التفسير البسيط — الواحدي

عن الكتاب
وقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا﴾، قال ابن الأنباري: ألزمهم الله ترك الإيمان لمعاندتهم الحق، وايثارهم الباطل، يدل على هذا قوله: ﴿كَذَلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ﴾ (١).
وقال أبو إسحاق (٢): أعلم الله عز وجل أنهم لا يؤمنون ولو بقّاهم (٣) أبدًا، فجائز أن يكون جعل الله جزاءهم الطبع على قلوبهم، كما قال: ﴿رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا بِمَا كَذَّبُوا (٤) مِنْ قَبْلُ﴾ الآية في سورة الأعراف (٥)، والدليل أنه طبع على قلوبهم جزاءً لهم قوله (٦) تعالى: ﴿كَذَلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ﴾ [قال: وجائز أن يكون أعلم (٧) ما قد علم منهم (٨) (٩)، وعلى هذا معنى قوله: كذلك نجزي القوم المجرمين] (١٠)، أي نعاقب ونهلك المشركين المكذبين بمحمد - ﷺ - كما فعلنا بمن قبلهم.
١٤ - قوله تعالى: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكُمْ خَلَائِفَ فِي الْأَرْضِ مِنْ بَعْدِهِمْ﴾، قال
(١) ذكره ابن الجوزي في "زاد المسير" ٣/ ٣٣٠، والمؤلف في "الوسيط" ٢/ ٥٤٠.
(٢) في (ى): (ابن عباس)، وهو خطأ.
(٣) هكذا، وهو صحيح كما في "اللسان" (بقى) ١/ ٣٣٠، "معاني القرآن" للنحاس ٣/ ٢٨١، واللفظ في المصدر: أبقاهم.
(٤) في جميع النسخ (كذبوا به)، وهو خطأ.
(٥) رقم: ١٠١، وبقيتها: ﴿كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِ الْكَافِرِينَ﴾.
(٦) في (م): (وقوله)، وهو خطأ.
(٧) في (ى): (أعلمهم).
(٨) أي أن الله سبحانه علم موتهم على الكفر فأخبر في هذه الآية بذلك.
(٩) اهـ. كلام الزجاج، انظر: "معاني القرآن وإعرابه" ٣/ ١٠، وقد قدم المؤلف بعض الجمل على بعض.
(١٠) ما بين المعقوفين ساقط من (م).
ابن عباس: يريد أهل مكة (١).
وقوله تعالى: ﴿لِنَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ﴾، قال ابن عباس: يريد لنختبر أعمالكم، وهو يعلم ما يكون قبل أن يكون (٢).
وقال أهل المعاني: معنى النظر هو طلب العلم، وجاز في وصف الله تعالى للمظاهرة في العدل بأنه يعامل العباد معاملة من يطلب العلم بما يكون منهم ليجازيهم بحسبه كقوله: ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ (٣) [الملك: ٢]، وقد مرّ نظائر هذا (٤).
وقال رسول الله - ﷺ -: "إن الدنيا خضرة حلوة وإن الله مستخلفكم فيها فناظر كيف تعملون" (٥) [وقال قتادة: صدق الله ربنا؛ ما جعلنا خلفاء إلا لينظر إلى أعمالنا، فأروا الله من أعمالكم خيرًا بالليل والنهار (٦).
(١) ذكره المؤلف في "الوسيط" ٢/ ٥٤١.
(٢) المصدر السابق، نفس المصدر.
(٣) وانظر معنى هذا القول في "معاني القرآن" للزجاج ١/ ٤٧٢، وللنحاس ١/ ٤٨٢.
(٤) انظر مثلاً: تفسير قوله تعالى: ﴿وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٤٠]، وقوله تعالى: ﴿وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا﴾ [آل عمران: ١٤٢] في "البسيط".
(٥) رواه مسلم في "صحيحه" (٢٧٤٢) كتاب الرقاق، باب: أكثر أهل الجنة الفقراء، والترمذي في "سننه" (٢١٩١) كتاب: الفتن، باب: ما جاء ما أخبر النبي - ﷺ - أصحابه، وابن ماجه في "سننه" (٤٠٠٠) كتاب: الفتن، باب: فتنة النساء، وأحمد في "المسند" ٣/ ١٩.
(٦) ذكره عنه ابن الجوزي في "زاد المسير" ٤/ ١٣، والرازي في "تفسيره" ١٧/ ٥٤، والمؤلف في "الوسيط" ٢/ ٥٤١، ولا أرى نسبته إلى قتادة إلا وهمًا، إذ رواه ابن جرير ١١/ ٩٤، والثعلبي ٧/ ٨ أ، وابن أبي حاتم ٦/ ١٩٣٤، وابن المنذر وأبو الشيخ كما في "الدر المنثور" ٣/ ٥٤٠، عن قتادة، عن عمر.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى