المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز — ابن عطية

عن الكتاب
هذه من كمال الحجة، أي هذا الكلام ليس من قبلي ولا من عندي وإنما هو من عند الله، ولو شاء ما بعثني به ولا تلوته عليكم ولا أعلمتكم به، و ﴿أدراكم﴾ بمعنى أعلمكم، يقال : دريت بالأمر وأدريت غيري، وهذه قراءة الجمهور، وقرأ ابن كثير(١) في بعض ما روي عنه :«ولا دراكم به » وهي لام تأكيد دخلت على أدرى، والمعنى على هذا ولا علمكم به من غير طريقي وقرأ ابن عباس وابن سيرين(٢) وأبو رجاء(٣) والحسن(٤) «ولا أدرأتكم به »، وقرأ ابن عباس أيضاً وشهر بن حوشب، «ولا أنذرتكم به »، وخرج الفراء قراءة ابن عباس والحسن على لغة لبعض العرب منها قولهم : لبأت بمعنى لبيت، ومنها قول امرأة منهم : رثأت زوجي بأبيات أي رثيت، وقال أبو الفتح إنما هي «أدريتكم » قلبت الياء ألفاً لانفتاح ما قبلها(٥)، وروينا عن قطرب : أن لغة عقيل في أعطيتك أعطأتك، قال أبو حاتم : قلبت الياء ألفاً كما في لغة بني الحارث بن كعب : السلام علاك، ثم قال ﴿فقد لبثت فيكم عمراً من قبله﴾ أي الأربعين سنة قبل بعثته عليه السلام، ويريد لم تجربوني في كذب ولا تكلمت في شيء من هذا ﴿أفلا تعقلون﴾ أن من كان على هذه الصفة لا يصح منه كذب بعد أن كلا عمره(٦) وتقاصر أمله واشتدت حنكته وخوفه لربه، وقرأ الجمهور بالبيان في «لبثت » وقرأ أبو عمرو :«لبت » بإدغام الثاء في التاء.
١ -هو عبد الله بن كثير الداري، مولى عمرو بن علقمة الكناني، ويكنى أبا معبد، توفي بمكة سنة عشرين ومائة للهجرة..
٢ - محمد بن سيرين البصري الأنصاري بالولاء، أبو بكر، إمام وقته في علوم الدين بالبصرة، تابعي، من أشراف الكتاب نشأ بزازا وتفقه وروى الحديث، واشتهر بالورع، ينسب له كتاب "تعبير الرؤيا. ط"، وهو غير "منتخب الكلام في تفسير الأحلام" المنسوب إليه. وردت عنه الرواية في حروف القرآن، مات سنة ١١٠هـ (طبقات القراء)..
٣ - هو عمران بن تيم، أبو رجاء العطاردي البصري التابعي، ولد قبل الهجرة وأسلم في حياة النبي ﷺ ولم يره، عرض القرآن على ابن عباس رضي الله عنهما وتلقنه من أبي موسى رضي الله عنه، وحدث عن عمر رضي الله عنه وغيره، مات سنة ١٠٥هـ- (طبقات القراء)..
٤ - هو أبو سعيد الحسن البصري إمام أهل البصرة، ولد لسنتين بقيتا من خلافة عمر رضي الله عنه، وكان جامعا عالما فقيها حجة مأمونا عابدا كثير العلم فصيحا، توفي سنة ١١٠هـ (طبقات القراء)..
٥ - هذا مع أن الياء ساكنة، وذلك كقولهم في ييبس: يابس، وقالوا في الإضافة إلى الحيرة: حاريّ، وإلى طيء: طائيّ، فقد قلبت الياء الساكنة في هذه الكلمات ألفا، ثم لما صارت الياء ألفا هُمِز على لغة من قال في الباز: البأز، وفي العالم: العألم، وفي الخاتم: الخأتم. (راجع ذلك في كتاب الخصائص لابن جني- باب ما همزته العرب ولا أصل له في همز مثله ٣-١٤٢)..
٦ - أي: ضعف وثقل عن العمل، يقال: كلّ عن الأمر بمعنى: ثقل الأمر عليه فلم ينبعث له. (المعجم الوسيط)..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى