تفسير السمعاني — أبو المظفر السمعاني

عن الكتاب
قوله تعالى :( هو الذي يسيركم في البر والبحر ) قرئت بقراءتين :" يسيركم " و " ينشركم "، والمعروف :" يسيركم " ومعناه : تسهيل طريق السير عليكم في البر والبحر. وأما من قرأ :" يَنْشُركم " (١) معناه : يبثكم. وروي عن الضحاك أنه قال : البحر هو الأمصار، والبر هو البوادي. وقوله تعالى :( حتى إذا كنتم في الفلك ) قال أهل اللغة : الفلك تؤنث وتذكر. قال الله تعالى :( في الفلك المشحون ) وقال هاهنا :( وجرين بهم ) وقالوا أيضا : إن الفلك يكون بمعنى الواحد وبمعنى الجمع. وقوله :( بريح طيبة ) أي : هينة لينة.
وقد روي عن النبي ﷺ أنه قال :«الريح من روح الله، فسألوا الله من خيرها، وتعوذوا بالله من شرها »(٢).
فإن قال قائل : كيف قال :( حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بهم ) فهذا تغيير الكلام عن وجهه ؟
والجواب عنه : أن العرب تقيم المعاينة مقام المخاطبة، والمخاطبة مقام المعاينة، قال الشاعر :
وشَطَّتْ مَزَارَ العاشقين فأصبحتعَسيراً علىَّ طِلاَبُكِ ابنةَ مَخْرَمِ(٣)
ومنهم من قال : معنى الآية : حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بهم بريح طيبة يا محمد. وقوله :( وفرحوا بها جاءتها ريح عاصف ) وهي الشديدة المهلكة، قال الشاعر :
في فيلق شهباء ملمومة تعصف بالحاسر والدارع
وقوله :( وجاءهم الموج من كل مكان ) الموج : ما يظهر على البحر من الريح.
وقوله :( وظنوا ) وتيقنوا ( أنهم أحيط بهم ) يقال لمن كان في بلاء وشدة : إنه قد أحيط به. وقوله :( دعوا الله مخلصين له الدين ) معناه : أنهم أخلصوا في الدعاء، ولم يدعوا أحدا سوى الله. وقوله :( لئن أنجيتنا من هذه لنكونن من الشاكرين ) معناه معلوم.
١ - وهي قراءة أبي جعفر، وابن عامر. انظر النشر (٢/٢٨٢)..
٢ - رواه البخاري في الأدب المفرد (ص ٢١١-٢١٢)، وأبو داود (٤/٣٢٦ رقم ٥٠٩٧)، والنسائي في الكبرى (٦/٢٣٠، ٢٣١ رقم ١٠٧٦٥، ١٠٧٦٦، ١٠٧٦٧)، وابن ماجة (٢/١٢٤٨ رقم ٣٧٢٧)، وأحمد (٢/٢٥٠، ٤٣٦، ٤٣٧)، وابن أبي شيبة (١٠/٢١٧)، وابن حبان –الإحسان- (٣/٢٨٧ رقم ١٠٠٧)، والحاكم (٤/٢٨٥) وصححه على شرط الشيخين، كلهم من حديث أبي هريرة..
٣ - كذا في الأصل، وفي لسان العرب (مادة شطط):
عَسِراً عليّ طلابُها ابنةُ مخرم.
وقال محققه: وهو في معلقة عنترة:
حَلَّتْ بأرض الزائرين فأصبحت عِسراً عليّ طِلابك ابنةَ مخرم.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى