَّ فيه على هذا القائل، إذ يلتزمه، وهو التزامٌ صحيحٌ سائغٌ ؛ إذ لا يُنكِرُ أحَدٌ " زيدٌ الأسد "، على معنى : كالأسَد، وعلى تقدير التَّسليم، فالفرقُ ما ذكره أبو البقاء، أي : إنَّ الفعل يطلب مصدراً مُشَبَّهاً، فصار مدلُولاً عليه.
وقال بعضهم : تقديره : في استعجالهم ؛ نقله مكِّي، فلمَّا حذفت " في " انتصبَ، وهذا لا معنى له، وقال البغوي : المعنى " ولو يُعَجِّل الله إجابة دعائهم في الشرِّ والمكروه استعجالهم بالخير، أي : كما يحبُّون استعجالهم بالخير ".
وقال القرطبي(٣) : قال العلماء : التَّعجيلُ من الله، والاستعجال من العبدِ، وقال أبو عليّ : هُمَا من الله.
في كيفية النَّظم وجوه :
أحدها : قال ابن الخطيب(٤) :" إنَّه ابتدَأ السورة بذكر شُبُهَاتِ المنكرينَ للنُّبوَّة مع الجواب عنها :
فالشبهة الأولى : أنَّ القوم تعجَّبُوا من تخصيص الله محمداً بالنُّبوة، فأزال الله ذلك التعجُّب بقوله :﴿أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَباً أَنْ أَوْحَيْنَآ إلى رَجُلٍ مِّنْهُمْ﴾ [يونس: ٢]، ثم ذكر دلائل التَّوحيد، ودلائل صحَّة المعاد.
وحاصل الجواب أن يقول : إنِّي ما جئتُكُم إلاَّ بالتوحيد، والإقرار بالمعاد، وقد دَلَّلنا على صحتهما، فلمْ يَبْقَ للتعجُّب من نبوَّتِي معنى.
والشبهة الثانية : أنَّهم كانوا يقولون : اللَّهُمَّ إن كان ما يقول محمدٌ حقاً في ادِّعاء النُّبوَّة والرٍِّسالة، فأمطر علينا حجارة من السَّماء، أو ائتِنَا بعذابٍ أليمٍ، فأجاب الله - تعالى - عن هذه الشبهة بهذه الآية.
وثانيها : قال القاضي :" لمَّا بيَّن الله - تعالى - الوعْد والوعِيدَ، أتبعهُ بما يدلُّ على أن من حقِّهما، أن يتأخَّرا عن هذه الحياة الدُّنيويَّة ؛ لأنَّ حصولهما في الدُّنيا، كالمانع من بقاءِ التَّكليف.
وثالثها : قال القفال : إنَّه لمَّا وصف الكفار بأنهم لا يرجون لقاء الله، ورضوا بالحياةِ الدُّنيا، واطمأنوا بها، وكانُوا عن آيات الله غافلين، بيَّن أنَّ من غفلتهم، أنَّ الرسول - عليه الصلاة والسلام - متى أنذرهم استعجلوا العذاب جهلاً منهم وسفهاً.
أخبر - تعالى - في آيات كثيرة : أنَّ هؤلاء المشركين متى خُوفوا بنزول العذاب في الدُّنيا، استعجلوا ذلك العذاب، كقولهم :﴿اللهم إِن كَانَ هذا هُوَ الحق مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِّنَ السمآء أَوِ ائتنا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الأنفال: ٣٢]، وقوله تعالى :﴿سَأَلَ سَآئِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ﴾ [المعارج: ١] الآية، ثم إنهم لما توعدوا بعذاب الآخرة في هذه الآية، بقوله ﴿أولئك مَأْوَاهُمُ النار بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ﴾ [يونس: ٨]، استعجلوا ذلك العذاب، وقالوا متى يحصل ذلك ؟ كما قال - تعالى - :﴿يَسْتَعْجِلُ بِهَا الذين لاَ يُؤْمِنُونَ بِهَا﴾ [الشورى: ١٨]، وقال بعد هذه الآية، في هذه السورة :﴿وَيَقُولُونَ متى هذا الوعد إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ [يونس: ٤٨] ؛ إلى قوله ﴿الآنَ وَقَدْ كُنتُم بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ﴾ [يونس: ٥١] وقال - تعالى - في سورة الرعد :﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بالسيئة قَبْلَ الحسنة وَقَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِمُ المثلات﴾ [الرعد: ٦].
فبيَّن - تعالى - أنه لا مصلحة في تعجيل إيصال الشرّ إليهم ؛ لأنه - تعالى - لو أوصل ذلك إليهم لماتوا، لأن تركيبهم في الدنيا لا يحتمل ذلك ولا صلاح في إماتتهم، فربما آمنُوا بعد ذلك، أو خرج من صلبهم من يؤمن، وذلك يقتضي ألاَّ يُعَاجلهُم الله بإيصال الشرِّ إليهم.
وسمى العذاب شرّاً ؛ لأنه أذى في حقِّ المعاقب، كما سماه سيئة في قوله :﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بالسيئة قَبْلَ الحسنة﴾ [الرعد: ٦]، وفي قوله :﴿وَجَزَآءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا﴾ [الشورى: ٤٠].
والمراد من استعجالهم الخير : أنَّهم كانوا عند نزول الشدائد يدعون الله بكشفها ؛ لقوله :﴿إِذَا مَسَّكُمُ الضر فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ﴾ [النحل: ٥٣]، ﴿فَإِذَا مَسَّ الإنسان ضُرٌّ دَعَانَا﴾ [الزمر: ٤٩].
قوله :" لقُضِيَ " قرأ ابنُ(٥) عامر :" لقَضَى " بفتح القاف مبنياً للفاعل، " أجلهم " بالنصب مفعولاً، والباقون : بالضمِّ والكسر مبنياً للمفعول، " أجلهم " رفعاً لقيامه مقام الفاعل، وقرأ الأعمش(٦)، ويعقوب، وعبد الله :" لقَضَيْنَا " مسنداً لضمير المُعَظِّم نفسه، وهي مؤيِّدةٌ لقراءةِ ابنِ عامرِ.
معنى ﴿لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ﴾ أي : لفرغ من هلاكهم ولماتُوا جميعاً، وقيل : إنَّها نزلت في النَّضر بن الحارث، حين قال :﴿اللهم إِن كَانَ هذا هُوَ الحق مِنْ عِندِكَ﴾ [الأنفال: ٣٢] الآية. قوله :﴿فَنَذَرُ الذين لاَ يَرْجُونَ﴾ فيه ثلاثة أوجه :
أحدها : أنَّه معطوفٌ على قوله :" ولوْ يُعجل اللهُ "، على معنى أنَّه في قُوَّة النَّفي، وقد تقدَّم تحقيقه في سؤال الزمخشري، وجوابه فيه، إلاَّ أنَّ أبا البقاء ردَّ عطفه على " يُعَجِّلُ "، فقال :" ولا يجُوزُ أن يكون معطوفاً على " يُعَجِّلُ " ؛ إذ لو كان كذلك لدخل في الامتناع الذي تقتضيه " لَوْ "، وليس كذلك ؛ لأنَّ التعجيل لم يقع، وتركهم في طغيانهم وقع ".
قال شهاب الدِّين :" إنَّما يتمُّ هذا الرَّدُّ، لو كان معطوفاً على " يُعَجِّلُ " فقط، باقياً على معناه، وقد تقدَّم أنَّ الكلام صار في قُوَّة : لا نُعجل لهم الشَّرَّ : فنذرهم، فيكون " فَنَذَرُهُم " معطوفاً على جملة النَّفي، لا على الفعل الممتنع وحده، حتَّى يلزم ما قال ".
