فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير — الشوكاني

عن الكتاب
لما ذكر الله سبحانه الوعيد على عدم الإيمان بالمعاد، ذكر أن هذا العذاب من حقه أن يتأخر عن هذه الحياة الدنيا. قال القفال : لما وصفهم بالغفلة أكد ذلك بأن من غاية غفلتهم أن الرسول متى أنذرهم استعجلوا العذاب، فبيّن الله سبحانه أنه لا مصلحة في إيصال الشرّ إليهم، فلعلهم يتوبون ويخرج من أصلابهم من يؤمن، قيل : معنى ﴿وَلَوْ يُعَجّلُ الله لِلنَّاسِ الشر استعجالهم بالخير﴾ لو عجل الله للناس العقوبة كما يتعجلون بالثواب والخير ﴿لَقُضِىَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ﴾ أي : ماتوا. وقيل المعنى : لو فعل الله مع الناس في إجابته إلى المكروه مثل ما يريدون فعله معهم في إجابته إلى الخير لأهلكهم. وقيل : الآية خاصة بالكفار الذين أنكروا البعث، وما يترتب عليه. قال في الكشاف : وضع استعجالهم بالخير موضع تعجيله لهم الخير، إشعاراً بسرعة إجابته وإسعافه بطلبتهم حتى كأن استعجالهم بالخير تعجيل له. والمراد : أهل مكة، وقولهم :﴿فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مّنَ السماء﴾ الآية. قيل : والتقدير : ولو يعجل الله لهم الشرّ عند استعجالهم به تعجيلاً مثل تعجيله لهم الخير عند استعجالهم به، فحذف ما حذف لدلالة الباقي عليه. قال أبو عليّ الفارسي : في الكلام حذف، والتقدير :﴿وَلَوْ يُعَجّلُ الله لِلنَّاسِ الشر﴾ تعجيلاً مثل ﴿استعجالهم بالخير﴾ ثم حذف تعجيلاً وأقام صفته مقامه، ثم حذف صفته وأقام المضاف إليه مقامه قال : هذا مذهب الخليل وسيبويه، وهو قول الأخفش والفرّاء، قالوا : وأصله كاستعجالهم، ثم حذف الكاف ونصب. قال الفراء : كما تقول : ضربت زيداً ضربك، أي كضربك، ومعنى ﴿لَقُضِىَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ﴾ لأهلكوا، ولكنه سبحانه لم يعجل لهم الشرّ فأمهلوا. وقيل معناه : أميتوا. وقرأ ابن عامر «لقضى » على البناء للفاعل، وهي قراءة حسنة لمناسبة ذلك لقوله :﴿وَلَوْ يُعَجّلُ الله﴾ قوله :﴿فَنَذَرُ الذين لاَ يَرْجُونَ لِقَاءنَا فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ الفاء للعطف على مقدّر يدلّ عليه الكلام، لأن قوله :﴿وَلَوْ يُعَجّلُ الله﴾ يتضمن نفي التعجيل، فكأنه قيل : لكن لا يعجل لهم الشرّ، ولا يقضي إليهم أجلهم، فنذرهم الخ : أي فنتركهم ونمهلهم، والطغيان : التطاول، وهو العلوّ والارتفاع، ومعنى ﴿يَعْمَهُونَ﴾ يتحيرون، أي نتركهم يتحيرون في تطاولهم وتكبرهم، وعدم قبولهم للحق استدراجاً لهم منه سبحانه وخذلاناً.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:وقد أخرج ابن أبي شيبة، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن مجاهد، في قوله :﴿وَلَوْ يُعَجّلُ الله الناس الشر﴾ الآية، قال : هو قول الإنسان لولده وماله إذا غضب عليهم : اللهم لا تبارك فيه والعنه. ﴿لَقُضِىَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ﴾ قال : لأهلك من دعا عليه وأماته. وأخرج أبو الشيخ، عن سعيد بن جبير، في الآية قال : قول الرجل للرجل : اللهم العنه، اللهم اخزه، وهو يحب أن يستجاب له. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن قتادة، في الآية قال : هو دعاء الرجل على نفسه وماله بما يكره أن يستجاب له. وحكى القرطبي في تفسيره عن ابن إسحاق، ومقاتل، في الآية قالا : هو قول النضر بن الحارث :﴿اللهم إِن كَانَ هذا هُوَ الحق مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مّنَ السماء﴾. فلو عجل لهم هذا لهلكوا. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، عن ابن جريج، في قوله :﴿دَعَانَا لِجَنبِهِ﴾ قال : مضطجعاً. وأخرج أبو الشيخ، عن قتادة، في قوله :﴿دَعَانَا لِجَنبِهِ أَوْ قَاعِدًا أَوْ قَائِمًا﴾ قال : على كل حال. وأخرج أبو الشيخ، عن أبي الدرداء، قال : ادع الله يوم سرّائك يستجاب لك يوم ضرّائك.
وأقول أنا : أكثر من شكر الله على السرّاء يدفع عنك الضرّاء. فإن وعده للشاكرين بزيادة النعم مؤذن بدفعه عنهم النقم، لذهاب حلاوة النعمة عند وجود مرارة النقمة، اللهم اجمع لنا بين جلب النعم وسلب النقم، فإنا نشكرك عدد ما شكرك الشاكرون بكل لسان في كل زمان. ونحمدك عدد ما حمدك الحامدون بكل لسان في كل زمان.
وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن قتادة، في قوله :﴿ثُمَّ جعلناكم خلائف فِي الأرض﴾ الآية، قال : ذكر لنا أن عمر بن الخطاب قرأ هذه الآية فقال : صدق ربنا ما جعلنا خلائف في الأرض إلا لينظر إلى أعمالنا.
فأروا الله خير أعمالكم بالليل والنهار، والسرّ والعلانية. وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن ابن جريج، قال :﴿خلائف فِي الأرض﴾ لأمة محمد ﷺ.
وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن قتادة، في قوله :﴿ائت بِقُرْآنٍ غَيْرِ هذا أَوْ بَدّلْهُ﴾ قال : هذا قول مشركي أهل مكة للنبي ﷺ. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن ابن عباس، في قوله :﴿وَلا أَدْرَاكُمْ بِهِ﴾ أعلمكم به. وأخرج أبو الشيخ، عن قتادة، قال :﴿وَلا أَدْرَاكُمْ بِهِ﴾ ولا أشعركم به. وأخرج سعيد بن منصور، وابن جرير، عن ابن عباس، أنه كان يقرأ :«ولا أنذرتكم به». وأخرج ابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن السديّ، في قوله :﴿فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُراً مّن قَبْلِهِ﴾ قال : لم أتل عليكم ولم أذكر. وأخرجا عنه قال : لبث أربعين سنة قبل أن يوحى إليه ورأى الرؤيا سنتين، وأوحى الله إليه عشر سنين بمكة، وعشراً بالمدينة، وتوفي وهو ابن اثنتين وستين سنة. وأخرج ابن أبي شيبة، والبخاري، والترمذي، عن ابن عباس، قال : بعث رسول الله ﷺ لأربعين سنة، فمكث بمكة ثلاثة عشر يوحى إليه، ثم أمر بالهجرة فهاجر عشر سنين، ومات وهو ابن ثلاث وستين سنة.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى