الدر المصون في علوم الكتاب المكنون — السمين الحلبي

عن الكتاب
قوله تعالى :﴿وَلاَ أَدْرَاكُمْ بِهِ﴾ : أي : ولا أَعْلمكم الله به، مِنْ دَرَيْتُ، أي : علمتُ. ويقال : دَرَيْتُ بكذا وأَدْرَيْتك بكذا، أي : أحطت به بطريق الدِّراية، وكذلك في " علمت به " فَتَضَمَّن العلمُ معنى الإِحاطة فتعَدَّى تَعْدِيَتَها.
وقرأ ابنُ كثير بخلاف عن البزي " ولأَدْراكم " بلام داخلة على " أَدْراكم " مثبتاً. والمعنى : ولأُعْلِمَكم به من غير وساطتي : إمَّا بوساطة مَلَكٍ أو رسولٍ غيري من البشر، ولكنه خَصَّني بهذه الفضيلة. وقراءةُ الجمهور " لا " فيها مؤكدةٌ ؛ لأنَّ المعطوفَ على المنفيّ منفيّ، وليست " لا " هذه هي التي يُنْفَى بها الفعل، لأنه لا يَصِحُّ نفيُ الفعل بها إذا وقع جواباً، والمعطوفُ على الجواب جواب، ولو قلت :" لو كان كذا لا كان كذا " لم يَجُزْ، بل تقول :" ما كان كذا ". وقرأ ابن عباس والحسن وابن سيرين وأبو رجاء :﴿ولا أَدْرَأْتُكم به﴾ بهمزةٍ ساكنةٍ بعد الراء. وفي هذه القراءةِ تخريجان، أحدهما : أنها مُبْدَلةٌ من ألف، والألف منقلبةٌ عن ياءٍ لانفتاحِ ما قبلها وهي لغةٌ لعُقَيْلٍ حكاها قطرب، يقولون في أعطيتك : أعطأتك. وقال أبو حاتم :" قَلَبَ الحسنُ الياءَ ألفاً، كما في لغة بني الحرث يقولون : عَلاَك وإلاك، ثم هَمَزَ على لغة من قال في العالم : العَأْلَم، وقيل : بل أُبْدلت الهمزة من نفس الياء نحو :" لَبَأْتُ بالحج " و " رثَأْت فلاناً "، أي : لبَّيْتُ ورَثَيْتُ. والثاني : أن الهمزة أصلية وأن اشتقاقه مِنَ الدَّرْء وهو الدّفْع كقوله :﴿وَيَدْرَؤُاْ عَنْهَا الْعَذَابَ﴾ [النور: ٨]، ويقال : أَدْرأته، أي : جَعَلْته دارِئاً، والمعنى : ولأَجْعَلَنَّكم بتلاوته خُصَماء تَدْرَؤُونني بالجدال. قال أبو البقاء :" وقيل : هو غلط "، لأنَّ قارِئَها ظَنَّ أنها من الدَّرْءِ وهو الدَّفْعُ. وقيل : ليس بغلطٍ والمعنى : لو شاء اللَّه لدَفَعَكم عن الإِيمان به ".
وقرأ شهر بن حوشب والأعمش :" ولا أَنْذَرْتُكم " من الإِنذار، وكذلك/ هي في حرف عبد الله.
والضمير في " قبله " عائد على القرآن. وقيل : على النزول. وقيل : على وقت النزول. و " عُمُراً " مشبهٌ بظرف الزمان فانتصبَ انتصابَه، أي : مدة متطاولة. وقيل : هو على حَذْف مضاف، أي : مقدار عُمُر. وقرأ الأعمش " عُمْراً " بسكون الميم كقولهم :" عَضْد " في " عَضُد ".

تفسير هذه الآية من كتب أخرى