والثاني : أنَّه معطوفٌ على جملةٍ مقدَّرة : أي : ولكن نمهلهم فنذر، قالهُ أبو البقاء.
والثالث : أن تكون جملة مستأنفة، أي : فنحنُ نذر الذين ؛ قاله الحوفي.
المعنى :﴿فَنَذَرُ الذين لاَ يَرْجُونَ لِقَآءَنَا﴾ : لا يخافون البعث، والحساب ﴿فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾.
قال أهل السنة : إنَّه - تعالى - لمَّا حكم عليهم بالطُّغيان والعمه، امتنع أن لا يكونوا كذلك، وإلا لزم أن يَنْقَلِبَ خبر الله تعالى الصِّدق كذباً، وعلمهُ جهلاً، وحكمه باطلاً، وكلّ ذلك محالٌ.
هذا الامتناعُ نفيٌ في المعنى، تقديره : لا يُعَجِّلُ الله لهم الشَّر، قال الزمخشري :" فإن قلت : كيف اتَّصل به قوله :﴿فَنَذَرُ الذين لاَ يَرْجُونَ لِقَآءَنَا﴾، وما معناها ؟ قلت : قوله " وَلَوْ يُعَجِّلْ " متضمِّن معنى نفي التَّعجيلِ، كأنَّه قيل : ولا نُعَجِّل لهم بالشَّرِّ، ولا نقضي إليهم أجلهم ".
قوله " استعجالهم " فيه أوجهٌ :
أحدها : أنَّه منصوبٌ على المصدر التَّشبيهيِّ، تقديره : استعجالاً مثل استعجالهم، ثُمَّ حذف الموصوف، وهو " اسْتِعْجَال "، وأقام صفته مقامه، وهي " مِثل "، فبقي : ولو يعجِّل الله مثل استعجالهم، ثم حذف المضاف، وأقام المضاف إليه مقامه، قال مكِّي :" وهذا مذهبُ سيبويه "، وقد تقدَّم مراراً أنَّ مذهب سيبويه في هذا، أنَّه منصوبٌ على الحالِ من ذلك المصدرِ المُقدَّرِ، وإن كان مشهورُ أقوالِ المُعْربين غيره، ففي نسبةِ ما ذكرناه أولاً لسيبويه نظرٌ.
والثاني : أن تقديره : تعجيلاً مثل استعجالهم، ثم فعل به ما تقدَّم قبله، وهذا تقديرُ أبي البقاء، فقدَّر المحذوف مطابقاً للفعل الذي قبلهُ ؛ فإنَّ " تَعْجِيلاً " مصدر ل " عَجّلَ "، وما ذكره مكِّي موافقٌ للمصدر الذي بعده.
والذي يظهر ؛ ما قدَّره أبو البقاء ؛ لأنَّ موافقة الفعل أولى، ويكون قد شبَّه تعجيله تعالى باستعجالهم، بخلاف ما قدَّره مكِّي، فإنَّه لا يظهر ؛ إذ ليس " اسْتِعْجَال " مصدراً ل " عَجَّل "، وقال الزمخشري :" أصله : ولو يعجِّل الله للنَّاس الشرَّ تعجيله لهم الخير، فوضع " اسْتِعْجَالهُم بالخَيْرِ " موضع تعجيله لهم الخيرَ ؛ إشعاراً بسُرعةِ إجابته لهُمْ وإسعافه بطلبهم، كأنَّ استعجالهُم بالخير تعجيلٌ لهُم "، قال أبو حيَّان :" ومدلُولُ " عَجَّل " غير مدلول " اسْتَعْجَل " ؛ لأنَّ " عَجَّل " يدلُّ على الوقوع، و " اسْتَعْجَل " يدلُّ على طلب التَّعجيل، وذلك واقعٌ من الله - تعالى -، وهذا مضافٌ إليهم، فلا يكون التقدير على ما قاله الزمخشري، فيحتمل وجهين :
أحدهما : أن يكون التقدير : تَعْجِيلاً مثل استعجالهم بالخير، فشبَّه التَّعجيل بالاستعجالِ ؛ لأنَّ طلبهم للخَيْر، ووقوع تعجيله مقدَّمٌ عندهم على كلِّ شيء.
والثاني : أن يكون ثمَّ محذوفٌ يدلُّ عليه المصدر تقديره : ولو يُعَجِّل اللهُ للنَّاسِ الشرَّ، إذا استعجلوا به اسْتعْجَالهُم بالخير ؛ لأنَّهم كانوا يَسْتَعْجِلُون بالشرِّ ووقوعه على سبيل التَّهكم، كما كانُوا يَسْتعجلُون بالخير ".
الثالث : أنَّه منصوبٌ على إسقاط الخافض، وهو كاف التَّشبيه، والتقدير : كاستعجالهم.
قال أبُو البقاء :" وهو بعيدٌ ؛ إذ لو جاز ذلك، لجاز " زيدٌ غلام عمرو " أي : كغلام عمرو ". وبهذا ضعَّفهُ جماعةٌ، وليس بتضعيفٍ صحيحٍ ؛ إذ ليس في المثال الذي ذكر فعلٌ يتعدَّى بنفسه عند حذف الجارِّ، وفي الآية فعلٌ يَصِحُّ فيه ذلك، وهو قوله :" يُعَجل "، وقال مكِّي(١) :" ويَلزَمُ مَنْ يجُوِّز حذفَ حرفِ الجر منه، أن يُجيز " زيدٌ الأسدُ "، أي : كالأسد ".
قال شهابُ الدِّين(٢) :" قوله : ويَلْزَمُ. . إلى آخره "، لا رَدَّ فيه على هذا القائل، إذ يلتزمه، وهو التزامٌ صحيحٌ سائغٌ ؛ إذ لا يُنكِرُ أحَدٌ " زيدٌ الأسد "، على معنى : كالأسَد، وعلى تقدير التَّسليم، فالفرقُ ما ذكره أبو البقاء، أي : إنَّ الفعل يطلب مصدراً مُشَبَّهاً، فصار مدلُولاً عليه.
وقال بعضهم : تقديره : في استعجالهم ؛ نقله مكِّي، فلمَّا حذفت " في " انتصبَ، وهذا لا معنى له، وقال البغوي : المعنى " ولو يُعَجِّل الله إجابة دعائهم في الشرِّ والمكروه استعجالهم بالخير، أي : كما يحبُّون استعجالهم بالخير ".
وقال القرطبي(٣) : قال العلماء : التَّعجيلُ من الله، والاستعجال من العبدِ، وقال أبو عليّ : هُمَا من الله.
فصل
في كيفية النَّظم وجوه :
أحدها : قال ابن الخطيب(٤) :" إنَّه ابتدَأ السورة بذكر شُبُهَاتِ المنكرينَ للنُّبوَّة مع الجواب عنها :
فالشبهة الأولى : أنَّ القوم تعجَّبُوا من تخصيص الله محمداً بالنُّبوة، فأزال الله ذلك التعجُّب بقوله :﴿أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَباً أَنْ أَوْحَيْنَآ إلى رَجُلٍ مِّنْهُمْ﴾ [يونس: ٢]، ثم ذكر دلائل التَّوحيد، ودلائل صحَّة المعاد.
وحاصل الجواب أن يقول : إنِّي ما جئتُكُم إلاَّ بالتوحيد، والإقرار بالمعاد، وقد دَلَّلنا على صحتهما، فلمْ يَبْقَ للتعجُّب من نبوَّتِي معنى.
والشبهة الثانية : أنَّهم كانوا يقولون : اللَّهُمَّ إن كان ما يقول محمدٌ حقاً في ادِّعاء النُّبوَّة والرٍِّسالة، فأمطر علينا حجارة من السَّماء، أو ائتِنَا بعذابٍ أليمٍ، فأجاب الله - تعالى - عن هذه الشبهة بهذه الآية.
