التفسير الوسيط — محمد سيد طنطاوي

عن الكتاب
ثم ساق - سبحانه - مشهدا حياً. تراه العيون، وتهتز له القلوب، ويجعل المشاعر تتجه إلى الله وحده بالدعاء فقال - تعالى - ﴿هُوَ الذي يُسَيِّرُكُمْ وفى البر والبحر...﴾.
والسير معناه : الانتقال من مكان إلى آخر. والتسيير معناه : جعل الإِنسان أو الحيوان أو غيرهما يسير بذاته، أو بواسطة دابة أو سفينة أو غيرهما، مما سخره الله - تعالى - له بقدرته ورحمته.
أى : هو - سبحانه - الذي يسيركم بقدرته ورحمته وفى البر والبحر، بواسطة ما وهبكم من قدرة على السير، أو ما سخر لكم من دواب وسفن وغيرهما مما تستعملونه وفى سفركم، وكل ذلك من أجل مصلحتكم ومنفعتكم.
ثم قال - تعالى - ﴿حتى إِذَا كُنتُمْ وفى الفلك وَجَرَيْنَ بِهِم بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُواْ بِهَا...﴾.
والفل : ما عظم من السفن. ويستعمل هذا اللفظ عند كثير من العلماء للواحد والجمع. والظاهر أن المراد به هنا الجمع، بدليل قوله ﴿وَجَرَيْنَ﴾ أى : السفن.
والمراد بالريح الطيبة : الريح المناسبة لسير السفن، والموافقة لا تجاهها.
أى : هو - سبحانه - وحدا الذي ينقلكم من مكان إلى آخر وفى البر والبحر، حتى إذا كنتم في إحدى مرات تسييركم راكبين في السفن التي سخرها لكم، وجرت هذه السفن بمن فيها بسبب الريح الطيبة إلى المكان الذي تقصدونه، وأنتم وفى حالة فرح غامر، وسرور شامل.. ﴿جَآءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَآءَهُمُ الموج مِن كُلِّ مَكَانٍ وظنوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِم...﴾.
والريح العاصف : هي الريح الشديدة القوية. يقال : عصفت الريح واعصفت فهي عاصف إذا اشتدت وفى سرعتها وهيجانها.
والموج : ما ارتفع من مياه البحار، والظن هنا بمعنى اليقين أو الاعتقاد الراجح، وقوله :﴿أُحِيطَ بِهِمْ﴾ أى : أحاط بهم البلاء من كل ناحية. يقال لمن وقع في بلية : قد أحيط به وأصل هذا أن العدو إذا أحاط بعدوه جعله على حافة الهلاك.
أي بعد أن جرت السفن بهلاء القوم وفى البحر وهم وفى فرح وحبور، جاءت إليهم ريح عاصفة شديدة السرعة والتقلب، وارتفع إليها الموج من كل مكان، واعتقد ركابها - الذين كانوا منذ قليل فرحين مبتهجين - أنهم قد أحاط بهم الهلاك كما يحيط العدو بعدوه.
وقوله :﴿بهم﴾ فيه التفات من الخطاب إلى الغيبة، لأنه كان الظاهر أن يقال : حتى إذا كنتم وفى الفلك وجرين بكم لكن جاء الكلام على أسلوب الالتفات للمبالغة في تقبيح أحوالهم، وسوء صنيعهم.
قال صاحب الكشاف " فإن قلت : ما فائدة صرف الكلام من الخطاب إلى الغيبة ؟ قلت : المبالغة، كأنه لغيرهم حالهم ليعجبهم منها، ويستدعي منهم الإِنكار والتقبيح ".
وقوله :﴿دَعَوُاْ الله مُخْلِصِينَ لَهُ الدين لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هذه لَنَكُونَنَّ مِنَ الشاكرين﴾ بيان لما قالوه بعد أن داهمتهم الرياح العاصفة، والأمواج العالية وبعد أن أيقنوا أنهم على حافة الموت.
أي وفى تلك الساعات العصبية، واللحظات الحرجة، توجهوا إلى الله وحده قائلين : نقسم لك يا ربنا، ويا من لا يعجزك شيء، لئن أنجينا من تلك الأهوال التي نحن فيها، لنكونن من الشاكرين لك، المطيعين لأمرك، المتبعين لشرعك.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:هذا، ومن الأحكام والآداب التي أخذها العلماء من هذه الآيات ما يأتى :
١ - أن من الواجب على العاقل أن يكثر من ذكر الله وفى حالتى الشدة والرخاء، وأن لا يكون ممن يدعون الله عند الضر وينسونه عند العافية، ففى الحديث الشريف :" تعرف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدة ".
٢ - أن الناس جبلوا على الرجوع إلى الله وحده عند المصائب والمحن، وفى ذلك يقول الآلوسى :" روى أبو داود والنسائي وغيرهما عن سعد بن أبى وقاص قال : لما كان يوم الفتح فر عكرمة بن أبى جهل فركب البحر فأصابتهم ريح عاصف، فقال أصحاب السفينة لركابها : أخلصوا فإن آلهتكم لا تغني عنكم شيئاً. فقال عكرمة : لئن لم ينجني وفى البحر إلا الإِخلاص، ما ينجيني وفى البر غيره. اللهم ن لك عهدا إن أنت عافيتنى مما أنا فيه أن آتى محمدا حتى أضع يدي في يده، فلأجدنه عفوا كريما. قال : فجاء فأسلم.
وفى رواية ابن سعد عن أبي مليكة : أن عكرمة لما ركب السفينة وأخذتهم الريح فجعلوا يدعون الله - تعالى - ويوحدونه فقال : ما هذا ؟ فقالوا : هذا مكان لا ينفع فيه إلا الله - تعالى - قال :" فهذا ما يدعونا إليه محمد - ﷺ - فارجعوا بنا ". فرجع وأسلم... ".
وقال الفخر الرازي :" يحكي أن واحدا قال لجعفر الصادق : اذكر لي دليلا على إثبات الصانع ؟ فقال له : أخبرني عن حرفتك : فقال : أنا رجل أتجر وفى البحر. فقال له : صف لي كيفية حالك. فقال : ركبت البحر فانكسرت السفينة وبقيت على لوح واحد من ألواحها وجاءت الرياح العاصفة.
فقال جعفر : هل وجدت وفى قلبك تضرعا ودعاء. فقال : نعم.
فقال جعفر : فإلهك هو الذي تضرعت إليه وفى ذلك الوقت.
وقد ساق صاحب المنار قصة ملخصها " أن رجلا إنجليزيا قرأ ترجمة قوله - تعالى - ﴿هُوَ الذي يُسَيِّرُكُمْ وفى البر والبحر﴾ فراعته بلاغة وصفها لطغيان البحر.. وكان يعمل قائدا لإحدى السفن.. فسأل بعض المسلمين : أتعلمون أن نبيكم - ﷺ - قد سافر وفى البحار ؟ فقالوا له : لا.. فأسلم الرجل لأنه اعتقد أن القرآن ليس من كلام البشر وإنما هو كلام الله - تعالى..
٣ - دل قوله - تعالى - ﴿ياأيها الناس إِنَّمَا بَغْيُكُمْ على أَنفُسِكُمْ﴾ على أن البغى يجازي أصحابه عليه في الدنيا والآخرة.
فأما وفى الآخرة فهو ما دل عليه إنذار أهله بأنه - سبحانه - سيجازيهم عليه أسوأ الجزاء.
وأما في الدنيا فبدليل قوله - تعالى - ﴿ياأيها الناس إِنَّمَا بَغْيُكُمْ على أَنفُسِكُمْ﴾ ويؤيده ما رواه البخاري وفى الأدب المفرد والترمذى وابن ماجه والحاكم من حديث أبي بكر الصديق - رضى الله عنه - أن رسول الله - ﷺ - قال :" ما من ذنب يعجل الله لصاحبه العقوبة وفى الدنيا مع ما يدخر له في الآخرة سوى البغى وقطيعة الرحم ".
قال الآلوسى : وفى الآية من الزجر عن البغى ما لا يخفى " فقد أخرج أبو نعيم والخطيب والديلمى وغيرهم عن أنس قال رسول الله - ﷺ - :" ثلاث هن رواجع على أهلها : المكر والنكث والبغى " ثم تلا - ﷺ - تعالى - ﴿ياأيها الناس إِنَّمَا بَغْيُكُمْ على أَنفُسِكُمْ﴾. وقوله - تعالى - ﴿فَمَن نَّكَثَ فَإِنَّمَا يَنكُثُ على نَفْسِهِ﴾ وقوله - تعالى - ﴿وَلاَ يَحِيقُ المكر السيىء إِلاَّ بِأَهْلِهِ﴾ وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس وابن عمر قالا : قال رسول الله - صلى الله عليه والسلام - :" لو بغى جبل على جبل لدك الباغى منهما ".
وكأن المأمون يتمثل بهذين البيتين لأخيه :
يا صاحب البغى إن البغى مصرعه... فارجع فخير فعال المرء أعدله
فلو بغى جبل يوما على جبل... لاندك منه أعاليه وأسفله

تفسير هذه الآية من كتب أخرى