تأويلات أهل السنة — أبو منصور المَاتُرِيدي

عن الكتاب
وقوله تعالى :( قُلْ لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلا أَدْرَاكُمْ بِهِ ) هو صلة ما تقدم من قوله حين[ في الأصل وم : حيث ] قالوا :( ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ أو بدله ) قد ذكرنا أن هذا [ يحتمل وجهين ][ من م، ساقطة من الأصل ] :
يحتمل أنهم سألوه أن يبدل أحكامه على ترك رسمه ونظمه.
ويحتمل قوله :( ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ أو بدله ) أي ارفع رسمه ونظمه وأحكامه، كأنهم ادعوا على رسول الله اختراع هذا القرآن من نفسه واختلاقه من عنده، فقال :( قل لو شاء الله ما تلوته عليكم ) تأويله، والله أعلم، لو شاء الله ألا يظهر دينه فيكم ما[ في الأصل وم : ولا ] ألزم حجة، ولا بعثني إليكم رسولا ( مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلا أَدْرَاكُمْ بِهِ ) أي ولا أعلمكم به.
ويحتمل قوله :( وَلا أَدْرَاكُمْ بِهِ ) ولا أعلمكم ما فيه من الأحكام، أي يقول ( لو شاء الله ) لم يوح إلي، ولا أمرني بتبليغ ما أوحى إلى وإليكم ولا بالدعاء إلى ما أمرني أن أدعوكم إليه.
وقوله تعالى :( لو شاء الله ما تلوته ) فلو لم يشأ أن [ أتلوه ما تلوته ][ في الأصل وم : يتلوه ما تلاه ]. دل أن ما شاء الله كان، وما لم يشإ الله لم يكن. وذلك يرد على المعتزلة قولهم : شاء الله أن يؤمن الخلائق كلهم، فلم[ الفاء ساقطة من الأصل وم ] يؤمنوا، والله أعلم.
وقوله تعالى :( فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُراً مِنْ قَبْلِهِ أَفَلا تَعْقِلُونَ ) أي ( فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُراً مِنْ قَبْلِهِ ) فلم أدع ما أدعي الحال، ولا تلوت ما أتلو ( أفلا تعقلون ) أني لم أخترع هذا من نفسي، ولكن أوحي إلي ؛ إذ لو كان اختراعا مني لكان ذلك مني في ما مضى من الوقت، وكنت لابثا فيكم. فإذا لم يكن ذلك مني ( أفلا تعقلون )/٢٢٧-ب/ أني لم أخترع من نفسي.
يحتمل هذا الكلام وجوها :
أحدها : أنهم لما ادعوا عليه الاختراع من عنده قال : إني قد ( لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُراً مِنْ قَبْلِهِ ) أي قبل أن يوحى هذا إلي ؛ فلم تروني خططت بيمني، ولا اختلفت إلى أحد في التعلم والدراسة، فكيف أخترع من عندي، والتأليف لا يلتئم، ولا يتم إلا بأسباب متقدمة ؟
والثاني :( فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُراً ) سنين لم تعرفوني، ولا رأيتموني كذبت قط، فكيف أفتري على الله، وأخترع القرآن من عند نفسي ؟ ألا ترى أنه قال على إثره :( فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِباً ) ؟ [يونس: ١٧].
والثالث : يحتمل قوله ( فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُراً من قبله ) فلم أسمع أحدا ادعى البعث، ولا أقام حجة عليه، وأنا قد أدعيت البعث، وأقمت على ذلك الحجة ( أفلا تعقلون )[ بعد ][ ساقطة من الأصل وم ] هذا أني لم أخترع من عند نفسي ؟

تفسير هذه الآية من كتب أخرى