وثانيها : قال القاضي :" لمَّا بيَّن الله - تعالى - الوعْد والوعِيدَ، أتبعهُ بما يدلُّ على أن من حقِّهما، أن يتأخَّرا عن هذه الحياة الدُّنيويَّة ؛ لأنَّ حصولهما في الدُّنيا، كالمانع من بقاءِ التَّكليف.
وثالثها : قال القفال : إنَّه لمَّا وصف الكفار بأنهم لا يرجون لقاء الله، ورضوا بالحياةِ الدُّنيا، واطمأنوا بها، وكانُوا عن آيات الله غافلين، بيَّن أنَّ من غفلتهم، أنَّ الرسول - عليه الصلاة والسلام - متى أنذرهم استعجلوا العذاب جهلاً منهم وسفهاً.
فصل
أخبر - تعالى - في آيات كثيرة : أنَّ هؤلاء المشركين متى خُوفوا بنزول العذاب في الدُّنيا، استعجلوا ذلك العذاب، كقولهم :﴿اللهم إِن كَانَ هذا هُوَ الحق مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِّنَ السمآء أَوِ ائتنا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الأنفال: ٣٢]، وقوله تعالى :﴿سَأَلَ سَآئِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ﴾ [المعارج: ١] الآية، ثم إنهم لما توعدوا بعذاب الآخرة في هذه الآية، بقوله ﴿أولئك مَأْوَاهُمُ النار بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ﴾ [يونس: ٨]، استعجلوا ذلك العذاب، وقالوا متى يحصل ذلك ؟ كما قال - تعالى - :﴿يَسْتَعْجِلُ بِهَا الذين لاَ يُؤْمِنُونَ بِهَا﴾ [الشورى: ١٨]، وقال بعد هذه الآية، في هذه السورة :﴿وَيَقُولُونَ متى هذا الوعد إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ [يونس: ٤٨] ؛ إلى قوله ﴿الآنَ وَقَدْ كُنتُم بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ﴾ [يونس: ٥١] وقال - تعالى - في سورة الرعد :﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بالسيئة قَبْلَ الحسنة وَقَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِمُ المثلات﴾ [الرعد: ٦].
فبيَّن - تعالى - أنه لا مصلحة في تعجيل إيصال الشرّ إليهم ؛ لأنه - تعالى - لو أوصل ذلك إليهم لماتوا، لأن تركيبهم في الدنيا لا يحتمل ذلك ولا صلاح في إماتتهم، فربما آمنُوا بعد ذلك، أو خرج من صلبهم من يؤمن، وذلك يقتضي ألاَّ يُعَاجلهُم الله بإيصال الشرِّ إليهم.
وسمى العذاب شرّاً ؛ لأنه أذى في حقِّ المعاقب، كما سماه سيئة في قوله :﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بالسيئة قَبْلَ الحسنة﴾ [الرعد: ٦]، وفي قوله :﴿وَجَزَآءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا﴾ [الشورى: ٤٠].
والمراد من استعجالهم الخير : أنَّهم كانوا عند نزول الشدائد يدعون الله بكشفها ؛ لقوله :﴿إِذَا مَسَّكُمُ الضر فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ﴾ [النحل: ٥٣]، ﴿فَإِذَا مَسَّ الإنسان ضُرٌّ دَعَانَا﴾ [الزمر: ٤٩].
قوله :" لقُضِيَ " قرأ ابنُ(٥) عامر :" لقَضَى " بفتح القاف مبنياً للفاعل، " أجلهم " بالنصب مفعولاً، والباقون : بالضمِّ والكسر مبنياً للمفعول، " أجلهم " رفعاً لقيامه مقام الفاعل، وقرأ الأعمش(٦)، ويعقوب، وعبد الله :" لقَضَيْنَا " مسنداً لضمير المُعَظِّم نفسه، وهي مؤيِّدةٌ لقراءةِ ابنِ عامرِ.
