تأويلات أهل السنة — أبو منصور المَاتُرِيدي

عن الكتاب
وقوله تعالى :( ثُمَّ جَعَلْنَاكُمْ خَلائِفَ فِي الأَرْضِ مِنْ بَعْدِهِمْ ) يحتمل ( خلائف ) أي جعل أنفسكم خلف أنفس أولئك الذين لم يهلكهم الذين لم يهلكهم. يخرج هذا مخرج تذكير النعمة والامتنان والرحمة ؛ يذكرهم أنه لو شاء أهلك الكل، فلا يكون هؤلاء خلف أولئك. ولكن بفضله ورحمته أبقاكم.
ويحتمل قوله :( ثم جعلناكم خلائف ) [ أولئك في المحنة والعبادة ؛ أي جعلك عليكم من المحنة والعبادة كما كان على آبائكم من المحنة والعبادة. ويشبه أن يكون قوله :( ثم جعلناكم خلائف )[ ساقطة من م ] الذين لم يظلموا، فكيف لا تتبعونهم ؟
لأن الذين ظلموا قد أهلكهم، فأنتم خلائف أولئك الذين لم يظلموا، أو يكذبوا الرسل، فكيف لا تتبعونهم ؟ كأنهم ادعوا أن آباءهم كانوا على ما هم عليه، وأنهم على مذاهب آبائهم.
يقول :( ثُمَّ جَعَلْنَاكُمْ خَلائِفَ فِي الأَرْضِ مِنْ بَعْدِهِمْ ) أي لست أنا بأول رسول أرسلت إليكم، بل لم يزل الله يرسل رسولا في الأمم، فكان فيه لهم أتباع يتبعون رسلهم إلى ما يدعوهم إليه، ويجيبونهم، فاتبعوني أنتم يا أهل مكة في ما دعيتم إليه.
قوله تعالى :( لِنَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ ) لم يزل الله عالما بما كان، ويكون منهم من المعصية والطاعة، ولكن ليعلمهم عصاة ومطيعين ؛ لأن المعصية إنما تكون بعد ما يكون النهي، والطاعة إنما تكون بالأمر، فيبتليكم، ويعلمكم عصاة كما علم أنه يكون منكم الطاعة. وقد ذكرنا أمثال هذا في ما تقدم، والله أعلم.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى