المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز — ابن عطية
عن الكتاب
هذه الآية قال مجاهد نزلت في دعاء الرجل على نفسه أو ماله أو ولده ونحو هذا، فأخبر الله تعالى أنه لو فعل مع الناس في إجابته إلى المكروه مثل ما يريدون فعله معهم في إجابته إلى الخير لأهلكهم، ثم حذف بعد ذلك من القول جملة يتضمنها الظاهر، تقديرها ولا يفعل ذلك ولكن يذر الذين لا يرجون فاقتضب القول وتوصّل إلى هذا المعنى بقوله ﴿فنذر الذين لا يرجون لقاءنا﴾ فتأمل هذا التقدير تجده صحيحاً، و ﴿استعجالهم﴾ نصب على المصدر، والتقدير مثل استعجالهم، وقيل : التقدير تعجيلاً مثل استعجالهم، وهذا قريب من الأول، وقيل إن هذه الآية نزلت في قوله ﴿اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء﴾(١) وقيل نزلت في قوله ﴿آتنا بما تعدنا﴾(٢) وما جرى مجراه، وقرأ جمهور القراء «لقُضي » على بناء الفعل للفاعل ورفع «الأجلُ » وقرأ ابن عامر وحده(٣) وعوف وعيسى بن عمر ويعقوب، «لقضى » على بناء الفعل للفاعل ونصب «الأجلَ »، وقرأ الأعمش :«لقضينا »، و «الأجل » في هذا الموضع أجل الموت، ومعنى قضى في هذه الآية أكمل وفرغ، ومنه قول أبي ذؤيب :[ الكامل ]
وأنشد أبو علي في هذا المعنى :[ الطويل ]
وتعدّى «قضى » في هذه الآية ب «إلى » لما كان بمعنى فرغ، وفرغ يتعدى بإلى ويتعدى باللام، فمن ذلك قول جرير :
ومن الآخر قوله عز وجل ﴿سنفرغ لكم أيه الثقلان﴾(٧) وقرأ الأعمش(٨) :«فنذر الذين لا يرجون لقاءنا »، و ﴿يرجون﴾ في هذا الموضع على بابها والمراد الذين لا يؤمنون بالبعث فهم لا يرجون لقاء الله، والرجاء مقترن أبداً بخوف، «والطغيان » الغلو في الأمر وتجاوز الحد، و «العمه » الخبط في ضلال، فهذه الآية نزلت ذامة لخلق ذميم هو في الناس، يدعون في الخير فيريدون تعجيل الإجابة فيحملهم أحياناً سوء الخلق على الدعاء في الشر، فلو عجل لهم لهلكوا.
| وعليهما مسرودتان قضاهما | داودُ أوْ صَنَعُ السوابغِ تبع(٤) |
| قضيت أموراً ثم غادرت بعدها | فوائح في أكمامها لم تفتق(٥) |
| ألانَ فقد فرغت إلى نُمَير | فصرت على جماعتها عذابا(٦) |
١ - من الآية (٣٢) من سورة (الأنفال)..
٢ - من الآية (٧٧) من سورة (الأعراف)، وهي قوله سبحانه: ﴿فعقروا الناقة وعتوا عن أمر ربهم وقالوا يا صالح ائتنا بما تعدنا﴾..
٣ - يعني من بين القراء السبعة، وإلا فقد قرأ بها معه عوف وغيره ممن ذكرهم ابن عطية..
٤ -هذا البيت من عينية أبي ذؤيب المشهورة التي قالها في الرثاء، ومطلعها: "أمن المنون وريبه تتوجع"، وقوله: "مسرودتان": رواية المفضل الضبي في "المفضليات"، والمسرودة: الدرع التي سمرت حلقاتها، والسّرد: الحلق، وقوله تعالى: ﴿وقدر في السرد﴾ معناه أن يجعل المسمار على قدر الثقب بحيث لا يكون الثقب واسعا فيتقلقل المسمار، ولا يكون الثقب دقيقا والمسمار غليظا فينقصم الحلق. ورواية جمهرة أشعار العرب: "وعليهما ماذيتان" أي: درعان من الحديد لينتان سهلتان. ومعنى" قضاهما": أحكمهما وأكملهما وفرغ منهما، ورجل صنع: ماهر في الصناعة، وتبّع: من ملوك اليمن، قيل: كان يجيد صناعة الدروع، أو يأمر بصنعها محكمة، وداود عليه السلام اشتهر أيضا بصنع الدروع، قال تعالى: ﴿وعلمناه صنعة لبوس لكم لتحصنكم من بأسكم﴾ و(صنع) مضافة إلى (السوابغ)، وروي بالفعل الماضي في صنع، (والسوابغ) مفعول به.
.
٥ - ويروى (حوائج) بدلا من (فوائح)، وقضى هنا بمعنى انتهى منها وأكملها، وكم كل نور وعاؤه، والتفتق: التفتح ويترتب عليه انتشار الرائحة الطيبة. ولم نقف على قائله..
٦ - البيت غير موجود في ديوانه (دار المعارف بمصر- تحقيق نعمان محمد أمين د.) وأقرب الظن أن يكون من قصيدته المشهورة التي قالها في هجاء الراعي النميري، ومطلعها:
أقلي اللوم عاذل والعتابا وقولي إن أصبت لقد أصابا
ومنها البيت المشهور الذي قال النقاد عنه إنه أهجى بيت قالته العرب:
فغضّ الطرف إنك من نُمير فلا كعبا بلغت ولا كلابا
.
٧ - الآية (٣١) من سورة (الرحمن)..
٨ - يفهم من كلام الزمخشري أن هذه القراءة بالنصب [فنذر] حيث قال: "فإن قلت: فكيف اتصل به قوله: ﴿فنذر الذين لا يرجون لقاءنا﴾؟ وما معناه؟ قلت: قوله: ﴿ولو يُعجل﴾ متضمن نفي التعجيل، كأنه قيل: ولا نعجل لهم الشرّ ولا نقضي إليهم أجلهم فنذرهم"..
٢ - من الآية (٧٧) من سورة (الأعراف)، وهي قوله سبحانه: ﴿فعقروا الناقة وعتوا عن أمر ربهم وقالوا يا صالح ائتنا بما تعدنا﴾..
٣ - يعني من بين القراء السبعة، وإلا فقد قرأ بها معه عوف وغيره ممن ذكرهم ابن عطية..
٤ -هذا البيت من عينية أبي ذؤيب المشهورة التي قالها في الرثاء، ومطلعها: "أمن المنون وريبه تتوجع"، وقوله: "مسرودتان": رواية المفضل الضبي في "المفضليات"، والمسرودة: الدرع التي سمرت حلقاتها، والسّرد: الحلق، وقوله تعالى: ﴿وقدر في السرد﴾ معناه أن يجعل المسمار على قدر الثقب بحيث لا يكون الثقب واسعا فيتقلقل المسمار، ولا يكون الثقب دقيقا والمسمار غليظا فينقصم الحلق. ورواية جمهرة أشعار العرب: "وعليهما ماذيتان" أي: درعان من الحديد لينتان سهلتان. ومعنى" قضاهما": أحكمهما وأكملهما وفرغ منهما، ورجل صنع: ماهر في الصناعة، وتبّع: من ملوك اليمن، قيل: كان يجيد صناعة الدروع، أو يأمر بصنعها محكمة، وداود عليه السلام اشتهر أيضا بصنع الدروع، قال تعالى: ﴿وعلمناه صنعة لبوس لكم لتحصنكم من بأسكم﴾ و(صنع) مضافة إلى (السوابغ)، وروي بالفعل الماضي في صنع، (والسوابغ) مفعول به.
.
٥ - ويروى (حوائج) بدلا من (فوائح)، وقضى هنا بمعنى انتهى منها وأكملها، وكم كل نور وعاؤه، والتفتق: التفتح ويترتب عليه انتشار الرائحة الطيبة. ولم نقف على قائله..
٦ - البيت غير موجود في ديوانه (دار المعارف بمصر- تحقيق نعمان محمد أمين د.) وأقرب الظن أن يكون من قصيدته المشهورة التي قالها في هجاء الراعي النميري، ومطلعها:
أقلي اللوم عاذل والعتابا وقولي إن أصبت لقد أصابا
ومنها البيت المشهور الذي قال النقاد عنه إنه أهجى بيت قالته العرب:
فغضّ الطرف إنك من نُمير فلا كعبا بلغت ولا كلابا
.
٧ - الآية (٣١) من سورة (الرحمن)..
٨ - يفهم من كلام الزمخشري أن هذه القراءة بالنصب [فنذر] حيث قال: "فإن قلت: فكيف اتصل به قوله: ﴿فنذر الذين لا يرجون لقاءنا﴾؟ وما معناه؟ قلت: قوله: ﴿ولو يُعجل﴾ متضمن نفي التعجيل، كأنه قيل: ولا نعجل لهم الشرّ ولا نقضي إليهم أجلهم فنذرهم"..