فصل
معنى ﴿لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ﴾ أي : لفرغ من هلاكهم ولماتُوا جميعاً، وقيل : إنَّها نزلت في النَّضر بن الحارث، حين قال :﴿اللهم إِن كَانَ هذا هُوَ الحق مِنْ عِندِكَ﴾ [الأنفال: ٣٢] الآية. قوله :﴿فَنَذَرُ الذين لاَ يَرْجُونَ﴾ فيه ثلاثة أوجه :
أحدها : أنَّه معطوفٌ على قوله :" ولوْ يُعجل اللهُ "، على معنى أنَّه في قُوَّة النَّفي، وقد تقدَّم تحقيقه في سؤال الزمخشري، وجوابه فيه، إلاَّ أنَّ أبا البقاء ردَّ عطفه على " يُعَجِّلُ "، فقال :" ولا يجُوزُ أن يكون معطوفاً على " يُعَجِّلُ " ؛ إذ لو كان كذلك لدخل في الامتناع الذي تقتضيه " لَوْ "، وليس كذلك ؛ لأنَّ التعجيل لم يقع، وتركهم في طغيانهم وقع ".
قال شهاب الدِّين :" إنَّما يتمُّ هذا الرَّدُّ، لو كان معطوفاً على " يُعَجِّلُ " فقط، باقياً على معناه، وقد تقدَّم أنَّ الكلام صار في قُوَّة : لا نُعجل لهم الشَّرَّ : فنذرهم، فيكون " فَنَذَرُهُم " معطوفاً على جملة النَّفي، لا على الفعل الممتنع وحده، حتَّى يلزم ما قال ".
والثاني : أنَّه معطوفٌ على جملةٍ مقدَّرة : أي : ولكن نمهلهم فنذر، قالهُ أبو البقاء.
والثالث : أن تكون جملة مستأنفة، أي : فنحنُ نذر الذين ؛ قاله الحوفي.
فصل
المعنى :﴿فَنَذَرُ الذين لاَ يَرْجُونَ لِقَآءَنَا﴾ : لا يخافون البعث، والحساب ﴿فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾.
قال أهل السنة : إنَّه - تعالى - لمَّا حكم عليهم بالطُّغيان والعمه، امتنع أن لا يكونوا كذلك، وإلا لزم أن يَنْقَلِبَ خبر الله تعالى الصِّدق كذباً، وعلمهُ جهلاً، وحكمه باطلاً، وكلّ ذلك محالٌ.
١ ينظر: المشكل ٢/٣٧٥..
٢ ينظر: الدر المصون ٤/١١..
٣ ينظر: تفسير القرطبي ٨/٢٠٢..
٤ ينظر: الرازي ١٧/٣٩..
٥ ينظر: السبعة ص (٣٢٤)، الحجة ٤/٢٥٣، حجة القراءات ص (٣٢٨)، إعراب القراءات ١/٢٦١، إتحاف ٢/١٠٥..
٦ ينظر: الكشاف ٢/٣٣٢، المحرر الوجيز ٣/١٠٨، البحر المحيط ٥/١٣٣، الدر المصون ٤/١١..
٢ ينظر: الدر المصون ٤/١١..
٣ ينظر: تفسير القرطبي ٨/٢٠٢..
٤ ينظر: الرازي ١٧/٣٩..
٥ ينظر: السبعة ص (٣٢٤)، الحجة ٤/٢٥٣، حجة القراءات ص (٣٢٨)، إعراب القراءات ١/٢٦١، إتحاف ٢/١٠٥..
٦ ينظر: الكشاف ٢/٣٣٢، المحرر الوجيز ٣/١٠٨، البحر المحيط ٥/١٣٣، الدر المصون ٤/١١..